الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

قراءة في دفتر أحوال اللاجئين الإثيوبيين الفارين إلى السودان

الأمم المتحدة تتحدث عن أزمة إنسانية واسعة النطاق إذا ما استمر تدفق اللاجئين دون توقف باتجاه الأراضي السودانية

كيوبوست – عبد الجليل سليمان

بأمتعةٍ قليلة وبأيدٍ فارغة، بملابس وعراة، وبقلوب واجفة وخواطر مكسورة، ومآقٍ مُحتقنة وأجسادٍ مُنهكة، يعبُر اللاجئون الإثيوبيون نهر ستيت، الحد الفاصل بين أرض المعركة في منطقة الحُمرا بإقليم تيغراي المأزوم، إلى بلدة حمداييت السودانية في الضفة الأخرى من النهر.

في المشهد المأساوي، أيضاً، نحو 200 من النسوة الحوامل، وشباب غض وأطفال مصعوقين من هول ما حدث، يفرون على أقدامهم الصغيرة الواهنة؛ رفقة أُسرهم أو من دونها لمَن تقطعت بهم السبل فتبعثروا في الوديان وبين حقول الذرة ونتوءات الصخور المحيطة بضفاف الأنهار الجارية عبر الحدود بين السودان وإثيوبيا وإريتريا،  نحو ما يربو على (34) ألف لاجئ، حسب تقديرات معتمدية اللاجئين السودانية، وصلوا إلى البلاد فراراً من جحيم الحرب الأهلية الإثيوبية؛ بينهم مرضى وجرحى وأطفال ونساء حوامل.

قتل على الهوية

لاجئون من إقليم تيغراي عند وصولهم السودان- تصوير حسين أريّ

تحدث “كيوبوست”، عبر مكالمة هاتفية إلى (قرماي ودي ماما)، من قومية تيغراي، وكان لحظتها وصل لتوه إلى معسكر أم راكوبة بولاية القضارف السودانية، قادماً عبر مسالك شائكة وتضاريس معقدة من بلدة (ماي خضرا) الإثيوبية المتاخمة، وبصوت متهدج ومتحشرج، يُعبِّر عن حجم المأساة، قال: ليس الوقت للكلام، بالكاد ألتقط أنفاسي، وإن كان هنالك أمر مهم ينبغي أن أقوله لكم، فهو أن ما جرى في بلدتي يرقى إلى التطهير العرقي بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ فقد قُتلنا بالمناجل والسكاكين، وتم اصطياد الكثيرين ممن فروا بأنفسهم بالرصاص، لقد كانت ميليشيات الأمهرا الموالية للجيش الإثيوبي الفيدرالي، تتسلى بنا وكأنها تطارد غزلاناً بريّة.

“الآن، لا يهمني كيف هي حال المعسكر، ما دمت وجدت الأمن. لقد نجوت بنفسي؛ لكن لا أعرف مصير أسرتي، وإن كنت أرجح أنهم أُبيدوا عن بكرة أبيهم. لا أستطيع الحديث أكثر من ذلك، اسمح لي”.

حيث لا ظل إلا إطار الشاحنة- تصوير حسين أريّ

الباحث السياسي والمصور الصحفي حسين صالح أريّ، كان أول إعلامي يصل إلى محطتَي (حمداييت والقرية 8)؛ لاستقبال اللاجئين الإثيوبيين داخل السودان. يقول أريّ لـ”كيوبوست”: دخل اللاجئون إلى السودان عبر ثلاث نقاط؛ فبعضهم عَبَر نهر ستيت من مدينة الحُمرا الإثيوبية إلى بلدة حمداييت السودانية على الضفة المقابلة للنهر، وموجة ثانية منهم فرَّت من مناطق العمليات العسكرية إلى منطقة (اللُقدي) السودانية، ومفرزة أخرى عبرت الحدود بسيارات دفع رباعي وآليات زراعية ومقطورات و(تكاتك)، إلى القرية (8) داخل السودان. يضيف أريّ: يبدو أن هذه المجموعة تضم بينها أثرياء أو موظفين حكوميين كباراً، فقد تم إيواؤهم مؤقتاً في منازل جيدة البناء، كانت معدَّة سلفاً كتعويضات لمواطنين فقدوا بيوتهم عند بناء سدَّي ستيت وأعالي عطبرة بشرق السودان.

اقرأ أيضًا: الأسباب والسيناروهات المتوقعة للصراع الداخلي في إثيوبيا

وأردف أريّ: في مركز استقبال القرية (8)، لا توجد مشكلة إيواء، ولا مشكلة صحية، حيث أنشأ اللاجئون أنفسهم عيادة مؤقتة، يديرها طبيب وممرضون من بينهم، ووفروا سيارة إسعاف خاصة بهم، بينما تولَّت مُعتمدية اللاجئين السودانية (كور)، توفير الدواء، لكنْ للمعاناة هنا وجه آخر، يتمثل في شُحّ المفارش وندرة المياه ورداءة الصرف الصحي.

المحلل السياسي والمصور الصحفي حسين صالح أريّ

خطر تفشي الأمراض

 يواصل حسين أريّ حديثه إلى “كيوبوست”: يبدو الأمر في مركز استقبال (حمداييت) على النقيض تماماً؛ فهنالك مشكلة في كل شيء، فليس هناك مخيمات كافية، وإنما مخيم واحد يتبع إدارة المركز، يسع 300 شخص، وآخر يتبع الهلال الأحمر السوداني، يسع 100 فقط، فضلاً عن أن الرعاية الصحية تكاد تنعدم تماماً، فقد شاهدت معاناة بعض مرضى الضغط والسكر، إلا أن الحالة الصحية للسواد الأعظم منهم تبدو جيدة، غير أن وجودهم  متكدسين في مخيمات ضيقة متلاصقين، سيسهل من انتقال العدوى بينهم حال تفشي الأمراض؛ خصوصاً أن الموجة الثانية لـ”كورونا” على الأبواب، ما قد يؤدي إلى انفجار الوضع الصحي في أية لحظة، فضلاً عن أن اللاجئين يتحركون بحرية وسهولة بين المواطنين، وفي هذا خطر أمني على الجميع؛ فالحرب الدائرة في إثيوبيا طابعها عرقي، ولربما تحاول مجموعات منهم الانتقام من أخرى مختلفة عنها عرقياً في ظل الاحتقان الشديد بينهم.

يضيف أريّ: هذا ما تداركته معتمدية اللاجئين؛ إذ أعادت نحو 250 لاجئاً كانت رحلتهم من مراكز الاستقبال إلى معسكر (شجراب) للاجئين الإريتريين بشرق السودان، خشية حدوث احتكاكات عرقية بينهم.

اقرأ أيضاً: البعد الأيديولوجي لحرب آبي أحمد على إقليم تيغراي (1- 2)

يستطرد أريّ: لا تزال الخدمات المقدمة من المفوضية العليا وبرنامج الأغذية العالمي، شحيحة وتكاد لا تُذكر، إلا أن السلطات السودانية بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة العاملة في مجال اللاجئين شرعت في نقل المزيد منهم من مراكز الاستقبال الثلاثة واستيعابهم في معسكر (أم راكوبة) بولاية القضارف، وهو معسكر قديم، تتوفر به آبار جوفية للمياه الصالحة للشرب، عدا ذلك، فلا توجد به خدمات أخرى، ويبدو أن سوء الأوضاع في مراكز الاستقبال والمعسكرات، جعلت بعض اللاجئين، يحجمون عن الذهاب إلى مراكز الاستقبال، ويقصدون الأكواخ المبنية من القش المنتشرة داخل المشروعات الزراعية الكبرى والتي يخصصها ملاك المشروعات للعمال الزراعيين الموسميين؛ الأمر الذي يعقِّد إجراء علميات إحصائية دقيقة لأعدادهم.

البحث عن ماء الشرب- تصوير حسين أريّ

وفي السياق نفسه، تقول الصحفية السودانية خالدة ود المدني: إن وتيرة تدفق اللاجئين الإثيوبين نحو ولايتَي القضارف وكسلا السودانيتَين، ترتفع يوماً بعد آخر، بمتوسط ​​وصول يومي يبلغ 4000 شخص، وقد فاق العدد الإجمالي للفارين من الذين بلغوا نقاط الاستقبال بالسودان حتى اليوم نحو 35 ألف لاجئ، حسب المعتمدية السودانية للاجئين.

اقرأ أيضاً: البعد الأيديولوجي لحرب آبي أحمد على إقليم تيغراي (2- 2)

خالدة ود المدني

تضيف ود المدني: يعاني هؤلاء؛ خصوصاً النساء والأطفال، معاناة كبيرة، على كل المستويات؛ من ناحية الغذاء والرعاية الصحية وأماكن النوم، ولا تزال المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة عاجزة عن تقديم المعونات على الأرض، فقط لديها موظفون يرفعون التقارير ويقومون بالإحصاءات بطريقة بطيئة وبيروقراطية،  بينما يعاني اللاجئون الإعياء والضنك والشظف، ويحتاجون إلى جهود عاجلة لضمان وصولهم إلى نقاط الاستقبال والمعسكرات بسلامة ولتوفير الغذاء والإيواء والرعاية الصحية، والخدمات الحيوية؛ كالمراحيض.

وحسب بيان صادر من المفوضية العليا للاجئين (UNHCR)، فإن عدد هؤلاء اللاجئين وصل إلى (27) ألفاً، بينما قدَّرته معتمدية شؤون اللاجئين السودانية (COR) بـ(35) ألفاً في حصيلة غير نهائية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة