الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

قراءة في الاستراتيجية الفرنسية الجديدة في منطقة الساحل الإفريقي

بعد أكثر من عِقد على وجودها في منطقة الساحل.. أعلن إيمانويل ماكرون أن فرنسا ستنهي مهمة في برخان المناهضة للجهاديين في إفريقيا وإحلال استراتيجية جديدة عوضاً لها

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

مع مرور الوقت تبدو نتائج الحرب الروسية- الأوكرانية أكثر تمظهراً ووضوحاً وأعمق أثراً على مُجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية؛ ليس على أوروبا فحسب بل على إفريقيا أيضاً.

وهذا ما حدا بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن يجعل من زيارته إلى ميناء تولون على البحر المتوسط -جنوب فرنسا- الأربعاء الماضي؛ مناسبة لإعلان استراتيجية عسكرية فرنسية جديدة في إفريقيا؛ مبنيةً بشكل أساسي على تداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية، فضلاً عن تنامي الرفض الرسمي والشعبي للوجود الفرنسي في منطقة الساحل والغرب الإفريقي.

تناول ماكرون في كلمته التي اختار بثَّها من مدينة اشتُهرت بصناعة السفن ومعدات الطيران والتسليح؛ المحاور الرئيسية التي ستُحدد الاتجاه الدفاعي لبلاده في السنوات المقبلة، بالإضافة إلى العديد من قضايا الساعة؛ مثل الردع النووي، داعياً إلى ما سمَّاه تكريس فرنسا بشكل نموذجي داخل حلف الناتو وتعزيز السيادة الأوروبية في ما يتعلق بالمسائل الدفاعية، مُستعرضاً التحديات الجيوسياسية المقبلة.

بالنسبة إلى الاستراتيجية الفرنسية الجديدة لمكافحة الإرهاب في إفريقيا، كشف الرئيس الفرنسي أنها ستكون جاهزة في غضون 6 أشهر؛ بعد اكتمال مشاورات باريس مع شركائها وحلفائها والمنظمات الإقليمية في القارة، من أجل تطوير شكل ومهام القواعد العسكرية الفرنسية الحالية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

وبعد أكثر من عِقد على وجودها في منطقة الساحل، أعلن إيمانويل ماكرون أن فرنسا ستنهي مهمة في برخان المناهضة للجهاديين في إفريقيا وإحلال استراتيجية جديدة عوضاً لها، دون أن يحدد الملامح والتفاصيل الخاصة بها، حتى الآن.

اقرأ أيضاً: الوجود الفرنسي في النيجر يتضاءل.. والفراغ ينذر بالأسوأ

موت برخان

تحيا روسيا- تسقط بعثة الأمم المتحدة- تسقط فرنسا.. شعارات رُفعت في مالي وانتشرب في جميع دول الساحل- وكالات

“سنستمر في دعمنا العسكري للدول الإفريقية؛ لكن وفقًا لمبادئ جديدة حددناها معهم”. قال أمام كبار الجنرالات والدبلوماسيين في تولون، مضيفاً: “قررت بالتنسيق مع شركائنا أن أجعل هذا اليوم نهاية لعملية برخان، مع بروز استراتيجية عسكرية جديدة ستستند إلى تعاون أوثق مع الجيوش الإفريقية لجعل انتشار القوات الفرنسية أخف وزناً وأكثر ديناميكية”.

وفي السياق ذاته؛ واجهت القوات الفرنسية عداء متزايداً من بعض الذين يعتبرونها قوة احتلال غير فعالة وامتداداً لقوة استعمارية سابقة؛ ما اضطر ماكرون إلى سحب برخان من مالي هذا العام، وإن كان لا يزال نحو 3 آلاف جندي فرنسي موجودين في بوركينا فاسو وتشاد والنيجر.

محمود أبوبكر

يعتقد المحلل السياسي المتخصص في الشأن الإفريقي، محمود أبوبكر، أن توتر العلاقات الفرنسية مع الحكام العسكريين الجدد في بعض دول الساحل، جاء نتيجة ضغط شعبي لا تريد باريس الاعتراف به؛ حيث إن غضباً شعبياً عارماً على الوجود الفرنسي المسلح، يسود بين شعوب دول غرب إفريقيا؛ خصوصاً أن قوات برخان وتوكوبا لم تحرزا أية نتائج في ما يتعلق بالمهمة الرئيسية لوجودهما على الأراضي الإفريقية، فما زالت الحركات الجهادية تفرض سيطرتها على أجزاء مقدرة من بعض دول الساحل.

يشير أبوبكر، في حديثه إلى “كيوبوست”، إلى أن الاستراتيجية المزمعة تقوم على تغيير وضع وشكل ومهمة القواعد العسكرية الفرنسية في الساحل الإفريقي؛ لكن لا توجد خطط فورية لتقليص أعداد الجنود الفرنسيين هناك.

اقرأ أيضاً: النسخة الثامنة من منتدى داكار.. جدلية السلام والأمن في إفريقيا تحت المجهر

جداول زمنية

خارطة بقواعد وعمليات برخان في منطقة الساحل- وكالات

بعد 9 أعوام من وجوده على أراضيها، غادرت آخر كتيبة تابعة للجيش الفرنسي قاعدة غاو بجمهورية مالي في أغسطس الماضي، مدفوعةً من قِبل المجلس العسكري الحاكم منذ انقلاب أطاح بالرئيس إبراهيم أبوبكر كيتا، أغسطس 2020، الذي ينسق بشكل رئيسي مع مجموعة فاغنر الروسية شبه العسكرية.

ويأتي الانسحاب الفرنسي بعد نحو عام على تدهور مستمر ومتفاقم للعلاقات بين باريس وباماكو، ومع ذلك؛ لا يزال نحو 3 آلاف جندي فرنسي من 5500 منتشرين بين النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، يقاتلون الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيمَي القاعدة وداعش اللذين وسَّعا أنشطتهما تدريجياً إلى دول خليج غينيا.

لكن، هذه المرة لن تكون الاستراتيجية الفرنسية مثل سابقتها، وفقاً للمحلل السياسي محمد الأسباط، الذي تحدث إلى “كيوبوست”، مشيراً إلى أن الرئيس الفرنسي شدَّد على أنها ستكون مبنية على حدود زمنية أفضل، وأن باريس ليست لديها الرغبة في البقاء منخرطةً لفترة غير محدودة في عمليات عسكرية خارجية.

محمد الأسباط

وأضاف الأسباط أن إعلان الاستراتيجية الفرنسية الجديدة، ليس مرتبطاً بالضرورة بانسحاب برخان التام وإنما سيتم توفيق أوضاعها وفقاً للأسس الجديدة التي ستتضمنها الاستراتيجية.

بيد أن على باريس النظر بعين الاعتبار إلى أمور أخرى ووضعها نصب عينَيها في سياق استراتيجيتها المقبلة؛ وعلى رأسها كيفية التعامل مع الرأي العام الإفريقي المُعادي للوجود الفرنسي بشكل متزايد مع الوجود المتنامي للقوى المنافسة بمنطقة الساحل؛ وفي مقدمتها روسيا، حسب الأسباط.

 حتى الآن، لا يمكننا الحديث بشكل تفصيلي عن الاستراتيجية المعلنة؛ حيث أرجأ الرئيس الفرنسي استكمالها إلى المشاورات الجارية بين باريس وشركائها، إلا أن الفكرة المحورية منها واضحة وجلية؛ إذ تتلخص في استمرار القوات الفرنسية بالعمل في القارة، لكن بصيغة وخطط جديدة، هذا كل ما في الأمر، يعود محمود أبوبكر للتعليق مجدداً، ويضيف، ثمة ملاحظة أخرى جديرة بالعناية في حديث ماكرون؛ وهي إشارته إلى أن المعركة مستمرة وأن بلاده لن “تتحلى بصبر المتفرجين”؛ خصوصاً إزاء ما سمَّاها بالروايات المعادية والمعلومات الكاذبة، وفي ذلك دلالة واضحة على دور ترويجي مهم سيقع عبؤه على الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ربما لصناعة صورة ذهنية مختلفة لما هو سائد عن الوجود الفرنسي في إفريقيا.

اقرأ أيضاً: أعلام روسية في بوركينا فاسو.. واشنطن تحذر واغادوغو من جلب (فاغنر)

بحكم الوقت

كوامي جوليان رئيس أركان الجيش الإيفواري يستقبل نظيره الفرنسي تيري بوركارد.. فبراير 2022- وكالات

إلى ذلك، كان فرنسا يناير 2013 عملية “سيرفال” بهدف دعم القوات المسلحة في جمهورية مالي ووقف تقدم الجماعات الإسلامية المسلحة نحو جنوب البلاد، وتمكنت القوات الفرنسية من طرد أعداد كبيرة من الجماعات الجهادية من شمال مالي بعد أن سيطرت على أجزاء واسعة منه في 2012.

لاحقاً أعادت الحركات الجهادية تجميع صفوفها وتمكنت من التقدم جنوباً باتجاه خليج غينيا.

وتتصاعد موجات الغضب والعداء تجاه باريس في معظم دول الساحل التي تضم كلاً من موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد؛ فبعد انسحاب القوات الفرنسية من مالي، يتعرض وجودها إلى الخطر في بوركينا فاسو؛ خصوصاً بعد انقلاب النقيب إبراهيم تراوري الأخير، حيث تعرضت المصالح الفرنسية إلى عديد من الانتهاكات قبل أن تهدأ الأوضاع قليلاً، إلا أن محللين ومراقبين للأوضاع الجارية في بوركينا فاسو، يجزمون أن مغادرة نحو 400 جندي فرنسي مقيمين في قاعدة عسكرية قرب العاصمة واغادوغو؛ ضمن قوة سابر الخاصة المعنية بتدريب الجيش البوركيني، أصبحت في حكم الواقع، بينما أصبح شعار “فرنسا ارحلي” الأكثر إثارة للمشاعر الوطنية المناهضة للوجود الفرنسي؛ ليس في مالي وبوركينا فاسو فحسب، بل في النيجر وتشاد والسنغال وكوت ديفوار.. فهل تنجح الاستراتيجية الفرنسية الجديدة في إطفاء جذوته وإخمادها؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة عن هذا السؤال. 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة