الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

قراءات في كتب كبار الفلاسفة 9: فينومينولوجيا الروح.. هيجل

شايع الوقيان♦

يعد هذا الكتاب من أكثر الكتب الفلسفية صعوبةً في الفكر الحديث، وربما على الإطلاق. لقد كتبه هيجل في ظروف سياسية واجتماعية وشخصية مضطربة. وعلاوة على ذلك، فإن موضوع فلسفة هيجل معقد جداً؛ بحيث إن الكتابة عنه لا بد أن تكون بالتالي معقدة وصعبة، وسيكون من المستحيل أن نلم بالكتاب في مقالة واحدة؛ لذا سنضطر إلى تقديم الطريقة المنهجية الملائمة التي تفيد القارئ في قراءة الكتاب، مع إعطاء بعض الأمثلة للإيضاح.

طوَّر هيجل منهجاً جديداً سمَّاه “المنهج الديالكتيكي” أو الجدلي؛ وهذا المنهج يحاول أن يستوعب كل شيء في الوجود ويلمّه في نسق شامل ومتماسك، فالمنهج المنطقي السابق كان يرفض التناقض مثلاً بناءً على مبدأ عدم التناقض؛ فالعبارة التالية “السماء الآن تمطر ولا تمطر” تعد خاطئة؛ لأنها تنتهك مبدأ عدم التناقض، لكن المنهج الجدلي الهيجلي يقبل التناقض؛ ولكنه “يعقلنه” بشكل ذكي، فهيجل، رغم كل شيء، يظل من كبار الفلاسفة العقلانيين، وله عبارة ذائعة تقول: كل واقعي عقلاني، وكل عقلاني واقعي؛ فالواقع منسجم مع العقل، والتناقض الموجود في الواقع هو تناقض ظاهري. وتطور الوجود هو تطور نحو إزالة التناقض، والوصول للانسجام المطلق. وكل تناقض هو عقبة يجب تجاوزها، وهذا يحدث عبر الجدل.

الفيلسوف جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770- 1831)

يتألف المنهج الجدلي من ثلاث لحظات:

1- القضية 2- نقيض القضية 3- مركب القضية ونقيضها

ففي اللحظة الثالثة يتم “رفع” التناقض؛ لكي يحتفظ الوجود بعقلانيته.

   اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 8: نقد العقل المحض ..كانط

لنعط مثالاً على الجدل:

1- القضية: الأنا تعي نفسها.

لكني لكي أعي “أناي” لا بد أن أعيِّن لها صفات، والتعيين يعني وضع حد (حدود). فأناي ليست لا متناهية؛ بل أدرك تناهيها ومحدوديتها، والذي جعلني أدرك حدودي هو ما يقع خارجي؛ أي (اللا-أنا).

2- نقيض القضية: اللا-أنا (أو: الآخر)؛ فالأنا كما لاحظنا أفرزت نقيضَها. ههنا يحدث “صراع” أو تضاد بين القضية ونقيضها، ينتج عنه مركب بينهما وهو “نحن”.

   اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 7: مبحث في الفهم البشري ..ديفيد هيوم

3- المركب: النحن. والمركب بالعادة يحذف الأشياء الثانوية، ويستبقي الأشياء الجوهرية في (الأنا) و(اللا-أنا)؛ فالنحن هي لحظة أعلى.

ثم يبدأ الجدل من جديد؛ إذ تفرز (النحن) نقيضها وهو (الهُم) ويحدث صراع وتناقض يزول في المركب الجديد (الإنسانية).

نقش لعبيد يساقون بسلاسل في العصر الروماني

هذا المثال لم يذكره هيجل؛ ولكنه يوضح كيف يسير الجدل. ويمكن إعطاء أمثلة أخرى من التاريخ؛ ففي الوثنية اليونانية- الرومانية كان هناك تعدد آلهة، ونقيضها الوحدانية اليهودية، والمركب هو التثليث المسيحي؛ فالتثليث يجمع التعددية، ولكنه يحتفظ بالوحدانية؛ حيث إن الثلاثة أقانيم تعبر عن إله واحد.

   اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 6: رسالتان في التسامح.. جون لوك وفولتير

الفكرة هي أن الواقع الظاهري يحتوي على تعددية وتنوع وتناقضات؛ ولكن الواقع الحقيقي هو واحد ومطلق ومنسجم مع ذاته، ويدعوه هيجل بـ(المطلق)؛ وهو العقل المطلق أو الإله.

غلاف الكتاب

في كتاب (فينومينولوجيا الروح)، يصور هيجل قصة العقل الإنساني ومسيرته. يجب أن نتذكر أن هيجل يوافق الفيلسوف الإغريقي القديم بارمنيدس، بأن الوجود ثابت وواحد وأنه عقل (ناوس)، وأن التنوع ليس سوى وهمٍ؛ لكن هيجل يسمي التنوع بعالم الظواهر، و”الفينومينولوجيا” هي دراسة الظواهر وتطورها التاريخي.

هكذا يبدأ الوجود كعقل مطلق، وهذا العقل يفكر في نفسه فينتج عنه النقيض؛ وهو اللا-عقل (أي، الطبيعة المادية الخرساء). ومع صراع العقل واللا عقل تنشأ الروح، والروح هي العقل وقد اكتمل ونضج، وحقق ذاته كلياً.

  اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 5: آراء أهل المدينة الفاضلة…الفارابي

والإنسان نفسه يسير بهذا الشكل؛ فمعرفتنا تبدأ بالمحسوسات المباشرة، فعندما أرى شيئاً كالطاولة مثلاً فإن وعيي الحسي بها مباشر ولا يحتاج إلى وسيط؛ والوسيط مصطلح مهم لدى هيجل. لنفهم المصطلح جيداً لنتذكر منهج الاستدلال؛ عندما أرى دخاناً من بعيد، فإني أستدل على وجود نار، فمعرفتي بالنار ليست مباشرة بل متوسطة؛ أي عرفت النار عبر وسيط هو الدخان.

إذن، الوعي الحسي (أو اليقين الحسي كما يسميه هيجل) هو وعي مباشر. أنا وأمامي طاولة، وليس هنا أي شيء آخر.

  اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 4: مقال في المنهج…ديكارت

لكن الأمر ليس بهذه البساطة ولا بهذه المباشرة؛ فأنا أعي الطاولة ولكن بوصفها “مثالاً” فردياً على نوع الطاولة، فأنا أحمل في ذهني مسبقاً تصوراً كلياً عن “الطاولة” ومن خلال هذا التصور أدرك أن هذا الشيء أمامي هو طاولة. إذن، وعيي الحسي بالطاولة لم يكن مباشراً؛ بل ثبت أن ثمة وسيطاً هو ماهية الطاولة، وهكذا صار الوعي الحسي إدراكاً حسياً؛ فالإدراك الحسي هو معرفة الكلي في الجزئي، وهو أشبه بالاستدلال الذي أشرنا إليه قبل قليل.

لكن هناك مرحلة أكثر تجريداً وهي الفهم، وفيه أدرك الكليات اللا حسية؛ أي القوانين الكلية التي تنظم الظواهر المادية، كالجاذبية والسببية والعطالة وغيرها؛ فالطاولة خاضعة لهذه القوانين.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 3: في الحرية.. جون ستيوارت مل

لدينا إذن هذا التوليف الجدلي الجديد:

1- القضية (الوعي أو اليقين الحسي)؛ وهو إدراك الشيء في فرديته ومباشرته.

2- نقيضها هو (الإدراك الحسي)؛ وهو إدراك الفئة الكلية التي ينتمي إليها الشيء الفردي، فالطاولة مجرد مثال واحد على تصور الطاولة الكلي.

3- المركب وهو (الفهم)؛ وفيه ندرك أن الطاولات، وكل شيء مادي، خاضعة لقوانين كلية مجردة.

عرضت أفكار هيجل في كتب عدة

ثم يستمر الجدل على طول الكتاب…

فالوعي الأصلي (الثلاث لحظات أعلاه) يفرز نقيضَه، وهو الوعي الذاتي، والمركب منهما هو العقل.

ففي حالة الوعي الأصلي يكون المرء إزاء عالم المحسوسات؛ فلدينا الأنا ونقيضها وهو العالم الحسي؛ لكن كما عرفنا فإن المرء يدرك أن العالم الحسي هو في حقيقته قوانين كلية (كما في حالة الفهم)، والكلي دائمًا عقلي وليس مادياً. إذن الأنا التي تدرك العالَم هي ذات عاقلة تدرك عالماً عقلياً؛ وبعبارة أبسط: الأنا تدرك نفسها، وهذا هو الوعي الذاتي.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 2: كتاب الجمهورية.. أفلاطون

ومن صراع الوعي الأصلي والوعي الذاتي ينشأ العقل؛ فإذا كان الوعي الذاتي يعبر عن فرد واحد، أي عن عقل إنسان واحد، فإن العقل يعبر عن العقول الإنسانية كلها في اتحادها.

في لحظة الوعي الذاتي ظهرت الثنائية الشهيرة (جدلية السيد والعبد)؛ ففي هذه اللحظة قُلنا إن الأنا تدرك العالَم بوصفه عقلاً؛ أي جزءاً منها، لكن العالم في الوقت عينه لا يزال ذا وجود مستقل عن الأنا؛ فهو قائم هناك. إذن نحن أمام تناقض بين الأنا واللا-أنا.

قدمت ترجمات عدة فلسفة هيجل

هكذا يبدأ الوعي الذاتي رحلته؛ لكنه يبدأ ليس بوصفه معرفة بل رغبة، فالرغبة هي اللحظة الأولى من لحظات الوعي الذاتي، ويعرِّفها هيجل بأنها الميل نحو إلغاء استقلال الشيء الخارجي؛ فالجائع يرغب في الطعام، ولكي يكون جزءاً منه يجب إلغاء استقلاله: أي التهامه. وكل الرغبات كالجنس والسيطرة والحب تتبع هذه الآلية: إلغاء استقلال اللا-أنا، وجعلها جزءاً من الأنا.

مرحلة الرغبة أشبه باللا وعي الذاتي (كما عند فرويد)؛ فالأنا ترغب في كل شيء وتريد ضمه إلى نفسها، لكنها تصطدم بوجود ذوات أخرى واعية؛ ذوات لها رغبات أيضاً، هذه الذوات الأخرى (البشر الآخرون) يكونون في البداية موضوعات لرغبة الأنا؛ كالطعام مثلاً، لكن الأنا يدرك شيئاً فشيئاً أن هذه الذوات تمتلك وعياً مثله، والبشر هنا ليسوا مجرد “أشياء”.

وجود عقول أخرى يجعل المرء واعياً بشكل معرفي. فالمعرفة تنهض على فكرة الموضوعية والبين-ذاتية؛ فأنا لا أعيش وحدي. هكذا يتحول الوعي الذاتي الرغبوي إلى وعي ذاتي معرفي؛ لكن الرغبة لا تزال مختبئة في هذا الوعي. فلا تزال الأنا “ترغب” في السيطرة على “الآخرين” وإلغاء استقلالهم، وهنا نشأ الرق تاريخياً؛ فالأنا تمثل السيد، والآخر، موضوع الرغبة، يمثل العبد، والسيد يحاول باستمرار أن يبقي العبد خاضعاً له، والعبد يحاول جاهداً أن يحظى باعتراف السيد به ككائن مستقل. في هذه الجدلية يبدأ السيد يدرك أن بقاءه سيداً “يعتمد” على وجود العبد؛ إذن فالسيد نفسه لم يعد مستقلاً.

اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة (1): ما وراء الخير والشر.. فريدرك نيتشه

المرحلة الثالثة هي التحرر؛ ففي الحرية وإلغاء العبودية يستقل العبد، وأيضًا يستقل السيد ولا يعود وجوده مرتهناً إلى وجود العبد.

في هذه المرحلة ينشأ الوعي الذاتي الكلي من القضية (الرغبة) ونقيضها (الوعي الذاتي المعرفي)، وهذه هي مرحلة الاعتراف المتبادل، ويجسدها، حسب هيجل، عصر التنوير الأوروبي الذي انطلق من فرنسا.

تمت ترجمة الكتاب إلى العربية مؤخراً على يد ناجي العونلي. وكان إمام عبدالفتاح إمام قد ترجم المقدمة تحت عنوان (ظاهريات الروح)، وهناك أيضاً ترجمة للمقدمة مع الفصول الأولى أنجزها مصطفى صفوان بعنوان (علم ظهور العقل). وظهرت ترجمة لجزء من المقدمة لحسام أبو سعدة مرفقاً إياها مع تعقيب لجون لفيفر.

للفيلسوف الإنجليزي ولتر ستيس كتاب بعنوان «فلسفة هيجل»، ترجمه إمام عبدالفتاح إمام في مجلدَين، وهو أفضل من شرح هيجل.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة