الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

قراءات في كتب كبار الفلاسفة 8: نقد العقل المحض ..كانط

شايع الوقيان♦

يعد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، من أعظم الفلاسفة في التاريخ وليس في الفكر الحديث فقط. كان هذا الرجل عقلانياً متأثراً بديكارت ولايبنتز، ويرى أن القوانين الكلية تحكم العالم؛ لكنه ذات يوم قرأ كتاب ديفيد هيوم (مبحث في الفهم البشري)، مترجماً إلى “الألمانية”، فأُصيب برعب! يقول “لقد أيقظني هيوم من سباتي الدوغمائي”؛ أي من نومي اليقيني. وهيوم فيلسوف شكي، وقد رأى أن القوانين التي تحكم العالم ليست كلية ولا ضرورية. فلنأخذ مبدأ السببية كمثال؛ هذا المبدأ ينص على أن لكل شيء سبباً. فإذا قربنا النار من القطن فإنه سيحترق؛ لكن هيوم يقول: صحيح أننا نرى شيئين (ناراً) تلامس (قطناً) فينتج حدث (احتراق)؛ ولكن ليس في التجربة ما يفيد أن النار “يجب” أن تحرق النار، وكلمة “يجب” تعبِّر عن مفهوم الضرورة أو الحتمية. وحسب هيوم، فقد يحدث أن نقرِّب النار من القطن في المرة القادمة فلا يحدث احتراق، ونحن فقط نتوقع الاحتراق بسبب “العادة”؛ فقد تعودنا على مشاهدة هذا الحدث مئات المرات، فاعتقدنا أنه “يجب” أن يحدث المرة القادمة. وقد فصلنا ذلك في المقال السابق.

هذه الفكرة أرعبت كانط؛ لأنها فكرة مقنعة وصحيحة. وعلى هذا فإن العلوم والمعارف ليست لها أساس يقيني؛ وهذه الفكرة تفتح الباب للخرافات واللا معقول.

الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط 1724- 1804

فما العمل؟

كانط مقتنع، كما قُلنا، بوجاهة فكرة هيوم؛ ولكنه بالمقابل مقتنع بصحة وحتمية القوانين العلمية التي وضعها نيوتن وجاليليو. “فالقوانين العلمية”، كما يقول كارناب، “ما هي إلا تقريرات دقيقة تعبر عن الانتظامات الموجودة في العالم”؛ لكن هذه الانتظامات عند هيوم ليست سوى عادات تعودنا عليها، وليست سوى وهم افترضنا وجوده في العالم الخارجي.

   اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 7: مبحث في الفهم البشري ..ديفيد هيوم

إذن، يرى كانط أن هناك شيئاً خاطئاً يجب تصحيحه.

ديفيد هيوم

فكر كانط طويلاً ووجد الحل؛ صحيح أن عالم التجربة الحسية لا ينطوي على قوانين ضرورية، وإنما على حوادث تجريبية متتالية، لكن “العقل” نفسه هو مَن يفرض الضرورةَ على العالَم. هذه الفكرة تُسمى بثورة كانط الكوبرنيكية (مقارناً إياها بثورة كوبرنيكوس في الفلك)؛ فالعقل لم يعد صفحة بيضاء تتلقى الإحساسات والمعارف، بل صار العقل نفسه يعيد تشكيل العالَم بما لديه من أفكار.

   اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 6: رسالتان في التسامح.. جون لوك وفولتير

إن القوانين الكلية الضرورية موجودة؛ ولكنها لا توجد في عالم الأشياء في ذاتها، بل في عالم الظواهر؛ فما الفرق بين هذين العالمَين؟

يتفق كانط مع التجريبيين على أن المحسوسات مهمة جداً في تكوين الخبرة وتأسيس المعرفة؛ ولكنه يتفق مع العقليين على أن العقل يحتوي على تصورات قبلية ومقولات كلية تقوم بتنظيم المحسوسات وصناعة المعرفة منها. فالمحسوسات أشبه بالمادة الخام، والعقل هو المهندس الذي يبني العالَم كما يبدو لنا.

ديكارت

نحن نستقبل معطيات حسية من العالم الخارجي؛ لكننا لا نعرف العالم الخارجي كما هو في ذاته، بل كما يظهر لنا عبر المحسوسات الصادرة عنه. وهكذا فالعالم الخارجي كما هو في ذاته هو عالم النومين أو الأشياء في ذاتها، وأما العالم كما يظهر لحواسنا فهو العالم الظاهري أو الفينومين؛ فأنا الآن أستقبل معطيات حسية من شيء اتفقنا على تسميته بـ(التفاحة)، وهذه التفاحة تظهر في ضوء ملكة الحس على أنها شيء واحد لونه أخضر، وشكله مستدير، وطعمه حلو؛ ولكن هل هذا (الشيء في ذاته) هو كما يظهر لنا فعلاً؟ يرى كانط أننا لا نملك أدنى معرفة عن التفاحة في ذاتها، فلربما لا يكون طعمها حلواً ولا لونها أخضر. ويضرب الشاعر الألماني الشهير هنريش هايني، مثلاً للتبسيط: تصور أنك ولدتَ وأنت ترتدي نظارات لونها أزرق، ولنفترض أنك غير قادر على إزالة النظارات أبداً؛ كل ما تراه سيكون لونه أزرق. هكذا هو العالم كما يظهر لك (الفينومين)؛ لكن العالم كما هو في ذاته (النومين)، فلا تملك أية وسيلة للوصول إليه ومعرفته. عقولنا مثل هذه النظارات الزرقاء؛ فهي تلون العالم بلونها ولذا فهي لا تعرف العالم كما هو في ذاته، والمفارقة أن عقولنا هي الطريق الوحيد الذي من خلاله نتصل بالعالم. وهكذا فعالم الأشياء في ذاتها لا يمكن لنا معرفته على الإطلاق.

  اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 5: آراء أهل المدينة الفاضلة…الفارابي

إذن أمامنا ثلاث كينونات: العقل والعالم الخارجي (أو العالم في ذاته) والعالم الظاهري (أو العالم كما يظهر لنا)؛ فعندما يلتقي العقل بالعالم الخارجي ينتج العالم الظاهري عن هذا اللقاء.

العالم الخارجي يمدنا بالمواد الخام (الانطباعات الحسية)، والعقل بفضل مقولاته القبلية (الفطرية) يصوغ العالم الظاهري من تلك المواد الخام؛ فما مقولات العقل؟

صدر الكتاب باللغة الألمانية

العقل يحتوي على ثلاث ملكات:

1- ملكة الحس؛ وهي التي تستقبل الانطباعات الحسية، وتقوم بتنظيمها بفضل صورتَي الزمان والمكان؛ فهاتان الصورتان عقليتان وليستا موجودتَين في العالم الخارجي.

2- ملكة الخيال؛ وهي التي تطبق مقولات ملكة الفهم على الانطباعات الحسية المتموضعة في قالبَي الزمان والمكان.

3- ملكة الفهم؛ وهي تنتج تصورات قبلية بشكل تلقائي، مثل تصور الجوهر والعلية والإضافة والتفاعل ونحو ذلك. وتقوم ملكة الخيال بتطبيقها كما، أشرنا في رقم (2)، على المحسوسات.

  اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 4: مقال في المنهج…ديكارت

ملكة الخيال تنتج ما يسميه كانط بالخطاطات الأولية؛ ولكي نفهم وظيفتها سنضرب مثالاً بالمهندس المعماري.

المهندس يصنع في ذهنه صورة للمنزل، وهي صورة عقلية؛ ولكنه لكي ينفِّذ الفكرة، أي لكي يجسد المنزل فعلياً في الواقع يمسك بورقة وقلم ويقوم بتخطيط هندسي. هذا التخطيط (مخطط البناء) يقوم بدور الوسيط بين الفكرة التي في الذهن والمنزل الفعلي المراد بناؤه.. وهكذا هو عمل الخطاطات التي ينتجها الخيال؛ فالخطاطة تجمع بين تجريدية العقل ومادية الحس.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 3: في الحرية.. جون ستيوارت مل

ملكة الفهم تنتج تصورات قبلية أو مقولات؛ كلمة “قَبْلي” تعني سابق على التجربة، وكلمة مقولة تعني تصوراً كلياً ينطبق على حالات فردية.

أهم مقولات ملكة الفهم هي مقولة الجوهر وتنص على أن الشيء واحد ومستقل وأنه يحمل صفات متنوعة؛ فنحن كما في مثال التفاحة نستقبل انطباعات حسية تعبر عنها صفات مثل: خضراء، مستديرة، حلوة المذاق.. إلخ؛ ولكننا نعتقد أن هناك “جوهراً” يحمل هذه الصفات المتنوعة، ونسميه: تفاحة. وهذا الجوهر، كما برهن باركلي في المقال السابق، ليس حسياً؛ فلو بحثنا في التجربة لما وجدنا سوى انطباعات فقط. إذن الجوهر، حسب كانط، مقولة فرضها العقلُ فرضاً على المعطيات الحسية.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 2: كتاب الجمهورية.. أفلاطون

وهناك أيضاً مقولة العلية أو السببية، ويفرضها العقل على الواقع الحسي، كما هي الحال مع مقولة الجوهر. ولدينا كذلك مقولة الإضافة؛  وهي تجعلنا نربط بين الأب وابنه مثلاً، فليس في التجربة الحسية المحضة ما يخبرنا أن زيداً هو أبو عمرو؛ لكن عقولنا هي ما يربط بينهما حسب مقولة الإضافة.. وهكذا قُل مع بقية المقولات (وهي اثنتا عشرة مقولة)، يمكن الرجوع إليها في كتاب كانط.

اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة (1): ما وراء الخير والشر.. فريدرك نيتشه

الإنسان في حياته الواعية يستقبل المحسوسات وينظمها بفضل قدرة العقل؛ فإذا ما نام الإنسان مثلاً تراخت المقولات العقلية وصارت الحياة غير مرتبة (كما في حياة الحلم)، فأنت مثلاً تحلم أنك تكلم صديقك محمداً في مقهى بمدينة الرياض، فجأة يصبح المقهى في جدة (هكذا تنهار مقولة المكان في الحلم). وأيضاً، وبصورة غير متوقعة، يصبح صديقك محمداً شخصاً آخر في اللحظة نفسها: لنقل صديقك الآخر أحمد. فأنت تكلم محمداً وفجأة صار أحمد، (وهكذا انهارت مقولة الجوهر).

وفي حلم آخر يصدف أنك برفقة صديق مات منذ عشرين عاماً (وهكذا انهارت مقولة الزمان)، وفي حلم ثالث ربما يطلق عليك أحد الأشرار النارَ فلا يصبك شيء أو تسقط من جرف عالٍ فلا تموت أو تتكسر، (وهكذا انهارت مقولة العلية).

نسخة مترجمة من الكتاب

الشاهد من كل هذا هو أن عالمَنا بلا مقولات عقلية لن يكون مرتباً ومفهوماً ومعقولاً؛ بل سيكون مثل عالم الأحلام والهلوسات والكوابيس المشوشة، وهذا يدل على أن العقلَ هو منشئ العالَم (كما يظهر لنا).

هكذا، فإن مقولة العلية التي تعرضت إلى هجمة عنيفة من هيوم، تم إنقاذها بفضل تمييز كانط بين عالم الظواهر وعالم الأشياء في ذاتها؛ فإذا كانت العلية ليست ضرورية أو حتمية في عالم الأشياء في ذاتها، كما قال هيوم، فإنها ضرورية وشاملة في عالم الظواهر، وضرورتها نابعة من كونها مقولة عقلية قبلية بفضلها صارت المحسوسات المشوشة عالماً مفهوماً.

غلاف ترجمة غانم هنا

ترجم هذا الكتاب العظيم إلى العربية ثلاث مرات: الأولى أنجزها المفكر السوري- السعودي الأصل أحمد الشيباني، بعنوان (نقد العقل المجرد)، والثانية أنجزها الفيلسوف اللبناني موسى وهبة، بعنوان (نقد العقل المحض)، والثالثة على يد غانم هنّا.

وأقترح على كل قارئ عربي لا يجيد لغة أخرى أن يقتني الترجمات الثلاث معاً؛ لأن النص الكانطي صعب جداً، وتضافر ثلاث ترجمات سيكون أفضل من ترجمة واحدة.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات