الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

قراءات في كتب كبار الفلاسفة 7: مبحث في الفهم البشري ..ديفيد هيوم

شايع الوقيان♦

مقدمة لما قبل هيوم:

انقسم الفكر الفلسفي الحديث، في ما يتعلق بنظرية المعرفة، إلى تيارَين كبيرَين: العقلي؛ ويمثله ديكارت واسبينوزا ولايبنتز، والتجريبي؛ ويمثله جون لوك وجورج باركلي وديفيد هيوم.

ديفيد هيوم

كان العقليون يرون أن العقل هو مصدر المعرفة، وأن المعطيات الحسية توقظ فينا الأفكار الفطرية التي نولد بها؛ ففكرة أن “الكل أكبر من الجزء” ليست مستمدة من التجربة بل من العقل نفسه، فهي فكرة فطرية كامنة، ولم تفعل التجربة سوى أن “ذكّرتنا” بها إن جاز التعبير. فالأفكار الفطرية كامنة في العقل كمونَ النار في حجر الصوّان، والتجربة ليست سوى الأداة التي نقدح بها الحجر فيظهر الشرر.

ومن أهم الأفكار الفطرية فكرة الله ككائن كامل (وقد برهن عليها ديكارت، وشرحنا ذلك في المقال رقم 4)، ومبادئ العقل الأساسية كمبدأ الهوية وعدم التناقض، وجميع الأفكار التي نملكها، ولم يكن للتجربة دور في حصولنا عليها.

اعترض جون لوك، زعيم التجريبيين، على الأفكار الفطرية، ورأى أنها مجرد وهم. فالإنسان يولد وعقله “صفحة بيضاء” خالية من أية فكرة. ثم تأتي التجربة، وتكتب في هذه الصفحة كل المعارف التي لدينا. إذن، فالتجربة، وليس العقل، هي مصدر المعرفة. ويستشهد لوك بعبارة منسوبة إلى أرسطو تقول “ليس في العقل شيء لم يكن في الحس قبلاً”. والعقل عند لوك يقوم بدور وظيفي؛ أي ربط الأفكار ببعض، وتجريد المعطيات الحسية لبلوغ أفكار كلية.

جون لوك

وبالنسبة إلى لوك، لدينا جوهر عقلي (عقولنا)، وجوهر مادي (الطبيعة). والتجربة هي الجسر الذي يربط بين الجوهرَين. ويميز لوك أيضاً بين الصفات الأولية والصفات الثانوية. أما الأولية فهي الصفات الموجودة في الأشياء ذاتها؛ كالكتلة والحركة والشكل، وأما الصفات الثانوية فهي نابعة من حواسنا عندما تلتقي بالأشياء كاللون والرائحة والطعم. فهذه الصفات لا توجد في الأشياء؛ بل في عقولنا وحواسنا.

   اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 6: رسالتان في التسامح.. جون لوك وفولتير

جاء باركلي بعد لوك، وبحث في نظريته فوجد أن الصفات الأولية نفسها توجد في عقولنا أيضاً. فلا فرق بينها وبين الثانوية. فإذا أخذنا شيئاً ما، كالتفاحة مثلاً، فإنها تتكون من صفات متنوعة: لونها الأخضر، وطعمها الحلو، وشكلها المستدير، وملمسها الناعم.. ولو عزلنا هذه الصفات في ذهننا فلن نجد أن هناك “جوهراً مادياً” يحملها؛ فالتفاحة ليست سوى صفاتها فقط، ولو كان هناك جوهر مادي لأدركناه (لأنه مادي محسوس). إذن، الجوهر ليس مادياً، وبعبارة أخرى: هو عقليّ؛ فالعقل قام باختراع فكرة الجوهر المادي وأما التفاحة ذاتها فليس لها جوهر مادي مستقل عن الصفات التي يحملها.

هذه النتيجة الغريبة جعلت باركلي عرضة لسخرية النقاد. إذ كيف ينكر العالم المادي؟! كيف يجرؤ على القول إنه عالم عقلي؟! (أي عالم لا يدرك بالحس)؛ لكن لو تدبر النقاد فكرة باركلي لوجدوا أنها منطقية. فالجوهر المادي بوصفه مادياً ويقع في الزمان والمكان يجب أن يتم إدراكه بالحس؛ لكننا لا ندرك سوى الصفات (اللون، الرائحة، الطعم.. إلخ). فنحن ملزمون إذن إما أن نقول إن الجوهر المادي غير مادي، وهذا تناقض، وإما أن ننكر وجود الجوهر المادي من الأساس، وهذا ما فعله باركلي.

  اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 5: آراء أهل المدينة الفاضلة…الفارابي

جاء هيوم بعد باركلي، وسلم معه بأن الجوهر المادي وهم؛ لكنه دفع منهجه إلى حدوده القصوى، فقال: الجوهر العقلي أيضاً وهم. فنحن لا نعرف سوى سلسلة متواصلة من الأفكار التي تجري في رؤوسنا. فهل هناك عقل يحملها؟ وهل هناك “ذات” مستقلة تجري عليها تغيرات الأفكار؟ بالطبع لا. فليس لدينا أي دليل عليها. وكل ما لدينا هو “حزمة” من الانفعالات والأفكار التي تعبر عن “تاريخ” كل واحد منا. وليس وراءها شيء مفارق أو مستقل.

  اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 4: مقال في المنهج…ديكارت

مبحث في الفهم البشري:

يبدأ هيوم كتابه بالبحث عن “أصل الأفكار”، ويقرر أنها أتت من التجربة الحسية؛ وهو هنا يوافق لوك. ثم يقسم الإدراكات إلى نوعَين: انطباعات مباشرة تأتي من التجربة عندما ننظر ونلمس ونشم، وتمتاز بأنها انطباعات حية، فإذا ما مر عليها الزمان صارت أفكاراً، فعندما تعيش خبرة معينة (كخبرة الحب مثلاً) فإن ما تدركه هو انطباعات حية ومباشرة؛ ولكن عندما تخفت الحياة فيها وتصبح ذكرى فإنها تتحول إلى أفكار. ودور الذهن هو التركيب والتأليف بين الأفكار، أو التحليل والتفكيك، أو الزيادة والإنقاص، وهكذا. ومن أمثلة التركيب “جبل من ذهب”؛ فأنا لديَّ انطباع سابق عن الجبل، وانطباع سابق عن الذهب؛ ولكن عقلي يستطيع التركيب بينهما حتى ولو لم يكن ثمة جبل ذهبي في الواقع.

غلاف أحد النسخ المترجمة من الكتاب

والعقل يخضع لقانون سيكولوجي مهم اسمه (قانون تداعي الأفكار)، وهو يعتمد على مبادئ: التشابه (ومن ضمنه الاختلاف)، والتجاور، والعلية.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 3: في الحرية.. جون ستيوارت مل

فأنا أربط بين فكرتَين بسبب التشابه بينهما، وهذا يحدث لنا عندما ننساق وراء تداعي الأفكار بشكل عفوي؛ فقد أفكر في هيجل، ثم أفكر دون قصد في نيتشه (لأنه فيلسوف ألماني مثل هيجل)، وبعدئذ أفكر في هتلر (لأنه يحب نيتشه)، وهذا يسوقني إلى التفكير في الفكر السياسي في القرن العشرين.. إلخ.

الفيلسوف الالماني هيجل

أما التجاور فالمراد هو التجاور في الزمان أو المكان؛ فقد أفكر في الفارابي، ثم أفكر في سيف الدولة الحمداني، فالاثنان ليس بينهما تشابه، فهذا فيلسوف وذاك سياسي؛ لكنهما عاشا في فترة زمنية واحدة، وفي مكان متقارب (فقد كان الفارابي من أبرز فلاسفة بلاط سيف الدولة ويحضر مجالسه).

أما العلّية فأمرها سهل؛ فيكفي أن أفكر في الدخان لينقاد ذهني إلى التفكير في النار، فالنار سبب الدخان.

هكذا تتألف الأفكار عبر قانون الاقتران أو التداعي؛ لكن ليس وراء سلسلة التداعي جوهر عقلي كامن. انظر مثلاً إلى سلسلةٍ من حديد؛ فكل حلقة مرتبطة بالحلقة التي تليها. ولنفترض أن عدد حلقات السلسلة عشرون؛ سيكون من الخطأ أن نقول إن السلسلة واحد وعشرون عنصراً (عشرون حلقة وجوهر حامل لها)! فليس هناك “خيط” خفي يربط الحلقات؛ بل إنها نفسها تترابط ببعض دونما حاجة إلى شيء آخر إضافي. هكذا هو العقل أو الأنا حسب هيوم؛ فالأنا أو الذات مجرد سلسلة أو حزمة من الأفكار والانطباعات المتداعية والمقترنة مع بعض.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 2: كتاب الجمهورية.. أفلاطون

عندما أنكر باركلي الجوهر المادي صار بذلك مؤسساً للأنطولوجيا المثالية (أي التعامل مع الواقع بوصفه تركيبات عقلية). صحيح أن باركلي تجريبي في نظرية المعرفة؛ لكنه مثالي في نظرية الوجود (الأنطولوجيا).

أما هيوم فقد أنكر العقل (كجوهر مستقل)، علاوة على إنكار المادة؛ فصار بذلك زعيم المذهب الشكي (في الأنطولوجيا). وسوف ينهض كانط من نومه اليقيني مرعوباً عندما قرأ كتاب هيوم، وسوف يحاول جاهداً أن ينقذ العلم والأخلاق من ريبية هيوم. وسيكون مقالنا القادم عن كانط؛ لكن قبل الختام سنعرض أهم فكرة وأخطر فكرة لهيوم في كتابه، وهي رفضه الارتباط الضروري لمبدأ العلية.

قبل هيوم، كان مبدأ العلية مصوغاً بهذه الصورة: لكل حدث سبب ضروري يجعله على ما هو عليه (ويسمى أيضاً بالسبب الكافي عند لايبنتز).

فعندما أقرب النار من القطن سيحدث احتراق؛ فالاحتراق نتيجة لسبب (تقريب النار من القطن)، والنتيجة ستحدث بشكل ضروري (أي، رغماً عنا)؛ لكن هيوم يقول: ما أراه في الواقع هو حدث يتلوه حدث؛ أي، حدث أول (وهو تقريب النار من القطن) يتلوه حدث ثان (وهو الاحتراق). وقد تكرر هذا الاقتران ملايين المرات؛ لكن ليس هناك في الواقع ما ينص على أنه من “الضروري” أن يحدث الحدث الثاني بعد الحدث الأول. وكل ما لدينا من برهان ليس سوى “العادة”؛ لقد تعودنا على رؤية النتيجة عندما نرى السبب. ويضرب هيوم مثلاً بكرتَي بلياردو؛ حيث تأتي الكرة الأولى مسرعة نحو كرة ثابتة، فتتحرك الثانية بعد اصطدام الأولى بها. ثم يقول: لو افترضنا أننا في حالة بدائية، وهذه أول خبرة لنا، ورأينا الكرة الأولى تضرب الثانية، ثم لا تتحرك فلن نستغرب. نحن فقط نستغرب لاحقاً بسبب العادة؛ فلقد تعودنا أن نرى الكرة الأولى تحرك الثانية مئات المرات، فتوهمنا أن هناك ارتباطاً سببياً “ضرورياً” بينهما.

هذه الضربة القاصمة لمبدأ العلية كانت غريبة على الفكر الفلسفي الحديث الذي شهد تطور الفيزياء والفلك؛ ولكنها في تراثنا الفلسفي الإسلامي مألوفة، فقد كان الغزالي يؤمن بنفس الفكرة، وهو أخذها بدوره من أعلام المذهب الأشعري الذي ينتمي إليه.

اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة (1): ما وراء الخير والشر.. فريدرك نيتشه

لنفهم غرابة الفكرة سأفترض افتراضاً بسيطاً!

لنتصور أنك تسير بسيارتك، فصادفتك إشارة حمراء، فتوقفتَ، ثم استغرقت في أفكارك، وفكرتَ فجأة في صديقك زيد. في اللحظة التي فكرت فيها في زيد أضاءت الإشارة باللون الأخضر، وتكرر الأمر معك عند الإشارات الأخرى. وفي اليوم الثاني وأنت متوقف فكرت في زيد (عن قصد، ربما لتختبر ظنونك)، ومن سخرية القدر أن الضوء الأخضر اشتعل!

وتكرر الأمر معك مئات بل آلاف المرات؛ هنا سوف تقوم بالربط بين التفكير في زيد (كسببٍ) وانفتاح إشارة المرور (كنتيجةٍ).

غلاف أحد النسخ المترجمة للكتاب

إنه لأمر غريب حقاً أن نعتبر هذين الحدثين مقترنَين سببياً! لكن حسب منطق هيوم، نحن مضطرون إلى ذلك. فالعادة (أي التكرار) تكفي لاعتماد الاقتران السببي بين حدثَين، حتى ولو لم تكن بينهما أية علاقة من أي نوع.

هذا الافتراض “البسيط” اقترحتُه كوسيلة لكشف غرابة فكرة هيوم (والغزالي)؛ بل حتى لكشف تهافتها وعدم صحتها، وسوف أسلّم مع إيمانويل كانط، كما سنعرف في المقال القادم، بأن هناك ارتباطاً ضرورياً بين السبب والنتيجة (وهذا رأي الفلاسفة غير الشكيين عموماً منذ أرسطو وابن رشد حتى ديكارت ولوك). وكان ابن رشد يقول، رداً على الغزالي: من رفع السبب فقد رفع العقل وأبطل العلم.

تُرجم الكتاب إلى العربية مرتين: الأولى أنجزها موسى وهبة بعنوان «مبحث في الفاهمة البشرية»، والثانية على يد محمد محجوب بعنوان «تحقيق في الذهن البشري».

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

شايع الوقيان

كاتب سعودي باحث في الفلسفة