الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

قراءات في كتب كبار الفلاسفة 6: رسالتان في التسامح.. جون لوك وفولتير

شايع الوقيان♦

منذ أن اعتنق الإمبراطور الروماني قسطنطين الديانة المسيحية في القرن الرابع، بدأت الإمبراطورية الوثنية تتحول شيئاً فشيئاً لتصبح دولة مسيحية. كان المسيحيون أقلية مستضعفة، فصاروا أغلبية حاكمة، وأضحتِ الكنيسة هي الآمر الناهي في كل شيء، وخضع لها جميع الناس؛ بمَن فيهم الأباطرة والملوك. وصار الحمل الوديع وحشاً كاسراً ونكَّل بكل خصومه، وبلغت الوحشية ذروتها مع محاكم التفتيش (بدءاً من القرن الثاني عشر).

مع مطلع عصر النهضة في القرن الرابع عشر، ظهرت بوادر الإصلاح الديني، وأفضت إلى ظهور المذهب البروتستانتي الذي ينكر دور الكنيسة في العبادة وتوسط رجال الدين بين المرء وربه، فثارت الكنيسة الكاثوليكية ثورة شنيعة، وبدأت حملات تطهير عرقي للمخالفين، فنشأت حروب دينية طاحنة في أوروبا أهلكت الحرث والنسل.

في فرنسا، حامية الكثلكة في ذلك الوقت، اقترح أحد المتعصبين على الأب لوتليه، بعض الإجراءات التي تطهر الدين من البروتستانتيين في فرنسا. وهاكم بعض هذه الإجراءات:

1- إلقاء القبض على كل قساوسة البروتستانت في يوم واحد وتعليقهم على المشانق.

2- اغتيال الآباء والأمهات وهم نائمون، وأما أطفالهم فيؤخذون ليتم تربيتهم على الدين الصحيح، ويتم تزويج فتياتهم بكثالكة صالحين، وإخصاء أطفالهم البالغين؛ لكي لا تتجدد ذريتهم الفاسدة.

3- عدد البروتستانت في فرنسا، آنذاك، ستة ملايين، وأفضل طريقة هي ملء البراميل بالبارود المتفجر والقضاء عليهم.

4- بما أن البروتستانت يتناولون القربان المقدس في عيد الفصح، أقترح تسميم الخبز ليقضي عليهم دفعة واحدة. وربما يقع بعض الكاثوليك الصالحين ضحايا لهذا التسميم؛ لكن “ما من مشروع إلا وله سيئاته، فإن ماتوا فقد عجلنا بسعادتهم في الدار الآخرة”.

هذا الاقتراح المرعب نقله فولتير وذكر أنه لم يتم؛ لأن الأب لوتليه فقد منصبه ونُفي، وكان بإمكانه أن ينفذ المشروع أو بعض إجراءاته!

فولتير

يعلق فولتير في رسالته في التسامح (وقد ترجمت إلى “العربية” مرتَين على يد هبة حمدان وهنرييت عبودي)، قائلاً: “إن العنف المسعور الذي يدفع إليه العقل اللاهوتي المغلق، والغلو في الدين المسيحي، قد تسببا في سفك الدماء ليس في فرنسا فقط، بل في كل أنحاء أوروبا”.

هذا الجنون المذهبي دفع الفلاسفة والعقلاء إلى رفع شعار التسامح؛ لكي تصبح أوروبا دار سلام وأمان وتطور. وأشهر كتاب في التسامح هو كتاب جون لوك، الفيلسوف الإنجليزي، بعنوان «رسالة في التسامح»، وقد ترجمه إلى “العربية” عبدالرحمن بدوي، وظهرت ترجمتان أخريان لماجد فخري ومنى أبو سنة، وسوف نعرض أهم ما فيها من أفكار، ونتلوها بعرض لرسالة فولتير؛ لأنها لا تقل عنها أهمية.

  اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 5: آراء أهل المدينة الفاضلة…الفارابي

أولاً: رسالة في التسامح.. جون لوك

يوجِّه لوك خطابه إلى المسيحيين؛ لكننا سنركز اهتمامنا على ما يكون ذا فائدة لحضارتنا وثقافتنا، ولا سيما أنها تمر بين حين وآخر إلى نوبات جنون مذهبية لا تبقي ولا تذر منذ موقعة الجمل وصفين إلى يومنا هذا. وسأعرض الأفكار الجوهرية في نقاط مرقمة للتسهيل:

1- يرى لوك أن المتعصبين لدينهم والغيورين عليه لم يدفعهم لذلك حبُّ الدين وحب الله؛ بل حب الدنيا وشهوة التسلط على البشر.

2- المتعصبون للدين يثورون غضباً لو تخلف أحدٌ عن حضور القداس أو ممارسة الطقوس؛ لكنهم لا يحركون ساكناً إزاء الفساد والرشاوى والفقر والمرض والسرقة.

3- التسامح بين أهل العقائد أمر واضح بالعقل؛ ولكن المتعصب يعمى عن فوائده.

غلاف أحد الترجمات من الكتاب إلى العربية

4- العلمانية هي أساس التسامح: يجب، حسب لوك، أن يتم الفصل في ما يتعلق بأمور الدين بين الدولة والكنيسة؛ فالدولة هي الكيان الوحيد المخول لاستخدام القوة في سبيل تطبيق القانون، أما الكنيسة فلا سبيل لها سوى الإقناع والنصح، وكل استخدام للقوة من أجل توجيه ضمائر الناس نحو دين معين لن يؤدي إلا إلى سيادة النفاق والأحقاد والحروب الدينية.

5- هدف الدولة توفير الخيرات العامة الدنيوية للناس، أما الكنيسة فهدفها مساعدة الناس على الخلاص الروحي.

6- الحرية الدينية أساس الإيمان الصادق، وكما أعطت الكنيسة للناس حرية الانضمام إلى الدين، فكذلك يجب أن تعطيهم حرية الخروج منه متى ما أرادوا.

7- للكنيسة الحق في حرمان المرء من عضويتها ومن الدين؛ لكن ليس لها الحق في حرمانه من حقه في الحياة والأمن والحرية.

8- التعصب يؤدي إلى الخبث والتعالي والغرور ضد المخالفين، وهذه تعارض صفات المؤمن الحق المحب للبشرية.

9- ليس على الحاكم المدني أن يفرض ديناً معيناً على الناس، ولا يلزمهم بممارسة الطقوس الدينية والعبادات. ودوره فقط تطبيق القانون الذي يعم كل الناس، ويحفظ أمنهم وكرامتهم.

جون لوك

10- الغاية من كل دين هي الحصول على رضا الله؛ والحرية هي السبيل الوحيد لتحقيق هذه الغاية، أما القوة والبطش فيحققان فقط رضا رجال الدين وليس الله.

11- رجال الدين المتعصبون اتخذوا من حب الله “عباءة يتستر وراءها النهب والطمع”.

12- بسبب الغطرسة يرى بعض رجال الدين أن له الحق في إلزام الناس لاعتناق دينه، ويحثهم ويدعوهم؛ لكن لوك يشدد أن على كل إنسان ألا يقبل النصح ولا يستسلم للدعوة إلا إذا كان قد اقتنع فعلاً وليس بسبب الرغبة أو الرهبة؛ فلا يفسد الإيمان كالنفاق والخوف.

13- حفظ المجتمع وتماسكه وأمنه ليس من مهام رجال الدين؛ بل رجال الدولة، وقد يحق لرجال الدين المشاركة في نشر الفضائل؛ ولكن فقط عن طريق الإقناع وليس الإجبار.

14- مَن يخلط الدين بالسياسة، ويستخدم الدين من أجل الوصول إلى سدة الحكم، يجب قمعه بقوة، وهنا تأكيد لأهمية العلمانية عند جون لوك.

15- يدعو لوك إلى التسامح مع كل المذاهب السلمية والأديان؛ سواء اليهودية أو الإسلامية أو الوثنية، ما دامت لا تشكل خطراً على أمن المجتمع؛ لكن يُعاب على لوك أنه رفض التسامح مع الملاحدة. يقول “لا يمكن التسامح مع مَن ينكر وجود الله.. فالملحدون يدمرون الأديان التي هي روابط المجتمع البشري”.

وهذا موقف غريب؛ نظراً لأن لوك يؤكد حرية الضمير، لكن لعل مفهوم الإلحاد في وقته كان يحمل معنى الإفساد الاجتماعي؛ فقد أشار إلى دور الإلحاد في تفكك المجتمع. وموقف فولتير ليس بأحسن من موقف لوك في ما يتعلق بالإلحاد؛ فهو يعتقد أن الملحد لا يقل ضرراً عن المتعصب الديني، ولكن من الواضح من سياق نصه أن الملحد الذي يقصده فولتير هو مَن يثابر على مشاغبة أهل الدين ومحاربة عقائدهم والذي “لا يفتأ يحاجج ويجادل بعنف ولجاج” ضد الأديان؛ ولكن فولتير لم يدع إلى قمعه كما فعل لوك.. فما موقف فولتير من التسامح عموماً؟

نسخة مترجمة من “رسالة في التسامح”

ثانياً.. رسالة في التسامح- فولتير

عندما مات لوك كان فولتير طفلاً في سن العاشرة، وكانت فرنسا في وقته لا تقل اضطراباً سياسياً ودينياً عن بريطانيا. وفي رسالته لم يكتفِ فقط بإذاعة أفكاره؛ بل ذكر حوادث مرعبة في ما يتعلق بالتعصب الديني الذي أنتج حروباً أهلية طاحنة ومذابح شهيرة، كمذبحة سان بارتملي التي راح ضحيتها ثلاثون ألف فرنسي بروتستانتي في ثلاثة أيام من عام 1572. نشأ فولتير في فرنسا التي لم يجف منها بعد دم ضحايا العنف الديني. وسنجمل أفكار رسالته في نقاط مرقمة أيضاً، مع ملاحظة أن فولتير يختلف عن لوك بأنه أديب ساخر، علاوة على كونه فيلسوفاً، والسخرية هي سلاحه البلاغي الذي جعل لكتبه أثراً عظيماً في نفوس الناس.

  اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 4: مقال في المنهج…ديكارت

1- التسامح لم يتسبب قط في إثارة الفتن والحروب الأهلية، في حين أن التعصب هو سبب كل المذابح على وجه الأرض.

2- التسامح حق لكل إنسان، وحرية الضمير أمر ضروري لكل إنسان، وكل شخص مخول لاعتناق ما يشاء من أديان واعتقادات بشرط ألا تنطوي اعتقاداته على ضرر واضح على الغير.

3- قاعدة التسامح الذهبية: لا تفعل بالناس ما لا ترغب في أن يفعلوا بك.

4- الحق في التعصب ليس حقاً أصيلاً بل حق همجي وعبثي، ولا يجب قبول أي رأي أو تفسير ديني يجعل التعصب حقاً أصيلاً.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 3: في الحرية.. جون ستيوارت مل

5- يتشكك فولتير في أن الرومان كانوا متعصبين ضد المسيحيين، ويرفع عنهم التهمة.

6- لكل مواطن الحق في أن يفكر ويعتقد كما يشاء، بشرط ألا يخلّ بالنظام.

7- التعصب لا ينتج سوى منافقين أو متمردين.

8- ليس لرجال الدين الحق في عزل الحاكم؛ لأنه ليس على دين المجتمع. فأساس الحكم هو الفصل بين الدين والسياسة، وما كان يقوم به بعض رجال الدين من خلع للحكام هو عمل بغيض ومدمر للسلم الاجتماعي.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 2: كتاب الجمهورية.. أفلاطون

9- كل أصحاب دين راضون ومقتنعون بما لديهم، ويرون أن غيرهم ضالون كافرون. وحتى في إطار الكنيسة نفسها لم يكن هناك إجماع وساد الشقاق بينهم، ولا حل سوى التسامح.

10- يوافق لوك في أن حشد الأتباع وزيادة عدد المؤمنين بالدعوة أو بالقوة ليست له علاقة بالدين وخلاص الأنفس بل بشهوة السلطة.

11- يرفض فولتير أية دعوى تبيح قتل الأبرياء تحت ذريعة حماية الدين (وتُسمى في الأصوليات الإسلامية اليوم بفتوى التترس)، ويعلق على اقتراح الشخص المتعصب الذي افتتحنا به المقال، والذي دعا فيه إلى قتل الأبرياء الكاثوليك إذا كان ذلك ضرورياً لقتل البروتستانت، قائلاً:

“لا يجوز اقتراف فعل شر صغير في سبيل خير عظيم؛ فأنتم لا تملكون حق التصرف بحياة الأبرياء والأطفال، ويجب التعامل مع هذه الأفعال كجرائم خطيرة ضد الإنسانية”.

اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة (1): ما وراء الخير والشر.. فريدرك نيتشه

12- يذكِّر المسيحيين، كما فعل لوك، بأنهم كانوا أقلية مستضعفة، وأنهم كانوا دعاة تسامح وحب، ولما اشتدت شوكتهم، وغلبت عليهم شهوة السلطة تخلوا عن أخلاق المسيح.

13- يرى أن الحرية والتسامح والحب تمثل طبيعة الكون والحياة الإنسانية. ويختم قائلاً: “في الوقت الذي تُسمعنا فيه الطبيعة صوتها الوديع والشافي، يطلق التعصبُ، عدوُ الطبيعة، صرخاتِه وزعقاته. وعندما تشرق شمس السلام على البشر يعود المتعصبون لشحذ سلاح الكراهية والعنف”.

بعد لوك وفولتير، انتشرت دعاوى التسامح والحرية الدينية في أوروبا مع فلاسفة كبار؛ مثل كانط واسبينوزا ومونتسكيو وجون ستيوارت مل.. وغيرهم. وأصبحت العلمانية هي الفضاء الذي يسمح بالتسامح والتعددية، وسيادة الاحترام المتبادل.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

شايع الوقيان

كاتب سعودي باحث في الفلسفة

مقالات ذات صلة