الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

قراءات في كتب كبار الفلاسفة 5: آراء أهل المدينة الفاضلة…الفارابي

شايع الوقيان♦

أبو نصر الفارابي، فيلسوف إسلامي- عربي، من كبار الفلاسفة في القرون الأولى، وهو ذو أصول تركية وقيل فارسية. وهو من الثلاثة العرب الكبار الذين أسهموا في إثراء الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى، والاثنان الآخران؛ هما ابن سينا وابن رشد.

تأثر الفارابي بأفلاطون وأرسطو وبالأفلاطونية المحدثة (فلسفة أفلوطين)؛ ولكنه أيضاً تأثر بالإسلام وتعاليمه.

كان أبو نصر من الزهاد الذين قصروا حياتهم على طلب العلم والاكتفاء بما يتبلَّغه من لقيمات العيش. ورغم أنه ذو حظوة كبيرة في بلاط سيف الدولة الحمداني، والذي كان يكرمه ويجلّه ويحسن إليه؛ فإن أبا نصر كان ينفق المال في شراء الكتب وفي الصدقة على الفقراء. ويروى أنه كان يعمل ناطوراً في أحد بساتين دمشق، وكان قارئاً نهماً، ومفكراً ألمعياً، وقيل له ذات مرة: مَن أعلم أنت أم أرسطوطاليس؟ فقال: لو أدركتُه لكنت أفضل تلاميذه.

كتاب (آراء أهل المدينة الفاضلة) كتابٌ في الفلسفة السياسية؛ ولكنه يبدأ الكتابَ بعرض آرائه الفلسفية أولاً، وبعد ذلك يشرع في الحديث عن المدينة الفاضلة. وقد أخذت آراؤه الفلسفية النصيبَ الأكبر من الكتاب؛ لذا سنعرضها أولاً بإيجاز.

  اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 4: مقال في المنهج…ديكارت

نظرية الفيض والصدور

معرفياً ووجودياً، الفارابي يعتبر عقلانياً وينفر من الفكر الحسي. وهو هنا يتابع التراث الأفلاطوني، وتأثر بأرسطو في المنطق والنفس، ويسمى بالمعلم الثاني (في المنطق) بعد أرسطو، المعلم الأول. أخذ عن الأفلاطونية المحدثة نظرية الفيض والصدور التي تفسر وجود الموجودات عن السبب الأول أو العقل الأول: الله.

الله هو العقل الأول المبرَّأ من المادة، وهو أزلي، ووجوده واجب وقديم؛ أي ليس هناك إمكان ألا يكون موجوداً. وعن العقل الأول تفيض بقية العقول والكائنات، ووجودها ممكن؛ أي أنها توجد بسبب خارجي هو الله.

غلاف الكتاب

بما أن العقل الأول يفكر (وإلا لما كان عقلاً)، وبما أنه الموجود الوحيد فليس هناك ما يفكر فيه سوى ذاته؛ عندما يفكر العقل الأول في ذاته يصبح اثنين: عقلاً عاقلاً وعقلاً معقولاً. هكذا يوجد العقل الثاني (العقل المعقول)؛ وهو بذاته عقل يفكر، وليس هناك ما يفكر فيه سوى نفسه والعقل الأول (الله)، فإذا فكر في العقل الأول فاض عنه عقل ثالث، وإذا فكر في نفسه فاضت عنه السماء الأولى، وأما العقل الثالث فيفكر في الأول فيفيض عنه عقل رابع، ويفكر في نفسه فتنشأ الأفلاك (الكواكب)، وهكذا حتى العقل العاشر يفكر في الأول فيفيض العقل الفعّال (الإنساني)، ويفكر في نفسه فينشأ فلك القمر.

جدير بالذكر أن ميتافيزيقا الفارابي والسابقين عليه تنهض على فلك بطليموس الذي ثبت بطلانه اليوم، وكذلك لاحظ العلماء والفلاسفة أن الكواكب تتحرك دون محرك؛ فافترضوا أن لها أرواحاً أو عقولاً (هي هذه العقول الأحد عشر).

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 3: في الحرية.. جون ستيوارت مل

عالمنا الحسي يُسمى بعالم ما دون فلك القمر، والعقل الإنساني هو العقل الفعال؛ وهو العقل الكلي المشترك بين البشر، وفيه قبس من الله، لأنه فاض عنه، وهو الاستعداد لدى كل إنسان لتلقي المعرفة؛ فالمعرفة أشبه بنور الشمس الذي يسطع على مرآة العقل الفعّال. ومن هنا وجب تنقيح تلك المرآة، أي عقل الإنسان وروحه، من الشهوات والحواس؛ لكي تستقبل نور الحق. “العقل الفعال بمنزلة الضياء من البصر”، كما يقول الفارابي؛ وهو عقل إلهي من جهة مصدره، ولكنه عقل إنساني من جهة موضعه، ويمكن القول إن هذا العقل هو نقطة الصلة بين الله والإنسان. والفيلسوف يستقبل المعارف اليقينية بشكل مجرد وبرهاني دون تخيل ولا صور مجازية ولا أي توسُّط؛ ولكن بقية الناس يستقبلونها بتوسط، أي على هيئة صور حسية مجازية، أو كما يقول “تحاكيها المخيلة عن طريق الصور”. وتظهر كذلك عن طريق الصور على شكل نبوة أو رؤى صادقة.

أما العقل الفردي في كل إنسان فهو “النفس”؛ وهي ملابسة للجسد ويعتريها النقص والجهل والطيش ما لم يتولَّ قيادَها العقلُ الفعال.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 2: كتاب الجمهورية.. أفلاطون

المدينة الفاضلة

تأثر الفارابي بجمهورية أفلاطون؛ ولكن هناك عوامل جعلت بينهما فروقاً واختلافات. فأفلاطون عاش في دولة- المدينة، أثينا؛ فكانت جمهوريته ملائمة للمدينة، بينما عاش الفارابي في ظلِّ الإسلام وما يقتضيه من اختلافات جوهرية عن وثنية اليونان، وعاش أيضاً في إمبراطورية كبيرة مترامية الأطراف. من هنا تحدث الفارابي عن الاجتماع البشري بشكل تراتبي:

1- مجتمع العائلة، وهو أصغر وحدة اجتماعية.

2- مجتمع السكة، ويقصد الحي.

3- مجتمع المحلة، ويقصد القرية.

4- مجتمع المدينة.

5- مجتمع الأمة؛ كالأمة الإسلامية مثلاً.

6- مجتمع البشرية، وهو مجتمع عالمي كلي.

اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة (1): ما وراء الخير والشر.. فريدرك نيتشه

يرى الفارابي أن سبب الاجتماع البشري هو حاجة الناس بعضهم إلى بعض؛ بحيث يكمل كل فرد ما ينقص الآخر، ويتعاونون على بلوغ السعادة القصوى. والمدينة الفاضلة هي التي يكون تعاون الناس فيها كاملاً، وعلى أحسن وجه. يقول “كل إنسان مفطور على أنه محتاج في قوامه وفي أن يبلغ أفضل كمالاته إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها وحده؛ بل يحتاج إلى قوم يقوم كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه، وكل واحد من كل واحد بهذه الحال”.

غلاف أحد طبعات الكتاب

يشبّه الفارابي المدينة الفاضلة بالبدن السليم الذي تعمل أعضاؤه بشكل صحيح، أما رئيس المدينة الفاضلة فهو كالقلب للبدن؛ ومن هنا يشترط الفارابي لرئيس المدينة الفاضلة اشتراطات ربما يستحيل توفرها في الحياة الواقعية، فالرئيس يجب أن يحوز على صفات بدنية ونفسية وعقلية تامة؛ فيكون ذكياً نابهاً حسن التفكير والاستنباط، ويكون متواضعاً زاهداً في ملذات الدنيا، وأن يكون عالماً عارفاً بالشرائع والعقائد، وأن يكون أقربَ الناس إلى “العقل الفعال”! أي أن يكون فيلسوفاً؛ فالفلاسفة أقرب الناس إلى العقل الفعال كما أشرنا، وأهل المدن الفاضلة يحاكون رئيسهم ويتشبهون به في الحكمة والعلم والزهد والتقى.

أما المدن الناقصة فيسودها الصراع ويقل التعاون وتغلب الأنانية على أفرادها. ويسميها بـ(مضادات المدينة الفاضلة)، ويصنفها إلى مدن جاهلة؛ وهي التي لم يعرف أهلها المعقولات (الحقائق)، فعاشوا حياة حسية مادية. ومدن فاسقة؛ وهي التي عرف أهلها الحق؛ ولكنهم جنفوا عنه، وعملوا بأعمال أهل المدن الجاهلة. والمدن الضالة التي ضلَّ أهلها عن السعادة والحق فصاروا كالجاهلة، وأخيراً المدن المبدَّلة وأهلها كانوا فاضلين لكنهم بعد ذلك بدَّلوا حالهم وتغيَّرت صفاتهم لما هو أدنى وأخسّ.

كل أصحاب المدن المضادة تعلقوا بالمادة والشهوات والأنانية و”الهيئات النفسية الرديئة”، ومصيرهم “الانحلال” كما هو مصير المادة عموماً.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

شايع الوقيان

كاتب سعودي باحث في الفلسفة

مقالات ذات صلة