الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

قراءات في كتب كبار الفلاسفة 4: مقال في المنهج…ديكارت

شايع الوقيان♦

رينيه ديكارت، فيلسوف فرنسي عاش في القرن السابع عشر، أسهم في تطور كثيرٍ من العلوم؛ كالفيزياء والرياضيات والهندسة. ويهمنا إسهامه الفلسفي.

يعد ديكارت أبا الفلسفة الحديثة، وقد نقل الفكر الفلسفي نقلة نوعية عندما أكد أهمية دراسة ليس العالم بل العقل الذي يفكر في العالم؛ وبهذا نقل الاهتمام من نظرية الوجود إلى نظرية المعرفة.

كتاب “مقال في المنهج” أشبه بالبيان الرسمي للفكر العقلاني الحديث؛ وهو من ستة فصول.

يبدأ ديكارت الكتابَ بعبارة صارت ذائعة وهي “العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس”. والمراد أن الإنسان العاقل، بصرف النظر عن عرقه أو دينه أو جنسه، لديه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ لو استعمل عقله دون مشاعره وأهوائه.

وبعدئذٍ يبدأ ديكارت ببث شكواه من العلوم في عصره؛ فكل مذهب في العلم أو العقيدة أو الفن له حججه التي لا تقل قوة عن حجج المذهب الخصم. فبدأ ديكارت يتحيَّر ويشك في معارف عصره، ويرى أن الحقائق اليقينية تحتاج إلى منهج قويم.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 3: في الحرية.. جون ستيوارت مل

قرر ديكارت أن يترك الكتب ويبحث عن اليقين بين الناس والثقافات؛ فسافر إلى بلدان كثيرة في أوروبا، بل إنه شارك في إحدى الحروب الدائرة في ألمانيا، آنذاك؛ ولكنه لم يجد عند الناس إلا التفاوت والاختلاف، فكل قوم لهم حقائقهم ولهم عقائدهم الخاصة. وبينما هو عائد إلى فرنسا حبسه الثلج في قرية “أولم” على نهر الدانوب، واختلى إلى نفسه في هذه القرية التي لا يعرف فيها أحداً، وبدأ يفكر جدياً في كل شيء؛ ولكنه قرر فجأة أن يبدأ بإصلاح نفسه وعقله، فوضع لنفسه أربع قواعد منهجية صارمة لكي يبدأ بشكل صحيح؛ وهذه القواعد كما يلي:

1- ألا أقبل أي شيء على أنه حق ما لم أعرف يقيناً أنه كذلك، ويقصد أن عليه ألا يتسرع في الأحكام ولا يدخل إلى عقله أية معلومة تحتوي على نسبة شك ولو طفيفة.

2- أن أقسم المشكلات إلى أجزائها البسيطة قدر الإمكان.

3- أن أسير من البسيط إلى المركب، وأتدرج من السهل إلى الصعب.

4- أن أقوم بمراجعة شاملة؛ لكي لا أغفل عنصراً من عناصر المشكلة.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 2: كتاب الجمهورية.. أفلاطون

ثم أخذ ديكارت في تطبيق هذه المنهجية على كل ما يعرف، وسأل نفسه: هل هناك شيء لا يعتريه الشك بحيث أدخله إلى عقلي وأنا مطمئن؟

فحص ديكارت كل الأفكار التي أتت إليه عن طريق الحواس، ورأى أنها أحياناً تخدعنا فنرى الشمس تدور حول الأرض، والقمر في حجم صغير، والعصا في الماء تبدو منكسرة؛ فكيف نثق فيمن خدعنا أكثر من مرة؟ من هنا قرر ديكارت أن يشك في صحة كل المحسوسات ومن ضمنها جسده. وبعد ذلك فحص المعارف التاريخية والتي يأتي بها النقل والتواتر، فوجد الظن غالباً عليها.. وهكذا أخذ ينطلق من علم إلى علم، ووصل إلى الهندسة والرياضيات؛ وهما من أكثر العلوم يقينية، ولكننا في بعض الأحيان نخطئ في التفكير في أبسط أمور الهندسة؛ يقول: “وبما أني عرضة للخطأ مثل سواي، نبذتُ كحجج خاطئة كل ما اعتبرتها من قبل براهين صادقة”، وطرح محاججة الحلم الشهيرة: وهي أننا في الحلم لا ندري أننا نحلم ونعتقد أننا نتحرك ونأكل وننظر للعالم من حولنا رغم أننا لم نبارح السرير؛ فما الذي يضمن لي أنني لست أحلم الآن؟

ديكارت

هكذا شك ديكارت في كل شيء، حتى في جسده؛ فجسده -كما قُلنا- ينتمي إلى العالم المحسوس؛ ولكنه لاحظ أن هناك شيئاً يظل باقياً رغم كل عمليات الشك الصارمة، وهو أنه يشك؛ أي هناك عقل يمارس الشك في كل شيء، وحتى لو شك في نفسه فإنه يظل موجوداً بوصفه عقلاً يمارس الشك.

الشك نشاط فكري، ولذا وضع ديكارت عبارة (أنا أشك إذن أنا موجود)، وهذه تسمى (الدوبيتو)، وبما أن الشك تفكير؛ فإنه صاغ العبارة بلفظها المعروف (أنا أفكر إذن أنا موجود)، وهذه تسمى (الكوجيتو).

إذن الكوجيتو هو أول مبدأ يقيني يمكن الانطلاق منه في تأسيس معارف يقينية عن طريق الاستدلال.

غلاف أحد النسخ المترجمة من الكتاب

بعدما وجد ديكارت نقطة الانطلاق بدأ يسأل: ما الذي يميز هذا اليقين؟ فأجاب: إنه الوضوح والتميز؛ فعبارة (أنا أفكر إذن أنا موجود) واضحة بحيث لا تحتاج إلى دليل، ومتميزة بحيث لا تختلط بغيرها من أفكار.

من هنا جعل الوضوح والتميز معياراً لكل العبارات اليقينية.

عندما بدأ ديكارت يتأمل نفسه (بوصفه كائناً مفكراً)، وجد أن هناك أفكاراً في ذهنه، ومن ضمنها فكرة “الكمال”؛ فمن أين جاءت فكرة الكمال؟ أنا ناقص بما أني أشك، ومن هنا فإن فكرة الكمال التي في ذهني ليست مني؛ بل أتت من كائن كامل، وهذا الكائن لا بد أن يكون موجوداً خارج ذهني وإلا لما كان كاملاً، ومن هنا أثبت ديكارت وجود الله، وجعله المبدأ اليقيني الثاني.

قدم ديكارت العديد من الكتب

الآن في ذهني أفكار واضحة ومتميزة عن العالَم المادي، وبما أن الله كامل فلا يمكن أن يخدعنا ويضع فينا أفكاراً واضحة إلا لأنها صحيحة؛ وبهذا أثبت ديكارت وجود العالم، وهو المبدأ اليقيني الثالث؛ ولكن العالم عند ديكارت جوهر ممتد موجود هناك، أما الصفات المحسوسة التي تأتينا منه فنتيجة لالتقاء العقل بالأشياء المادية وليست صفات موجودة في العالم ذاته.

بعد ذلك، شرع ديكارت في الحديث عن الجماد والنبات والحيوان، وتكلم عن أهمية اللغة وأنها خاصية إنسانية؛ فالإنسان يحتاج إلى قليل من العقل لكي يتكلم، بينما أذكى الحيوانات غير قادرة على ذلك، ثم ينتقد الفكر الفلسفي والعلمي القديم، ويهاجم أتباع أرسطو والقدماء ويصفهم بشجر اللبلاب الذي يكون عالة على بقية الأشجار.

غلاف نسخة مترجمة من الكتاب إلى العربية

أثناء ممارسة ديكارت للشك أشار إلى أنه من الخطورة بمكان أن نتخلى عن قواعد الأخلاق تحت ذريعة الشك؛ ففي الأخلاق نحن نتعامل مع الناس وليس مع أفكار، ومن هنا وضع له أخلاقاً مؤقتة ريثما يستطيع تأسيس الأخلاق بشكل يقيني. وهذه هي قواعد الأخلاق المؤقتة:

1- أن أطيع قوانين بلدي وعوائدها وأتبع الآراء المعتدلة، وأبتعد عن كل مذهب ينتقص من حريتي.

2- أن أكون حازماً في أعمالي وأنجزها على خير وجه.

3- أن أغالب نفسي وليس الحظ، وأن أغير رغباتي لا أن أغير العالم.

4- أن أستمر في تثقيف نفسي وأتعرف على أفضل ما يقوم به الناس من أعمال فأختار أحسنها وأنفعها.

اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة (1): ما وراء الخير والشر.. فريدرك نيتشه

لكن أجل ديكارت حال دون قيامه بتأسيس فلسفة أخلاقية خالدة كما كان إلى ذلك يطمح.

جدير بالذكر أن هذا الكتاب ترجم إلى العربية ثلاث مرات؛ حسب علمي: أول ترجمة لمحمود الخضيري بعنوان «مقال عن المنهج»، ثم ترجمة جميل صليبا بعنوان «مقالة الطريقة»، وأخيراً ترجمة عمر الشارني «حديث الطريقة».

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات