الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

قراءات في كتب كبار الفلاسفة 3: في الحرية.. جون ستيوارت مل

شايع الوقيان♦

يُعد جون ستيوارت مل أكبر فلاسفة بريطانيا في القرن التاسع عشر وأحد أبرز فلاسفة الليبرالية الحديثة؛ له كتابات متنوعة في مجالات شتى، كنظرية المعرفة والمنطق والمنهج التجريبي ونظرية المنفعة، وكتب في الفلسفة السياسية؛ أبرزها كتاب “في الحرية”.

كتاب “في الحرية” يعد أكمل الكتب في ذلك العصر التي تطرقت إلى موضوع الحرية المدنية؛ إذ إن أغلب الكتابات السابقة كانت تقتصر على مفهوم حرية الإرادة بالمعنى الميتافيزيقي. أما “مل” فيرى أن الإنسان حر، ثم يطرح التساؤلات: إلى أي مدى هو حر؟ وما العلاقة بين السلطة والحرية؟ وبين المجتمع والفرد؟

يبدأ “مل” الكتاب بنقد الديمقراطية؛ كما فهمها المفكرون الأوروبيون الذين تجاهلوا “الفردانية” على حساب مصلحة الأكثرية؛ فالديمقراطية إذا كانت حكم الأغلبية أو الأكثرية فإنها قد تكون مصدر اضطهاد للأفراد والأقليات، ولذا يجب على الحكومات أن تشدد على قداسة الحقوق الأساسية للأفراد كحقه في الاعتقاد والتعبير والعمل والتجمع. كما يدعو إلى أن تشرّع الحكومات مبادئ التسامح والتعددية والتنوع؛ بحيث لا يطغى فريق على آخر إلا بما لديه من حجج وليس بالبطش والغلبة.

غلاف الكتاب

“مل” يربط ربطاً وثيقاً بين “الحرية” و”الفردانية”؛ فكل حرية بلا حقوق للأفراد هي مزيفة. وكل تشريع يؤدي إلى اضطهاد الأفراد والأقليات هو ظالم. ومن هنا جاء تخوّفه الشديد من طغيان المجتمع والعادات والتقاليد، ويرى أن طغيان المجتمع أشد ضراوة من طغيان الحكومات، وربما أن هذا هو سبب موقف “مل” السلبي تجاه الديمقراطية؛ فهذا الشكل السياسي يفتح المجال لسيطرة العامة والغوغاء ومتواضعي القدرات والذكاء؛ وهو تخوّف شائع بين الفلاسفة عموماً منذ أفلاطون. من هنا يقترح “مل” ضرباً من الديمقراطية الأرستقراطية التي يتولى أمرها الصفوة المبدعة.

اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة (1): ما وراء الخير والشر.. فريدرك نيتشه

إذن، الليبرالية عند “مل” هي نتيجة لاقتران “الحرية” و”الفردية”؛ لكنه مع ذلك يضع ضوابط لحريات الأفراد، ودون هذه الضوابط ستحل الفوضى محل الحرية؛ فما هذه الضوابط؟ الجواب ببساطة في الشعار الشهير “أنت حر ما لم تضر”، ويعد “مل” أول من فصَّل في هذا الشعار ورسَّخه في أدبيات الفكر السياسي.

يقول “مل” إن لكل فرد الحق في أن يعتقد ما يشاء ويفعل ما يحب؛ ولكن عندما يكون رأيه باعثاً على الإضرار بالآخرين، فيجب قمعه؛ فليس من الحرية، مثلاً، أن يُسمح لإرهابي أن يعبر عن رأيه الذي يدعو فيه إلى قتل الناس، ومن باب أولى فإن الأفعال أكثر خطراً من الأقوال، وأي فعل يمارسه الفرد وفيه ضرر على الغير يجب منعه بقوة القانون، أما ما ليس فيه ضرر على الغير فليس لأحد الحق أن يمنع الفرد؛ إنما يكفي النصح أو الإرشاد فقط.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 2: كتاب الجمهورية.. أفلاطون

ويستثني “مل” من ضابط الحرية أعلاه الأطفالَ والمجانين والشعوب المتخلفة! إذ يحق للآباء مثلاً أن يتدخلوا في بعض تصرفات أطفالهم حتى ولو لم يكن فيها ضرر على الغير؛ فالطفل قد يضر نفسه، وهنا فإن الأب أو الأم يتدخلان في حرية طفلهما، وقُل مثل ذلك على المجانين. لكن ما قد نرفضه اليوم هو عبارة “الشعوب المتخلفة”؛ فالتدخل في مصيرهم قد يفتح الباب للأطماع الإمبريالية بحجة الإصلاح والتمدين، ولكن “مل” يضع معياراً لكي لا يتحول التدخل إلى استبداد؛ فيقول إن التدخلات يجب ألا تنتهك الحقوق الأساسية لهذه الفئات، بل أن يكون تدخلاً محكوماً بما فيه مصلحتهم. على سبيل المثال، لا يحق للأب أن يمنع ابنه من التعليم والصحة؛ ولكن من حقه أن يمنعه من تناول طعام غير صحي أو القيام بأنشطة خطرة.

يعود “مل” بعدئذ إلى الأفراد الراشدين، ويشدد على حرياتهم كحرية الاعتقاد بأي دين أو مذهب؛ بل وحرية التعبير عن هذا الاعتقاد. وكذلك يؤكد حرية الأفعال التي لا تلحق الضرر بأحد، وحرية التجمع، وحرية العلاقات الشخصية؛ ومن ضمنها الجنسية، ما لم تنطو على انتهاك لكرامة وحق الإنسان كتجارة البغاء والاغتصاب.

غلاف أحد الترجمات العربية للكتاب

ويحاجج “مل” بأن من حق كل فرد التعبير عن رأيه؛ حتى في المسائل الحساسة والمثيرة للجدل، بل ومن حقه التعبير علنياً وفي الفضاءات العامة. ثم يقول داعماً لحجته: إذا كان رأيه صحيحاً استفاد المجتمع منه، وإن كان خاطئاً كشف الناس عن تهافت رأيه ونبذوه.

وفي مواضع كثيرة يكرر “مل” خوفه من طغيان الرأي العام والمجتمع، ويحث الحكومات على حماية الأفراد؛ فالأفراد قد يكون منهم أشخاص عباقرة ذوو روح إبداعية خلاقة، فإذا كان هناك خوف من الرأي العام فسوف يؤدي إلى إطفاء جذوة الإبداع أو إلى “قتل شجاعة العقل”، كما يقول.

جون ستيوارت مل

ومن أجل إبقاء الفرد ذا قدرة إبداعية ونقدية خلاقة، يراهن “مل” على أهمية التربية، ويحذر تحذيراً كبيراً من “التقليد” و”الطاعة” بالمعنيين السلبيين وأنهما كفيلان بقتل روح الإبداع.

جدير بالذكر أن هذا الكتاب حظي بترجمات عربية عديدة، نذكر منها:

ترجمة طه السباعي، وهي أقدم ترجمة، وترجمة هيثم الزبيدي، وترجمة عبدالله أمين غيث، وترجمة إمام عبدالفتاح إمام وميشيل متياس ضمن كتاب (مل: أسس الليبرالية السياسية).

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

شايع الوقيان

كاتب سعودي باحث في الفلسفة

كيو بوست

صحفي، عضو نقابة الصحفيين المصريين، ومعد تليفزيوني. خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة، حاصل على دبلوم في الدراسات الإسرائيلية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ودبلوم في الدراسات الإفريقية من كلية الدراسات الإفريقية العليا. وباحث ماجستير في العلاقات الدولية. عمل في العديد من المواقع والصحف العربية؛ منها: (المصري اليوم)، (الشروق)، (إيلاف)، بالإضافة إلى قنوات تليفزيونية منها mbc، وcbc.