ثقافة ومعرفةمجتمعملفات مميزة

قبل عبد الناصر بسنوات طويلة: كيف ومتى نشأت القومية العربية؟

3 أكاديميون يجيبون!

خاص كيو بوست – أنس أبو عريش

يجمع كثير من الباحثين أن البعثات التبشيرية التي نشطت في بعض المناطق العثمانية، وخصوصًا في بلاد الشام، في القرن التاسع عشر، لعبت دورًا فعالًا في تنمية الشعور العربي القومي عبر التركيز على اللغة العربية أثناء التعليم، بعد أن كانت –أي اللغة- قد فقدت كثيرًا من بريقها في نفوس العرب. لذلك لم يكن من الغريب أن يسهم الانفتاح على العالم (عبر هذه البعثات) في إعادة النظر إلى الذات العربية باعتبارها ذاتًا متميزة عن باقي الجماعات البشرية، عبر إعادة الاعتبار للغة العربية.

ومن هنا، انطلق عدد من الباحثين والأكاديميين إلى محاولات للكشف عن البذور الأولى لصعود نجم القومية العربية، ومحاولة التعرّف على بداياتها، وعلى تفاعلاتها، وعلى الأسس التي قامت عليها، بالتزامن مع دراسة الأفكار التي نشأت عليها.

ومن نافل القول إن الحركة القومية العربية لم تكن حركة ذات معالم واضحة، أو ذات تجليات معيّنة. في الواقع، لقد كانت الحركة القومية نتاج مجموعة من الأفكار المتشعبّة، مختلفة المصادر، التي تلاقت لاحقًا لبلورة مفهوم الحركة القومية العربية، وبالتالي فهي حركة يصعب تحديد كل تجلياتها وتمظهراتها في المجتمعات العربية، بشكل دقيق.

ويرى معظم دعاة الفكر القومي ضرورة كبيرة للتمييز بين القومية كشعور عام بالانتماء إلى جماعة ما بالنسبة للشعوب القديمة كالبابليين والآشوريين وغيرهم، والانتماء الواعي إلى الجماعة والأرض وإلى العلاقة معهما. ومن هنا، لا يمكن اعتبار أن العرب يشكلون قومية متميزة ومنفردة منذ قدم التاريخ، بل منذ اللحظة التي بدأوا فيها بالشعور بأنهم يشكلون أمة واحدة تجمعها خصائص كثيرة. بطبيعة الحال، لا يمكن العثور على تلك اللحظة في التاريخ العربي التي بدأ فيها هذا الانتماء الواعي، أو تحديدها بشكل قاطع يعطي نتيجة نهائية حول وقت بدء الأفكار القومية العربية، لكن يمكن تتبع مجموعة من العوامل والعناصر التي أدى تضافرها إلى ظهور الأفكار المؤسسة للوعي القومي العربي.

ومع ذلك، ينقسم دارسو تاريخ القومية العربية إلى قسمين، قسم يرى أنها جاءت نتيجة مباشرة لظهور مفهوم القومية في أوروبا في بدايات القرن التاسع عشر، وتأثرت بها بشكل مباشر لتعلن عن ظهور هذه الأفكار في العالم العربي في مواجهة الحكم العثماني كتتويج لمجموعة من التطورات السياسية والاجتماعية. على سبيل المثال، يرى هاني الهندي أن القومية العربية نشأت بشكل مباشر تأثرًا بالقومية الأوروبية الناشئة بفعل الثورة الفرنسية 1789 والثورة الصناعية في أوروبا، واللتان أسهمتا في قلب كثير من المفاهيم الدارجة في المجتمعات الأوروبية واستحداث مفاهيم جديدة كان من بينها مفهوم القومية.

أما القسم الآخر فيرجع أسباب ظهور الأفكار القومية العربية إلى عوامل ذاتية تتعلق بطبيعة التطور السياسي والاجتماعي للعرب، وبدايات شعورهم بالانتماء إلى حضارة العرب، خصوصًا في ظل الاستبداد العثماني وقتامة المستقبل السياسي الذي ينتظرهم. ويوجه أصحاب هذه المدرسة نقدًا لأصحاب المدرسة الأولى من خلال التركيز على فكرة التزامن المجرد بين ظهور القومية العربية والقومية الأوروبية، أي أن ظهورهما في كلا المنطقتين جاء في عصر واحد نتيجة ظهور الأفكار القومية، وليس بسبب التفاعل بين الثقافتين أو التأثر المباشر بينهما. ويرى أصحاب هذه النظرية أن اعتماد نظرية التأثر يغفل حقيقة أن العرب يشكلون أمة عريقة مضى على تكونها زمن طويل أقدم من التكوين الحضاري للغرب، وأن العرب كانوا من أكثر الشعوب اهتمامًا بالخصائص الفريدة التي تميزهم عن غيرهم. ومن هنا، ينطلق عبد العزيز الدوري في محاججته بأن نشوء القومية العربية كان استجابة لحاجة سكان الشرق العربي ووعيهم، دون الحاجة لـ”استيراد” فكر الأقليات التي تمزق أوروبا، وأن النهضة التي تضمن حياة كريمة للجماعة نبعت من دور مشترك للعروبة والإسلام خلال العصور الماضية في حياة العرب.

ومع ذلك، وفي ظل الخلاف الحاد بين المدرستين، ظهرت الكثير من الدراسات التي ناقشت هذا الموضوع أو أفردت له مساحة خاصة نظرًا لأهميته، وتأثيره المباشر على تطوّر حياة الشعوب العربية السياسية والاجتماعية.

وكان من بين هذه الدراسات ثلاث دراسات هامّة سنتعرّض لبعض فصولها في هذا التقرير، وهي دراسة لجورج أنطونيوس، صدرت بالأساس عام 1938 لكن أعيد نشرها عام 1987 بعنوان يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية. الدراسة الثانية لنجيب صالح نشرت عام 1985 بعنوان تاريخ العرب السياسي 1856-1956. أما الدراسة الثالثة فهي لساطع الحصري وصدرت عام 1985 بعنوان أبحاث مختارة في القومية العربية.

يرى جورج أنطونيوس في كتاب “يقظة العرب” أن أول جهد عربي منظّم يتعلّق بالأفكار القومية العربية، كان عند تأسيس جمعية سرية داخل الكلية البروتستنتية السورية في بيروت عام 1875 على يد نخبة من طلبة الكلية المسيحيين، الذين ندّدوا بالحكم العثماني وحرّضوا العرب على الثورة، عبر المنشورات التي كانت توزع خلسة، وأثناء الليل فقط، في الشوارع البيروتية. وقدم هؤلاء –حسب ما يوضح أنطونيوس- برنامجًا سياسيًا يطالب باستقلال سورية ولبنان عن الدولة العثمانية في دولة متحدة تتكلم اللغة العربية. أما نجيب صالح فيخالفه الرأي في كتابه “تاريخ العرب السياسي” حين يُرجع بزوغ الأفكار القومية إلى قبل ذلك بحوالي سبعين عامًا، قائلًا إن الأسس الأولى لظهور القومية كانت على يد محمد علي باشا والي مصر منذ بداية القرن التاسع عشر الذي بدأ مجموعة كبيرة من الإصلاحات، أدّت لاحقًا إلى تطور بيئة خصبة لنمو أسس القومية العربية. ورغم أن صالح لا يستخدم مصطلح “جهد منّظم” كما يفعل أنطونيوس، إلا أنه يشير إلى أن بدايات بزوغ “فجر الوعي العربي” قد جاء بعد الحملة الفرنسية على مصر، والتي أدت إلى تقارب المصريين وشعورهم بروح المقاومة المصرية، ما يعني أنه يقصد بذلك وجود “جهد عربي” جماعي نحو القومية.

من زاوية ثانية، يقارب ساطع الحصري نشوء فكرة القومية العربية من منظور آخر، إذ يضعه ضمن إطار نشوء فكرة القومية في العالم، على يد الأوروبيين، وبذلك يكون الحصري قد رأى في القومية العربية جزءًا لا يتجزأ من الانحياز العالمي لمفاهيم القومية كما ظهرت في القرن التاسع عشر. ويرى الحصري أن قبل هذا التاريخ كانت الشعوب، سواء في أوروبا أو في المنطقة العربية، تعمد إلى ربط مفاهيم الدولة بالملك، لا بمفاهيم الأمة، فالدولة كانت بالنسبة لهم هي المملكة، التي تتجسّد بشخصية الملك الحاكم بأمر من الله. ومع بدايات القرن التاسع عشر بدأت هذه الأفكار بالزوال، ليتحوّل الفهم الاجتماعي للدولة إلى أنها الأمة التي تحيا بلغتها، وبشعورها بتاريخها.

ويجمع الكتاب الثلاثة بأن قبضة الدولة العثمانية الحديدية على العرب، أسهمت في تأخّر ظهور الفكرة القومية العربية نسبيًا. مع ذلك، لم يكن ضعف الدولة العثمانية هو السبب الأبرز في ظهور القومية العربية، فالحصري يُرجع ذلك إلى التأثر المباشر بالأفكار الغربية حول القومية، أما صالح فيرى أن قيام الزعامات القومية المستندة إلى الوعي والنضوج الفكريين في ظل ضعف الثقة بالعثمانيين هو ما أدى إلى ظهورها بين العرب.

كما يذكر أنطونيوس أن التعليم الغربي أسهم بنقل الحركة القومية من المسيحيين إلى المسلمين، لأنه هاجم اللغة العربية بشكل غير مباشر. فالمسيحيون الذين تعلّموا اللغات الأجنبية ابتعدوا عن اللغة العربية وهاجموها، على عكس المسلمين الذين خافوا من تنصّر أبناؤهم فأرسلوهم إلى المدارس الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى الاهتمام أكثر باللغة العربية من قبلهم، والحفاظ على تواصل مع الحضارة العربية وعاداتها. يقول أنطونيوس إن كل ذلك كان ملائمًا لنقل الحركة القومية إلى المسلمين بالاستفادة من الآراء التي بذرها المسيحيون في البداية.

يتفّق الكتّاب الثلاثة على أن مصر تشكّل حالة فريدة في نشوء الوعي القومي العربي، فحتى أنطونيوس الذي كان يرى أن لبنان كانت الحاضنة لأول تحرّك عربي نحو القومية، يقول إن مصر قد لعبت دورًا مشابهًا في الفترة نفسها التي كانت الحركة القومية في الشام في نمو متزايد.

ويتفّق صالح مع أنطونيوس في أن الاحتلال البريطاني أسهم في توقّف حركة النهضة المصرية، إذ يقول إن حملة كبيرة لتأسيس النظام القومي في مصر كانت قد بدأت عام 1880 بوضع الخطط للنهوض من جديد بعد فترة التراجع، لكن البريطانيين قد دمروها بالكامل مع دخولهم. والمقصود بفترة التراجع هي الفترة التي حكم خلالها عباس باشا الأول حفيد محمد علي باشا (1848 – 1854)، وسعيد باشا ابن محمد علي باشا (1854 – 1863) والخديوي إسماعيل حفيد محمد علي باشا (1863 – 1879)، وتراجعت أحوال مصر خلال هذه الفترة بسبب تبذير هؤلاء الحكّام وسوء الإدارة المالية لديهم وافتتانهم بالعالم الغربي دون الاهتمام بجوهره كالتعليم وغيره.

ويدعو الحصري في كتابه إلى ضرورة قيام وحدة عربية مبنية على الإيمان العميق بأصالة الحضارة العربية، والتاريخ العربي، وإلى دراسة التاريخ العربي بعين ناقدة لا تقتصر على دراسة سير الملوك والسلاطين، بما يوصلنا إلى حالة يشعر من خلالها الفرد بعراقة العرب وحضارتهم، وبإمكانية استعادة هذا المجد من جديد. أما أنطونيوس فيتوصل إلى نتيجة مفادها أن جمعية بيروت السرية شكلت إلهامًا لكثير من الحركات القومية الأخرى، مسهمة في نقل الفكرة القومية إلى كافة أرجاء العالم العربي. وبذلك يقول أنطونيوس إن مؤتمر باريس عام 1913 –أول مؤتمر قومي للعرب- كان تجسيدًا لما استلهمته الحركات القومية من جمعية بيروت السرية. أما صالح فكانت النتيجة النهائية التي توصل إليها مفادها أن التدخل العثماني في مصر هو الذي تسبب في تراجع مصر ونهضتها، قبل أن يسهم في سقوطها تحت الاحتلال البريطاني، إضافة إلى دور التجارة مع الأوروبيين في فتح باب الاستعمار على مصراعيه. ويعتقد الكاتب أن إنشاء دولة عربية مستقلة وموحدة كان سيحمي البلاد العربية من الأطماع الخارجية، لكن العثمانيين أسهموا في اقتطاع مصر عن العرب بفعل نتائج اتفاقية 1840، التي عزلت مصر عن العالم العربي فترة طويلة جدًا.

المصادر:

جورج أنطونيوس. 1987. يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية. الطبعة الثامنة. بيروت: دار العلم للملايين.

نجيب صالح. 1985. تاريخ العرب السياسي. بيروت: دار اقرأ.

ساطع الحصري. 1985. أبحاث مختارة في القومية العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

هاني الهندي، 2012، الحركة القومية العربية في القرن العشرين: دراسة سياسية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

مجموعة مؤلفين، 1993، قراءات في الفكر القومي، الكتاب الأول: القومية العربية: فكرتها ومقوماتها. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

عبد العزيز الدوري، 2008، “معنى القومية العربية”، المجلة الثقافية ع. 73/74، ص. 113-126.

 عبد العزيز الدوري، 2008، الجذور التاريخية للقومية العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة