الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

قانون بايدن ضد التعصب

خطوة أولى مهمة.. لا ينبغي أن تكون الأخيرة

كيوبوست- خاص

د. دينيس ساموت♦

وقَّع الرئيس جو بايدن، الأسبوع الماضي، على قانون جرائم الكراهية المتعلقة بـ”كوفيد-19″ الذي أقره الكونغرس للتو.

حصل القانون على دعمٍ كبير من كلا الحزبَين في مجلسَي النواب والشيوخ؛ حيث حصل القانون على 94 صوتاً مؤيداً في مقابل صوت واحد معارض في مجلس الشيوخ. وهذا أمر استثنائي في ظلِّ المناخ السياسي الحالي في الولايات المتحدة. وقد جاء هذا الزخم من الدعم الذي حصل عليه القانون نتيجة سلسلة من الهجمات البارزة على الأمريكيين من أصول آسيوية، التي صدمت المسؤولين الأمريكيين، والمواطنين الملتزمين بالقانون، في أعقاب جائحة فيروس كورونا.

تزايدت التقارير التي تتحدث عن العنف ضد الأمريكيين من أصول آسيوية منذ بداية الجائحة؛ حيث ربط بعض الأمريكيين “كوفيد-19” بالأقليات الصينية أو الآسيوية الأخرى. وهذه وجهة نظر حظيت ببعض المصداقية؛ بسبب تصريحات دونالد ترامب، عندما كان في منصبه.

ترامب يثير موجة من الغضب بسبب تسميته فيروس كورونا بـ”الفيروس الصيني”- “الغارديان”

كانت تلك آخر سلسلة من ردود الفعل الهستيرية التي غذَّتها شريحة قليلة المعرفة من الأمريكيين، والتي شجعتها أحياناً تصريحات أطلقها سياسيون شعبويون؛ وهي بالتأكيد لم تكن الوحيدة، فالجميع يتذكر موجة الهستيريا المعادية للعرب والمسلمين، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث وقع العديد من الأبرياء ضحايا للعنف لمجرد أنهم كانوا عرباً أو مسلمين. وفي أحيانٍ كثيرة تعرض أشخاص من فئاتٍ أخرى إلى اعتداءات بسبب لباسهم أو شكلهم؛ كالسيخ مثلاً.

والتعصب بعيد كل البعد عن كونه ظاهرة أمريكية حصرية؛ ففي أوروبا يلجأ إليه المروجون لمعاداة السامية أو لكراهية المسلمين من أجل حشد الدعم للأحزاب السياسية الشعبوية، خصوصاً في اليمين المتطرف. إنه نوع من التطرف الذي غالباً ما يتم التغاضي عنه، ويكفي أن ينظر المرء إلى كيفية تسييس قضية المهاجرين والتلاعب بها؛ ليدرك أن هذه ليست مشكلة صغيرة هامشية، وأن لها جذوراً مجتمعية عميقة. ففي بريطانيا على سبيل المثال، بينما أيَّد كثيرون الخروج من الاتحاد الأوروبي لأسبابٍ سياسية مشروعة ومنطقية، استعمل آخرون من دون أن يرفّ لهم جفن تعابير تحض على الكراهية -مثل “الملايين من العمال البولنديين” أو “الاجتياح المتوقع لستين مليوناً من الأتراك”- في خطابهم السياسي لدعم الخروج من الاتحاد الأوروبي. وقد أظهرت دراسات أن الكثيرين عندما سُئلوا عن أعداد المهاجرين الذين وصلوا إلى أوروبا أو إلى بلادهم، كانت الإجابات مبالغاً فيها إلى حد كبير للغاية، ولا تمت إلى الواقع بصلة.

اقرأ أيضاً: التصدي لخطاب الكراهية في إسبانيا: الذاكرة والثقافة والجذور

أيضاً، لا تنحصر هذه المشكلة في دول الغرب؛ فقد شهدت دول مثل روسيا والصين موجات من العنف والغضب الشعبي ضد السود الذين كانوا يتلقون اللوم دون أي دليل على مشكلة ما في المجتمع.

توجد في جميع المجتمعات، حتى أكثرها تسامحاً، بعض عناصر متلازمة “نحن والآخرون”. وغالباً ما يتلقى الأشخاص المختلفون بأي شكل من أشكال الاختلاف -سواء أكان العرق أم الدين أم الميول الجنسية أم اللغة- اللوم على مشكلات لا علاقة لهم بها. والتشريع ضد جرائم الكراهية هو خطوة مهمة؛ فلا بد من وجود قوة القانون لإيقافها؛ ولكنها مشكلة متجذرة، وتتطلب معالجتها مقاربة شاملة.

اقرأ أيضاً: تفشِّي “كورونا” يرافقه صعود في كراهية الأجانب والعنصرية ضد الآسيويين

يجب أن تكون الخطوة الأولى هي التعليم، سواء في المدارس أو خارجها. إن النظر إلى التنوع على أنه مصدر قوة وليس نقطة ضعف للبلد أو المجتمع، فكرة يجب غرسها في المناهج المدرسية. في مدارس المجتمعات متعددة الأعراق والمدن الكبيرة ينشأ الأطفال من أعراق وخلفيات متنوعة مع بعضهم بعضاً، ويميلون إلى التعامل مع هذه المشكلة بشكل أفضل عندما يكبرون. والمفارقة هي أن أسوأ المشكلات عادة ما تكون في المجتمعات غير المتنوعة؛ حيث لا يزال يُنظر إلى الشخص المختلف على أنه غريب في أفضل الأحوال أو غير مقبول في أسوأها؛ وهنا يجب أن تلعب المناهج المدرسية دورها في تعليم أجيال المستقبل.

تضاعف عدد جرائم الكراهية في المدارس البريطانية أثناء حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي- “الإندبندنت”

إلا أن التعليم يجب أن يتجاوز الفصول الدراسية؛ فهنالك حاجة إلى فعل المزيد لإشراك النساء في الحرب ضد الكراهية، لأن المنزل هو المكان الذي تبدأ فيه تلك المشكلة، والمكان الذي توجد فيه معظم الحلول. ويجب على الحكومات والمجتمعات المدنية في مختلف أنحاء العالم تعزيز مشاركة النساء؛ ليأخذن مكانهن في طليعة الحرب على الكراهية. وتتوفر الآن الكثير من الأدوات التي يمكن أن تساعد في هذه العملية؛ بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي.

ولكن هذه المشكلة في الولايات المتحدة، كما في دولٍ أخرى أيضاً مرتبطة بتلاعب السياسيين بمسألة الكراهية واستخدامها كأداة للحصول على مكاسب سياسية قصيرة الأجل، وفي تردد خصومهم في تحدي مقارباتهم هذه.

وبالتالي، فإن الأقليات؛ خصوصًا إذا كانت من المهاجرين الجدد أو اللاجئين، غالباً ما تُلام على الصعوبات الاقتصادية أو نقص الوظائف أو اكتظاظ المدارس والمشافي.. وغيرها من أوجه القصور، وهم غالباً ما يصبحون أهدافاً سهلة؛ لأنهم غير منظمين بما فيه الكفاية ليتمكنوا من الاستجابة أو ليشكلوا وزناً مهماً في أي انتخابات.

أثار السياسيون الكراهية أثناء حملة التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي- “الغارديان”

إن التشريع ضد جرائم الكراهية هو خطوة إيجابية؛ ولكن ما يماثلها في الأهمية هو عدم التساهل مطلقاً مع الكراهية في الخطاب السياسي. وهنا يجب على ما يُعرف بالأغلبية الصامتة أن تتكلم لمواجهة الانجراف نحو التعصب. يجب على الأحزاب السياسية والنقابات والجماعات الدينية ومنظمات المجتمع المدني أن تبدأ في اقتلاع المتعصبين من صفوفها كخطوة أولى، ثم تحمل مسؤولياتهم في تحدي الكراهية بجميع أشكالها عندما تطل بوجهها القبيح. وكما قال الرئيس بايدن أثناء توقيع قانون الكراهية المتعلق بـ”كوفيد-19″: “إن الصمت هو تواطؤ، ونحن لا يمكننا أن نتواطأ؛ يجب أن نتكلم”.

اقرأ أيضاً: مشاعر العداء للآسيويين أعمق مما تعتقد

ومع ذلك، فهنالك كلمة تحذير واحدة؛ في الحرب على الكراهية لا يكون الحل في إخفاء المشكلة أو تجاهلها، أو في الاختباء وراء الالتزام بما هو صائب سياسياً؛ بحيث لا يستطيع الناس التعبير عن مخاوفهم، حتى ولو كانوا مضللين. إن أفضل سلاح في محاربة الكراهية هو التعليم والمعرفة والإقناع.

وبقدر ما تقوم الحكومات بإصدار تشريعات ضد التجاوزات، فإنها بحاجة إلى العمل مع شركاء في المجتمع المدني؛ لمعالجة القضايا في المجتمعات المحلية.

♦مدير مركز لينكس يوروب ستيتشينغ في لاهاي، هولندا. شارك في العديد من عمليات حل النزاعات، خلال العقدين الماضيين. ويكتب بانتظام حول قضايا الأمن الأوروبي، وعلاقات أوروبا مع جيرانها.

لقراءة الأصل الإنكليزي: Biden’s law 

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة