الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةحوارات

قائدة فرقة “طبلة الست” لـ”كيوبوست”: الطبلة ارتبطت تاريخياً بالمرأة

سهى محمد علي تشدد على أن الإيقاع موجود في دم السيدات منذ آلاف السنين.. وما حققته الفرقة من نجاح أعاد الامور إلى نصابها

حاورتها فاطمة بدري

سنة 2019 وبعد رحلة بحثٍ وتدريب متواصل على الإيقاع، قررت سهى محمد علي أن تؤسس فرقة نسائية إيقاعية تحت اسم “طبلة الست” تعزف على الطبلة، وتغني في نفس الوقت، رغم خلو الساحة الفنية المصرية والعربية، عدا استثناءاتٍ قليلة جداً، من وجود سيدات متخصصات في هذا النوع من الموسيقى، وهيمنة الرجال عليها.

خطوة أقدمت عليها الفتاة العشرينية على أمل أن تعيد -عبر فرقتها “طبلة الست” المصرية- الإيقاع إلى المرأة بعد أن استأثر به الرجال في العقود الأخيرة خاصة، وأن تكسر ما يُشاع عن ذكورية آلة الطبلة، وتثبت أن الإيقاع ارتبط تاريخياً، لاسيما في مصر، بالمرأة، وأن تذكِّر بأن الكثير من العادات الاجتماعية المتوارثة، على غرار الحفلات العائلية بمختلف مناسباتها، وجلسات السمر، كانت دائما تؤثِّثها أيادٍ نسائية تعزف الإيقاع. أي أنها تؤكد أن سطوة الرجال على الطبلة لسنواتٍ طويلة ما هو إلا حدث عرضي، ولا بد أن تعود الأمور إلى أصلها، إلى السيدات.

اقرأ أيضاً: كيف نقل الحضارم واليمنيون الموسيقى إلى جنوب شرق آسيا وأوروبا؟

وبمجهودٍ فردي أسست سهى فرقتها التي انطلقت بأربع فتيات، وهي اليوم بـ12 فتاة إلى جانب تنظيم ورشات للسيدات الراغبات في تعلم الإيقاع، جابت حتى اليوم عدة محافظات مصرية، وبدأت تحصد نجاحاً كبيراً مع كل حفلة جديدة، بسبب الحيوية الكبيرة التي تظهر عليها السيدات على المسرح، والانسجام الكبير، والأهم روح المرأة الخاصة والمختلفة التي تجعل من هذا النمط الفني أكثر جمالية، وأشد تأثيراً. كما أن الفرقة أخذت على عاتقها أيضاً إحياء الفولكلور المصري عبر جعله محورهم الرئيسي؛ عزفاً وغناء، على أن يكون تقديمه بروحٍ شبابية، بروح المدينة حتى يسهل تمريره خاصة للأجيال الجديدة.

“كيوبوست” التقت قائدة الفرقة سهى محمد علي، وتحدثت معها في هذا الحوار عن تفاصيل هذه التجربة الفريدة..

* كيف فكرتِ في احتراف العزف على الطبلة في البداية، ثم تأسيس فرقة نسائية تعزف على الطبلة، رغم الصورة الشعبية السلبية للطبل؟

– من خمس سنين كنت أريد تعلم العزف على آلة إيقاعية، وخاصة الطبلة، ولهذا قررت الذهاب لأستاذ سعيد الأرتيست تمرنت معه لفترة مهمة، كانت كفيلة بأن أعجب بالطبلة وأحبها. بعدها قدمت في أكاديمية الفنون وأتمرن على الإيقاع، وسافرت لمناطق مختلفة في مصر، وخاصة الصعيد المصري، حتى أتعلم كما يجب. وأنا بصدد هذا البحث خطرت لي فكرة، وهي أن أتعلم الغناء أيضاً، خاصة الفولكلور، ولهذا قمتُ كذلك بتمرينات حتى أتقن تقنيات الغناء.

في مرحلةٍ لاحقة أردت أن أدمج الاثنين معاً، أن “أغني” و”أطبل” في نفس الوقت، حينها بدأت أتعلم كل واحدة على حدة أولاً، ثم قمت بدمجهما معاً؛ الغناء مع التطبيل. كان الأمر ممتعاً، ولكن أحسستُ أن هذا الثنائي حتى يقدَّم بشكلٍ جميل على المسارح لا بد أن يقدَّم بشكلٍ جماعي، وليس بشكلٍ فردي، وأن تكون العناصر سيدات يمسكن بآلاتٍ إيقاعية، يغنين ويطبلن في نفس الوقت بشكلٍ جماعي، نغني أغاني فولكلور وتراث مصري.

* كيف تم إنشاء الفرقة؛ بمعنى كيف كان القرار؟ وكيف تم اختيار عناصر الفرقة؟ وكيف حدث هذا الانسجام بينكن؟

– كان قراري بمفردي، فمن خلال الدورات التي تلقيتها في العزف على الطبلة كنت أتعرف على سيدات أغلبهن كن يغنين فقط، فقمت بجمعهن واستأجرت استوديو، وبدأت بشراء آلات إيقاعية، وعلمتهن الإيقاع، ونغني ونطبل في الآن ذاته. وجدت تفاعلاً إيجابيا من السيدات اللاتي كن سعيدات بالتجربة التي كانت مغامرة حقيقية خاصة أنها فكرة جديدة. كنا جميعاً متحمسات، وتحدونا رغبة في إنجاح الفكرة معاً، ولهذا سرعان ما حدث الانسجام فيما بيننا، بل وجعلنا سعيدات بما نقدِّم.

اقرأ أيضاً: يميِّزها الارتجال والحيوية.. ماذا نعرف عن موسيقى “الجاز”؟

* ماذا يعني احتراف فرقة نسائية العزف على الطبلة، ونحن نعلم أن هناك سطوة ذكورية على هذه الآلة؟

– هناك انطباع أن الرجل هو المحسوب على آلة الطبلة، ولكن هذا غير صحيح، لأنه منذ آلاف السنين على جدران وحيطان معابدنا في مصر مرسوم ومنحوت سيدات وهن يمسكن بآلاتٍ إيقاعية مثل الدفوف والصلاصل، يعزفن بها، وينشدن أيضاً على غرار معبد دندرة في قنا، معبد حتحور، هناك جدارية كبيرة جداً منحوت عليها سيدات يمسكن دفوف وصلاصل، وهن يعزفن ويغنين في نفس الوقت. وأيضاً منذ حوالي ثلاثين أو أربعين سنة كان هناك طبلة فوق خزانة الملابس في كل بيت مصري، تنزلها سيدات في كل مناسبة سعيدة ويعزفن عليها ويغنين في الوقت عينه. يعني الطبلة منذ آلاف السنين كانت مرتبطة بالمرأة فقط، في العقد الأخير ابتعدت عنها ولكن من خلال “طبلة الست” وغيرها ستعود السيدات للعزف على الطبلة والغناء في نفس الوقت مجدداً. الإيقاع موجود في دم السيدات من آلاف السنين، وما نفعله ليس جديداً، فقط نحن نقوم بإعادة إحياء شيء قديم جداً، موجود في ثقافتنا وفي الوعي الجمعي من آلاف السنين، بل هي في جيناتنا ورثناها عن أجدادنا.

إعادة الإيقاع للسيدات (صورة خاصة من سهى)

* هل توقعتِ نجاح الفرقة؟ وكيف تقبل الجمهور الفرقة في البداية؟

– أسستُ الفرقة بشغف وبحب كبير جداً، وبفرح شديد بما أنا بصدد القيام به، ولهذا كنت أتمنى أن أنجح، وكنت أرى ذلك في خيالي، وقد بدأت ألمس ذلك منذ أول حفلة قدمتها مع الفرقة. رأيت سعادة الناس بما نقدِّم وتفاعلهم معنا، وتشجيعهم لنا، الجمهور وهو يتابع سيدات يمسكن بآلاتٍ إيقاعية، ويعزفن ويغنين مبتهجات، ووجدنا تشجيعاً كبيراً، ولمسنا رغبتهم في أن نكمل على نفس خط الفولكلور والتراث المصري. أذكر في إحدى المرات كنا في حفلة في مقهى، وعندما انتهينا وكنا نستعد للمغادرة فوجئنا بالجميع يقف ويمنعوننا من الخروج، ويطلبون منا أن نغني لهم مجدداً كان شعوراً جميلاً جداً وممتعاً إلى حدٍّ لا يوصف.

* هل يمكن أن تفتح فرقتك الباب لظهور فرقٍ نسائية أخرى تحترف الطبلة؟ وهل هذا ضمن أهدافك؟

– فعلاً، شعرت منذ بداية ظهور فرقة “طبلة الست” أن الكثير من السيدات تشجَّعَن، وبدأن يمسكن آلاتٍ إيقاعية ويطبلن، وكما بدأنا نلاحظ تنظيم لقاءاتٍ لسيدات أيضاً يجتمعن ويعزفن على الطبلة. شعرت بهذا خاصة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وغيره، وأتمنى أن تدفع فكرتنا كلَّ سيدة لإعادة النظر في أهدافها وشغفها، وأن نكون عاملاً مشجعاً لكل امرأة ترغب في العزف على الطبلة أو الغناء، ولكنها خائفة من أن ذلك لن يكون مناسباً، أن تكسر هذه الأسباب، وتذهب لشغفها.

طبلة بأنامل نسائية (صورة خاصة من سهى)

* لماذا اخترتِ التركيز على الفولكلور المصري دون غيره من الألوان الموسيقية؟

– الفولكلور المصري هو نتاج ذاكرة الشعب المصري، بمعنى أن كل مقطوعة موسيقية أو شعرية من الفولكلور هي مجهولة المصدر، غالباً لا اسم معين ينسب له، ولكن من حافظ على استمراره ووجوده هو الشعب المصري. بقينا نردده جيلاً عن جيل على غرار (السيرة الهلالية) مثلاً التي تعد تيمة موسيقية وشعرية مرتبة موجودة من مئات السنين، ظل المصريون، وشعوب عربية أخرى، يعيدونها ويزيدون عليها باستمرار، حتى وصلت لما عليه اليوم.

وقد أتوقف هنا عند الشاعر الراحل الكبير عبد الرحمن الأبنودي عندما قرر تجميع (السيرة الهلالية) في عددٍ من الكتب، تعب جدا لأنه جاب العديد من الموالد وسافر لبلدان مختلفة كتونس والسعودية حتى يجمع هذا التراث الجميل الموجود في وجداننا شئنا أم أبينا. فالفولكلور المصري شيء موجود في الوعي الجمعي لنا كمصريين، وجميعنا نحبه، وبمجرد عزفه وغنائه ستجدنا جميعنا نغني معه حتى أن دواخلنا ستغني قبل الشفاه ونسمع قبل الآذان.

طبلة بأنامل نسائية (صورة من سهى)

نحن لا نرث ملامح معينة فقط، نحن نرث ثقافة وذاكرة ووعيَ فرحٍ أو سعادة غناء أو إيقاع، في عقلنا سواء أدركنا ذلك أو لم ندرك. وهذا الفولكلور ثري، ويتميز بالتيمة الموسيقية الجميلة، بالكلمة حمالة المعنى والموضوع، وليس كلاماً اعتباطياً دون معنى بقافية ووزن. وكلما عُدنا إلى الفولكلور وجدنا الكلمة المعبرة حقاً وذات الرؤية واللحن الرائع مع أنها أشياء سهلة وبسيطة وسلسة تبعث على الفرح، منذ بداية الاستماع لها، وتذكِّرنا بأجدادنا حتى أن العديد ممن حضروا حفلات الفرقة يقولون لي “أنت تذكرينني بجدتي”، أي أنني من خلال التراث أذكِّرهم بشيءٍ جميل في ذاكرتهم كانوا سعداء بها. ولهذا أنا اخترت الفولكلور.

اقرأ أيضاً: الفنون الأوكرانية… موسيقى ورقص وغير ذلك

* لكن الفولكلور اليومَ ليس باللون الموسيقي المتداول بالنسبة للأجيال الجديدة، وليس سهلاً أن يتقبلوه.. كيف أقدمتِ على هذا التحدي؟

– الفولكلور المصري رائع وجميل، وحتى يتقبله الجيل الجديد أحاول أن أطوره وأضعه في قالبٍ شبابي بعض الشيء، لأننا أساساً نحن أعضاء فرقة “طبلة الست” كلنا جيل صغير. ولهذا أحاول أن أمزج بين اللحن القديم والكلمة القديمة التي لا أجد مثيلاً لها هذا اليوم، وأضعه في شكل شبابي كفستان شبابي مثلاً. نحن فتيات صغيرات نشبه جيلنا الصغير، لكن نحن بنات القاهرة لا نلبس “جلابية” صعيدي مثلاً، نحن منفتحات على كل الأصعدة بمعنى أننا نقدم الفولكلور نعم، ولكن بروح المدينة، بروح ورؤية وصورة القاهرة عاصمة مصر.

الحلم بالنجاح العالمي (صورة من سهى)

* ما الذي حققته الفرقة حتى الآن.. وإلى ماذا تتطلعين على المستوى المحلي والعربي والعالمي مستقبلاً؟

– الفرقة حققت أشياء كثيرة حتى الآن، أصبحنا 12 سيدة على المسرح مبدئياً، جُبنا العديد من المحافظات كأسوان وإسكندرية، وغيرهما، وعزفنا في مسرح الأوبرا ومهرجان الطبول والمركز الثقافي الفرنسي والإسباني، وأماكن أخرى مع تذاكر نافذة قبل يوم العرض. لدينا أيضاً (ورشة طبلة الست) وفيها قرابة 30 سيدة مشتركة، ومن المنتظر أن يكن معنا في حفلاتٍ قادمة. ونحن نحلم ونتطلع لنشر البهجة في كل مكان نذهب إليه في مصر وفي العالم، كما نتطلع لأن نزور كل محافظات مصر، وأن نعزف خاصة في المعابد والمناطق الأثرية بالبلاد، وطبعاً يحدونا حلم كبير أن نجوب كل مهرجانات العالم، ونصنع البهجة فيها ونتألق، وأن نجعل الناس تتعرف على الفولكلور المصري الأصيل، ولما لا تعزفه وتغنيه أيضاً من خلالنا.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة