الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

في “BARDO, False Chronicle of a Handful of Truths”.. إيناريتو ينغمس في السيريالية

كيوبوست- عبيد التميمي

BARDO, False Chronicle of a Handful of Truths“، فيلم درامي كوميدي يتحدث عن “سيلفيريو”، صحفي ووثائقي مكسيكي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية. وبينما يتلقى كماً هائلاً من الاستحسان في البلدَين لدى الجمهور والنقاد، إلا أنه يعاني أزمة هوية حادة نشاهد تبعاتها من خلال الفيلم. أزمة هوية تبدأ به شخصياً وتمتد حتى أبنائه الذين قرر تربيتهم في الولايات المتحدة. الفيلم من كتابة وإخراج المكسيكي أليخاندرو إيناريتو، ويشاركه في الكتابة زميله الأرجنتيني الذي رافقه في أعمال سابقة، نيكولاس جياكوبوني.

تريلر الفيلم

إن إيناريتو يمتلك لمسة خاصة وواضحة جداً كصانع أفلام؛ بل إن هذه اللمسة اتضحت بشكل أكبر في أواخر أفلامه. ابتعد عن أسلوبه المعتاد في التداخل السردي بين عدة قصص لشخصيات مختلفة، وأصبح يركز على سرد قصة عن شخصية واحدة بخط مستقيم نوعاً ما؛ كان ذلك في فيلم “Biutiful” رفقة خافيير بارديم، ومن ثم “Birdman” مع مايكل كيتون، وآخِر ذلك كان تعاونه مع ليوناردو ديكابريو في “The Revenant“. لكن ما ظهر بشكل واضح هو حب إيناريتو للقطات التتبع وزوايا التصوير الواسعة. يحب إيناريتو أن يشمل أكبر عدد من الشخصيات في اللقطة، ويتتبع هذه التحركات دون أي تغيير في اختيار العدسة أو الاقتراب من الشخصيات. في أفضل الحالات، يستطيع إيناريتو صنع لوحة تفاعلية رائعة مع كم هائل من الشخصيات التي تتحرك وَفق نظام وترتيب معين؛ حتى يسير المشهد دون أية مشكلات، وقد استطاع فعل ذلك بشكل بصري باهر جداً في هذا الفيلم. هناك مشاهد عديدة يضيع البطل سيلفيريو فيها ولا يصبح محل اهتمام الكاميرا؛ بل يغوص وسط بحر من الشخصيات التي تؤدي أعمالها، مشهد دخول سيلفيريو إلى الاستوديو وطريقة تغير البيئة حوله بكل حذافيرها واختلاف الراقصين والعاملين على أرضية الاستوديو يجعلك تدرك أن التصوير في أفلام إيناريتو حرفة حقيقية.

مشهد من الفيلم

قد يكون هذا أجمل أفلام إيناريتو تصويرياً؛ في كل مرة تنبهر من مشهد مفعم بالحركة والأجزاء المترابطة وكيفية تتبع الكاميرا للشخصيات، يليه مشهد يشابهه.. إن التصوير بهذه الطريقة عمل مضنٍ ولا أعتقد أنه من السهل وضع كل هذه القطع سوياً لتصوير مشهد بهذه الطريقة. لكن هل لهذا الفيلم أكثر من ذلك؟ التصوير السينمائي بارع للغاية ويطغى على بقية عناصر الفيلم؛ وهو أمر غير مستغرب حينما نشاهد المصور السينمائي الخبير داريوس خوندجي، يقف خلف هذا العمل. خوندجي الذي سبق له العمل مع ديفيد فينشر وداني بويل ومايكل هينيكه والأخوَين سافدي في السنوات الأخيرة، يستطيع الامتثال لرؤية المخرج في أفلامه السابقة وفي نفس الوقت إضافة لمسة فريدة؛ لذلك كان من السهل تمييز هذا الفيلم كامتداد لأعمال إيناريتو.

المخرج إيناريتو مع بطل الفيلم دانييل خيمينيز كاتشو

لكن المشكلة الحقيقية تقع في كون هذا الفيلم شخصياً للغاية للمخرج إيناريتو؛ فهو تقريباً يتحدث عن إيناريتو المخرج المكسيكي الذي وجد نفسه في السينما الأمريكية. والأفلام الشخصية عرضة للانجراف بشكل كامل خلف أفكار المخرج، بمعنى أن الأمر يتحول إلى أشبه ما يكون بالتجول في الأفكار الداخلية لمخرج الفيلم؛ قد تكون الفكرة مثيرة للاهتمام في البداية، ولكن الأمر يصبح مملاً حينما يكون الموضوع مجرد تدفق للأفكار بشكل عشوائي دون مغزى حقيقي. حاول إيناريتو معالجة هذه المشكلة بتقديم قصة لبطل الفيلم يتنقل فيها بين أمريكا والمكسيك بخط سردي مستقيم؛ لكنني لم أتوقف للحظة للاهتمام بهذه الشخصية ورحلتها، لأنني لم أشعر للحظة أنني أتابع فيلماً؛ بل مشاعر وأفكار المخرج عن نفسه.

مشهد من الفيلم

أغرق إيناريتو الفيلم بالتعبيرات المجازية والسيريالية؛ ولكنه لم يكن يترك للمشاهد حرية الفهم في كثير من الأوقات، لأن الفيلم امتلك نبرة تلقينية في العديد من هذه المشاهد. فعلى سبيل المثال، نحن لا نحتاج إلى أن نشاهد سيلفيريو يصغر حجمه حرفياً حينما يتحدث إلى والده المتوفى حتى نفهم أنه لا يزال يشعر بأنه صغير مقارنةً بوالده؛ الحوار في المشهد وأداء الممثل دانييل كاتشو، كفيلان بذلك. في أحيان كثيرة كنت حائراً ولا أعلم هل يريد إيناريتو أن يقدم أسئلة ويترك لي مهمة الإجابة عنها، أم أنه يريد أن يشرح كل تعبير مجازي ظهر على الشاشة حتى نفهم القصد بالكامل منه.

اقرأ أيضًا: ملحمة جيمس كاميرون الفضائية.. Avatar: The Way Of Water

إن الأفلام الشخصية ليست بالضرورة مشروعاً محكوماً عليه بالفشل؛ بل إنها تجربة مثرية حينما نشاهد مخرجاً يصنع فيلماً بشغف وإخلاص. الإيطالي فيدريكو فيليني قد يكون صنع أشهر الأفلام الشخصية في ، وتشارلي كوفمان صنع فيلماً شخصياً عظيماً في Synecdoche, New York. الاختلاف أنني في هذه الأفلام كنت مهتماً بقصة الشخصية حتى لو كان سير الأحداث ضبابياً، بينما لم أهتم بقصة إيناريتو حتى مع محاولاته العديدة للشرح.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبيد التميمي

كاتب سعودي

مقالات ذات صلة