الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

في واشنطن.. معرض لإنصاف تمثيل تاريخ اليمن

تقيم مؤسسة "سميثسونيان" في الولايات المتحدة معرضاً يحمل عنوان "اليمن القديم.. البخور والفن والتجارة".. لتسليط الضوء على جانب من آثار وتاريخ ممالك شبه الجزيرة العربية القديمة

كيوبوست- منير بن وبر

يقع معرض “اليمن القديم.. البخور والفن والتجارة” في المتحف الوطني للفن الآسيوي  بمؤسسة “سميثسونيان”، وتصفه صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” بأنه يأتي لتصحيح التحيز التاريخي لتمثيل جيد للحضارة اليونانية والرومانية القديمة في متاحف العالم مقابل تقدير أقل للحضارة اليمنية؛ بما في ذلك التاريخ الغامض لليهود، وسيستمر نحو ثلاث سنوات على الأقل، حسب الصحيفة.

ازدهرت ممالك جنوب شبه الجزيرة العربية لما يقرب الألفي سنة؛ وذلك بفضل تجارة البخور النادر الذي تنتجه شجرة اللبان، وتجارة التوابل وغيرها من السلع القيِّمة، بين الشرق والغرب. العمل كوسيط تجاري بين حضارات العالم القديم وإنتاج سلعة فريدة كاللبان جعل حضارات جنوب الجزيرة العربية من أثرى شعوب العالم، بل وأحاطها بهالة من القداسة.

اقرأ أيضاً: مواطن المسيحية في الجزيرة العربية قبل الإسلام

عبدت شعوب ممالك جنوب الجزيرة العربية القديمة الكواكب والنجوم؛ مثل القمر والشمس والزهرة، كما اعتنقت المسيحية واليهودية قبل الإسلام. انعكست بيئة السكان واهتماماتهم وتجارتهم على زخرفة وتزيين أماكن عبادتهم، كما انعكست تصوراتهم ومعتقداتهم على تزيين بيوتهم وقصورهم وأدواتهم، بل وحتى أجسادهم.

اليوم، نرى كل ذلك التنوع الثقافي الثري ينعكس في عدد لا حصر له من القطع الأثرية الفريدة التي يعرضها العديد من متاحف ومعارض العالم، بينما لا يزال الكثير منها مغموراً تحت التراب والرمال.

طريق اللبان

ارتكز ازدهار ممالك جنوب الجزيرة العربية على إنتاج اللبان، والاتجار بالنفائس القادمة من الشرق، كالهند، مع الغرب عبر مصر، ومع بلاد فارس عبر نجد والعراق. كان ذلك أحد أقدم وأشهر طرق التجارة العالمية في التاريخ.

عالم الآثار الأمريكي ويندل فيلبس أثناء عمله في اليمن- مؤسسة “سميثسونيان”

استُخدم اللبان كبخور طيب الرائحة في حضارات العالم القديم، كما كان يستخدم بكثرة في الطقوس الدينية والمعابد. في كتابه “كنوز مدينة بلقيس”، يقول ويندل فيلبس: إن حضارات العالم القديم كانت تستخدم اللبان والصمغ والتوابل في التحنيط والتبخير، وفي صناعة العقاقير. كما أنها تُحرق في المآتم والأفراح والبيوت، مع استئثار الطقوس الدينية بأكبر كميات من البخور.

الاستهلاك النهم للبخور جعل البلد الذي يصدِّره يُحاط بهالة عظيمة من التبجيل؛ لأنه يزود العالم القديم بأكثر منتجاته قدسية؛ لذلك، طوال ألف سنة أو يزيد -كما يشير ويندل فيلبس- ظل جنوب شبه الجزيرة العربية مزدهراً “فوق ما يتصور العقل”.

حافظت ممالك جنوب الجزيرة العربية على هذه التجارة من خلال توفير الحماية للقوافل وسن القوانين الصارمة، كما حرصت على كتم أسرار التجارة، بما في ذلك مواعيد هبوب الرياح التي تدفع سفنها إلى جنوب آسيا، وعمدت إلى إحاطة تجارتها بالغموض والأساطير، وذلك كما يشير مؤرخون؛ مثل محمد بافقيه في كتابه “تاريخ اليمن القديم”.

اقرأ أيضاً: الحوثيون ضمن شبكة تهريب عالمية لآثار اليمن

تعد شجرة اللبان من الأشجار النادرة، ويعتقد أن موطنها الأصلي هو عمان واليمن والصومال وإثيوبيا. نمت تلك الشجرة بشكل كثيف في ظفار، عُمان، حيث كانت مملكة حضرموت تمتد إليها، كما نمت في جزيرة سقطرى ومرتفعات حضرموت والمهرة جنوب شرق اليمن.

نقلت قوافل الجمال اللبان من مملكة حضرموت إلى مراكز الطلب الكبير في مصر والعراق. تشاركت ممالك اليمن الأخرى هذا الطريق التجاري الطويل؛ مثل سبأ وقتبان ومعين، حيث كان لازماً على القوافل التوقف بالواحات المتناثرة في مناطق نفوذ تلك الممالك للتزود بالماء والطعام والعلف؛ لمواصلة رحلة التجارة الشاقة عبر الصحاري العربية. وهكذا، طوال الرحلة، كان التجار يضطرون إلى دفع الضرائب وكميات من اللبان إلى الكُهَّان والملوك وأعوانهم، ومَن يتولون الخِزَن والحراسة طوال الطريق.

تأثير المعتقدات والبيئة على الآثار

لطالما كان للفنون ارتباط وثيق بالمعتقد الديني للإنسان وبيئته المحيطة؛ ويمكن رؤية ذلك التأثير الظاهر في فنون العمارة والزخارف والنحت.

معبد أوام، مأرب، اليمن- AFP

بَنَت شعوب ممالك جنوب الجزيرة العربية عدداً من المعابد لآلهتها قبل ظهور اليهودية والمسيحية والإسلام. كانت تلك الممالك تقدِّس القمر والشمس والزهرة، وكانت تطلق عليها مسميات متعددة؛ ففي حضرموت -مثلاً- كان يُطلق على إله القمر “سين”، وفي سبأ يُطلق عليه “إل مقه”. كانت توجد مسميات مختلفة في كل مملكة لنفس الإله، وهو أمر يبرره الأستاذ الدكتور منير العريقي، في كتاب “دراسات في الآثار اليمنية القديمة”، بأنه نوع من إظهار استقلال كل كيان عن الآخر.

زُينت المعابد والقصور بالرسومات الآدمية والحيوانية والنباتية، وكان كثير منها يصور طقوساً وشعائر دينية؛ مثل عمليات الصيد الديني. وكان للوعول والثيران والمها وأوراق العنب وسنابل القمح حضور بارز في تلك الزخارف، ولها ارتباط بالمعتقدات الدينية؛ إذ ترمز أوراق العنب -مثلاً- إلى المعبودة الشمس، حسب العريقي في كتابه.

اقرأ أيضاً: فن الزخرفة والعمارة في حضرموت

يعد الوعل من بين الحيوانات التي تم تجسيدها بكثرة في حضارات جنوب الجزيرة العربية القديمة، وعُد رمزاً دينياً لمعبود الزهرة. كما قُدمت تماثيل الجِّمال قرابين للآلهة رغبةً في الحصول على حماية الآلهة للجمال التي تؤدي دوراً عظيماً لتلك الشعوب؛ فهي التي تنقل بضائعهم الثمينة عبر الصحراء القاسية إلى حضارات العالم. لقد كانت الجِّمال بحق أحد أكثر الحيوانات مرافقة لنمو وازدهار حضارات جنوب الجزيرة العربية؛ مثل سبأ وحضرموت ومعين وقتبان وأوسان.

يهود اليمن وآخر ممالك جنوب جزيرة العرب

يُعد يهود اليمن من أقدم الجاليات اليهودية في العالم، ويعتقد أن وصولهم لأول مرة كان بغرض التجارة منذ أكثر من ألفَي عام. ومع ذلك، ارتبط وجودهم أكثر بمملكة حِمير؛ آخر الممالك القديمة لجنوب الجزيرة العربية.

يُوصف تاريخ اليهود في اليمن بالغموض، وغالباً ما يُتهم الأكاديميون -والمهتمون عموماً- بتجاهله. يُعتقد أن اليهود وصلوا إلى اليمن في عهد مملكة يهوذا بغرض التجارة. كما تروي الأساطير أن الملك سليمان أرسل مستوطنين يهود إلى اليمن بعد زيارة ملكة سبأ، بلقيس، قصره المهيب والساحر في القدس.

إفريز من رؤوس الوعل.. وادي بيحان (شبوة)- معرض “آرثر إم ساكلر”

لكن الفترة الزمنية التي يُذكر فيها اليهود في اليمن بشكل أوضح هي القرن السادس الميلادي؛ عندما شاعت اليهودية في عهد مملكة حِمير، وما حدث بعد ذلك من صراع بين اليهود والمسيحيين، والذي كان من نتائجه القصة الشهيرة المعروفة بقصة أصحاب الأخدود.

فقد اليهود نفوذهم بعد سقوط مملكة حِمير، وتوزعوا بعد ذلك بين العديد من القبائل العربية؛ خصوصاً حضرموت. ثم، مع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، اعتنق بعض يهود اليمن الدين الجديد، بينما بقي آخرون على ديانتهم يتمتعون بالسلام حيناً ويعانون الاضطهاد حيناً آخر لقرون من الزمن، حتى بدؤوا يهاجرون من اليمن بأعداد كبيرة؛ بدايةً من القرن التاسع عشر.

اقرأ أيضاً: شاب يمني يسعى لحفظ وتطوير فن غنائي تقليدي.. تعرف عليه

لا شك أن موقع جنوب جزيرة العرب بين شرق العالم وغربه جعله همزة وصل مزدهرة لقرون خلت، تمازجت خلالها المعتقدات والأديان والفنون والثقافات مكونةً إرثاً تاريخياً غنياً للغاية في هذا الركن من العالم؛ إلا أنه نادراً ما يُسلط عليه الضوء.

تقول أمينة متحف الفن الآسيوي بمؤسسة “سميثسونيان”، أنطونييتا كاتانزاريتي، لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”: إن الناس عندما يرون المعروضات اليمنية يعتقدون غالباً أنها آثار غربية، وغالباً ما تتبادر روما والإغريق إلى الذهن؛ لذلك “ما نحاول القيام به هو تعريف الزائرين بالثقافة المادية المتنوعة لليمن القديم نفسه”. تمثل مبادرات كهذه فرصة عظيمة ليس لتعريف العالم باليمن فحسب؛ بل بتاريخ الشعوب والأديان في المنطقة، وبالطوائف المتنوعة المتلهفة لاستكشاف تاريخ أسلافها. البحث في أعماق التاريخ ليس بالمهمة السهلة؛ لكنه بلا شك يستحق العناء.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة