الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

في ناغورنو كاراباخ.. الكنوز المسيحية مهددة بالخطر!

هل سيتمكن العالم من حماية الكنائس والمقابر والأديرة المسيحية التي يزيد عمرها أحياناً على 1500 عام في كاراباخ من التخريب والسرقة؟

كيوبوست   

منذ انتهاء الحرب التي استمرت أربعة وأربعين يوماً في ناغورنو كاراباخ، في نوفمبر الماضي، تم العثور على جزء كبير من التراث الديني الأرميني، الذي تم نقله إلى مكان سري في أرمينيا يمتد تحت الأرض ويحظى بالحراسة ليلاً ونهاراً.

هو مكان معروف لقلة قليلة من الناس؛ تم تصميمه على شكل متاهة من الممرات الطويلة المنحوتة في الصخر خلال حقبة الحرب الباردة، عندما كانت المخاوف من الصراع النووي تلوح في الأفق؛ حيث كانت أرمينيا، آنذاك، سوفييتية.

لم تُستخدم هذه الكهوف الشبيهة بالمخابئ كملاجئ حينها لإيواء الرجال والنساء المهددين بالخطر النووي الأمريكي؛ ولكنها تُستخدم اليوم لحفظ جزء كبير من الكنوز الأرمينية التي عثر عليها في ناغورنو كاراباخ.

تم نقل ما أمكن من الخاشكار وتخزينه في أقبية قرب العاصمة الأرمينية- وكالات

يُطلق على هذه اللوحات الضخمة اسم “خاشكار”، وهي من أبرز رموز الهوية المسيحية الأرمينية، يصل وزن هذه الكتل الحجرية المنحوتة إلى أكثر من طن، ويبلغ ارتفاعها من 1 إلى 3 أمتار، وترمز إلى شجرة الحياة وانتصارها على الموت. توجد في الغالب في المقابر أو على مفترق الطرق أو عند مدخل الكنائس أو الأديرة، إنها أعمال فنية حقيقية يعود تاريخ أقدمها إلى القرن التاسع.

وإذا ما عُدنا إلى موقع “اليونسكو” لحفظ التراث، نقرأ أن “الخاشكار” هو عبارة مسلَّة تنتصب في الهواء الطلق، يزينها في الوسط صليب منحوت بطريقة زخرفية، ترافقه أشكال هندسية لنباتات أو حيوانات، وحتى شخصيات منحوتة في الحجر.

اقرأ أيضاً: نزاع ناغورنو كاراباخ ومؤشرات فنون الحرب الجديدة

يجري تقصيب الخاشكار عموماً من صخور المنطقة الموجود فيها، وينحت بواسطة منقر، وإزميل، ومنقش رفيع، ومطرقة. وتُصقل الأشكال المنحوتة من ثمَّ بالرمل الناعم، ثم تُغطَّى الكسور الصغيرة والنتوءات بجص الطين أو الكلس.

وعندما ينتهي العمل في الخاشكار، يُنصب في مكانه بالتزامن مع احتفال ديني صغير. يُفترض أن يملك الخاشكار قدرات مقدَّسة، ويمكنه، حسب المعتقدات القديمة، أن يقدِّم العون والحماية والنصر والحياة المديدة.

فن نحت الخاشكار تتوارثه العوائل الأرمينية- موقع “اليونسكو”

يرتفع في أرمينيا أكثر من 50 ألف خاشكار؛ لكل منها مميزاته الخاصة، ولا يتشابه اثنان منها، ويعتبر إتقان صنع الخاشكار فناً متوارثاً ضمن العائلة، أو يورثه المعلم إلى تلميذه.

يضم دير داديفانك، على بُعد 90 كيلومتراً شمال غرب عاصمة إقليم كاراباخ ستيباناكيرت، اثنين من أفضل الخاشكار المحفوظة لأكثر من سبعمئة عام. نُحتت في عام 1283، وتم اكتشافها في 14 نوفمبر الماضي، بعد أسبوع تقريباً من انتهاء الصراع الذي دام أربعة وأربعين يوماً بين الجيش الأذربيجاني المدعوم من أنقرة، والقوات الأرمينية.

اقرأ أيضًا: هدنة هشة في ناغورنو كاراباخ بسبب الانتهاكات العسكرية

بموجب وقف إطلاق النار الموقع في 9 نوفمبر 2020، كان مصير الدير وكنوزه الحجرية في أيدي الأذريين؛ لذلك تم انتزاع الخاشكار من الأرض، ووضعت على منصات تحملها شاحنات النقل إلى أرمينيا.

لكن السكان الذين فضل الكثير منهم حرق منازلهم قبل الفرار من كاراباخ خوفاً من القوات الأذرية، قلقون على تراثهم التاريخي والديني؛ الأمر ليس مبالغة فالأذريون الناطقون بالتركية يطبقون سياسة تشبه سياسة تركيا التي هدفت منذ أكثر من قرن إلى محو كل آثار الحياة على الأراضي التي تسيطر عليها، حسب العديد من المراقبين.

الرئيس التركي ونظيره الأذربيجاني- وكالات

الأدلة على ذلك كثيرة؛ فالتدمير المنهجي للكنائس والأديرة والمقابر في الأناضول من قِبل تركيا خلال الحرب العالمية الأولى، وفي عشرينيات القرن الماضي، ما زالت عالقة في الذاكرة، كما أن مقبرة ضخمة مساحتها 1500 متر مربع تقع على الحدود مع إيران دُمرت بالجرافات منذ نحو خمسة عشر عاماً، وكانت تحوي 3000 خاشكار، وفي مكانها تم بناء مبانٍ تضم قاعدة عسكرية.

اعترضت “اليونسكو”، عبر مديرتها أودري أزولاي عبثا، على ما يحدث، واقترحت إرسال بعثة على الفور؛ لكن طلبها قوبل برفض صارم من قِبل الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، الذي  اعتبر في هذا النهج نفحة من “الإسلاموفوبيا”!

اليوم هناك العديد من المواقع الأثرية التي تحول السلطات الأذربيجانية دون الوصول إليها؛ وهو ما يزيد المخاوف أكثر من احتمال تعرضها إلى التدمير والتخريب، أو حتى محاولات السرقة وبيعها مهربة؛ وهو ما يحتم ضرورة حمايتها من قِبل المجتمع الدولي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة