الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

في فشل القمة الأمريكية الكوري-شمالية.. فتش عن إيران

لماذا أصبح البرنامج النووي الإيراني يمثل عقدة ترامب الرئيسة؟

كيو بوست – 

على الرغم من المؤشرات الإيجابية التي سيطرت على وسائل الإعلام العالمية قبل اللقاء الثاني بين رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، وزعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون، إلا أن اللقاء الذي جرى في دولة فيتنام لم يخرج بالنتائج المتوقعة -التي وصلتنا عبر البيت الأبيض تحديدًا- إذ فشل في التوصل إلى اتفاق محدد على الرغم من الكلمات الإيجابية التي صرَّح بها ترامب وكيم خلال المؤتمر الصحفي، وما أعلن عنه كيم بكل وضوح من أنه ما كان ليحضر قمة فيتنام مع ترامب لو لم يكن مستعدًّا لنزع الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية. على الرغم من هذه الإشارات الإيجابية في التعامل بين الطرفين، فإن رفع جميع العقوبات الأمريكية عن كوريا الشمالية كان المأزق.

اقرأ أيضًا: التجربة الكورية مع واشنطن: هل تجبر طهران على الرضوخ أم مواصلة العناد؟

الولايات المتحدة الأمريكية غير مستعدة لرفع العقوبات كاملةً حتى ولو كانت هناك تصرفات ذات طابع إيجابي من جانب بيونج يانج، من بينها ترحيب كيم بفتح مكتب اتصال أمريكي في عاصمة كوريا الشمالية. إلا أن ما صرَّح به وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حول اللقاء، لم يكن إيجابيًّا: “مع الأسف، لم نتوصل إلى شيء يمكن أن يكون ذا معنى للولايات المتحدة، وأعتقد أن كيم جونج أون كان ينتظر منَّا القيام بذلك، ونحن طلبنا منه القيام بأكثر، لكنه غير مستعد لذلك”. وهنا، تطل إيران برأسها كأزمة قديمة ربما وصلت إلى ما يشبه العقدة النفسية عند ترامب لتُفسر لنا فشل لقاء ترامب وكيم.

فبالنظر إلى طبيعة اللقاءات بين المسؤولين الأمريكيين مع نظرائهم من كوريا الشمالية خلال الشهور الماضية، ولقاء ترامب مع كيم في 12 يونيو الماضي بسنغافورة، الذي كان أول لقاء بين رئيس أمريكي وزعيم كوري شمالي، سنجدها لا تخلو من القلق بعد أن تم الاتفاق فيما مضى مع إيران بالفعل، ليلغيه ترامب قبل لقائه كيم بشهر.

جاء الاتفاق النووي بين دول مجلس الأمن مع إيران برعاية ألمانية، وأطلق عليه اتفاق (5+1)، بعد مفاوضات استمرت أكثر من 22 شهرًا، وانتهت بالتوقيع على بنود التفاهمات في لوزان السويسرية في أبريل 2015، لتحصل إيران بمقتضاه على اعتراف رسمي من الدول الكبرى والأمم المتحدة بالبرنامج النووي الإيراني السلمي، مقابل أن تلتزم بتقليل تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.67% خلال 15 سنة، مع عدم إنشائها أي محطات نووية خلال الفترة نفسها، والإبقاء على العقوبات الأمريكية المفروضة على الأسلحة لمدة 5 سنوات، ورفع كل العقوبات الأمريكية والأوروبية ذات الصلة بالبرنامج النووي الإيراني.

هذا الاتفاق رأت فيه الدول الكبرى تقدُّمًا مهمًّا في الملف النووي الإيراني، بينما رأت إيران فيه انتصارًا على قوى الشر الخارجية. وعلى الرغم من اعتراض الدول الإقليمية المجاورة لإيران على هذا الاتفاق، إلا أنه لم يمنع إيران من استغلال قوتها النووية. ولكن ظلت التفاهمات التجارية الكثيرة بين إيران والدول الموقعة على الاتفاق، وكذلك النفط الإيراني، أهم أسباب التوقيع ودخول الدول الأوروبية إلى السوق الاقتصادية الإيرانية، وهو ما لم يستمر طويلًا بعد أن جاء دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في 2017. فعلى الرغم من محاولات قادة دول أوروبا، على رأسها فرنسا، إقناع ترامب بأهمية الاتفاق النووي، إلا أنه أوضح في مايو 2018 أن الانسحاب من الاتفاق يأتي لعدم نجاحه في وقف أنشطة طهران المزعزعة للاستقرار بين دول العالم ومساعيها للحصول على سلاح نووي، وهكذا رأى ترامب ضرورة ردعها عن متابعة برنامجها للصواريخ الباليستية، مؤكدًا ومحذرًا: “عقوباتنا قد تشمل أيضًا دولًا أخرى متواطئة مع إيران”.

وهكذا أصبحت الأزمة الرئيسة للولايات المتحدة وباقي دول المنطقة العربية تتمثل فى عدم وضع اتفاق واضح مع إيران فيما يخص الصواريخ البالستية، إذ إن تهديدها لا يقل خطورة عن الأسلحة النووية. وكان مجلس الأمن قد أصدر قرارًا رقم 1696 في 31 يوليو 2006، أعرب فيه عن قلقه إزاء طموحات البرنامج النووي الإيراني، وطالب المجلس بضرورة إيقاف إيران برنامجها لتخصيب اليورانيوم وإنهاء امتلاكها للصواريخ الباليستية. وزعمت إيران -وقتها- أن هذه الصواريخ هي أسلحة دفاعية لحماية أمنها الإقليمي. وفي الوقت نفسه، بدأت مد أذرعها المسلحة في المنطقة -بما فيها جماعة الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان- بالأسلحة الباليستية، لتشكل هذه الأذرع خطرًا أكبر على المنطقة العربية.

كل هذه التطورات المهمة التي حدثت في السنوات الماضية من الالتفاف الإيراني على قرارات الأمم المتحدة، ومن بعدها الالتفاف على اتفاقها النووي مع الدول الكبرى، كان لها أثرٌ واضحٌ وهامٌّ على لقاء ترامب وكيم جونج؛ إذ لا يرغب الأمريكيون في ترك الأمور دون اتفاقات واضحة وتعهدات صريحة ذات سقف زمني محدد من دول تمتلك أسلحة نووية قد تطورها في أي وقت، لتؤثر في الأمن والاستقرار العالمي وتفسدهما. بمعنى أصح، لا تريد واشنطن أن تربح هذه الدول النووية اتفاقات اقتصادية من إزالة العقوبات، بينما لا تزال الأزمة الرئيسة المتمثلة في الأسلحة النووية عائقًا.

اقرأ أيضًا: تقرير سري للأمم المتحدة: كوريا الشمالية تمد الحوثيين بأسلحة وصواريخ باليستية

في دول الخليج -التي بدأت بتثبيت أقدامها بالفعل على طريق التنمية والاستقرار، وأصبحت بعضها، كالإمارات مثلًا، من أهم دول العالم حاليًا فيما يخص التقدم التكنولوجي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية- تشابهت المواقف مع مواقف دول مثل كوريا الجنوبية واليابان؛ إذ نجدها تتفق على أن الخطر الأعظم يظل هو التهديد الإيراني المستمر لأمن منطقة الخليج وإمداد جماعة الحوثيين بالسلاح والمال، مما أدى إلى عدم استقرار اليمن، لتظل المنطقة في حالة حذر وتحفز دائمين بسبب ما تسعى إليه طهران من نشر ما تريده من فتن وتحالفات غير مشروعة بالمنطقة. 

لا تختلف إدارة كوريا الشمالية عن إيران في تهديد الاستقرار العالمي؛ فالدولتان النوويتان تسعيان خلف مكاسب اقتصادية بعد رفع العقوبات، ولا تقدمان التزامات حقيقية إزاء ما تمتلكان من أسلحة خطيرة، ليصبح مآل أي اتفاق معهما يصل إلى النقطة نفسها التي تتسق تمامًا مع ما صرَّح به المرشد الأعلى لإيران عند الاتفاق النووي، حين قال بأنه لا يوافقها ولا يعارضها… فهي بالنسبة له في النهاية مجرد اتفاقات ورقية دون حل صريح وواضح وحاسم ومحدد على أرض الواقع.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة