الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

في ظل صراع متواصل.. مَن سيمثل الإسلام في فرنسا؟

الحكومة الفرنسية تسعى إلى استحداث هيئة دينية تمثل المسلمين بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية؟

المغرب- حسن الأشرف

قبل أيام قليلة على الإعلان الرسمي للحكومة الفرنسية عن إحداث هيئة جديدة تمثل المسلمين في هذا البلد الأوروبي، تُسمى “منتدى الإسلام الفرنسي”، يسير المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، الذي تأسس سنة 2003، نحو التفكك والحل الذاتي، بعد أن اعتبرته الحكومة فاشلاً في تمثيل المسلمين بفرنسا.

وتطمح فرنسا بإنشاء الهيئة الجديدة إلى النأي عن اتحادات المساجد التي تشكِّل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وتتبع ثلاث دول (المغرب والجزائر وتركيا)، وبالتالي تمثيل المسلمين عن طريق إدارة محلية تكون تحت أعين السلطات الفرنسية.

اقرأ أيضاً: فرنسا تكثِّف جهودها لمكافحة التطرف

المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية

وإذا كان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، الذي يرأسه الدكتور محمد موسوي، ذو الأصول المغربية، يعتمد على “إدارة مستقلة” تتجاذبها ثلاث دول أجنبية بالخصوص، فإن الهيئة المقترحة من طرف الحكومة الفرنسية ترتكز أساساً على عشرات الأئمة والنشطاء المسلمين؛ تختارهم المقاطعات في كل ولاية فرنسية.

ومرَّ المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بعدة مشكلات وتصدعات داخلية أفضت برئيسه المغربي، الذي، وكان من المقرر أن يعوضه الجزائري شمس الدين حافظ، رئيس مسجد باريس، إلى التصريح بأن “المجلس لم يعد قادراً على الاستمرار”.

ووَفق موسوي، فإن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية “لم يعد صالحاً” بتركيبته وأدائه الراهن، ليدعو بالتالي إلى إحداث هيئة بديلة جديدة بالتنسيق مع “منتدى الإسلام بفرنسا” المعلن من طرف الحكومة الفرنسية.

موسوي إلى جانب الرئيس الفرنسي

وكان عمل المجلس، منذ إنشائه سنة 2003، يتوزع بين تدبير المساجد الموجودة في التراب الفرنسي، والإشراف على سوق الأطعمة الحلال، وشؤون رمضان وعيد الأضحى والحج والزكاة والمقابر، وتكوين أئمة المساجد، وتأطير السجناء المسلمين.

ويُعاب على المجلس المذكور أنه كان كثير التعرض للمشكلات والخلافات والمنافسات الداخلية بين اتحادات المسلمين؛ فمن جهة كانت المنافسة بين اتحادَين محسوبَين على المغرب، ومن جهة أخرى المنافسة احتدمت بين التيار المغربي والتيار الجزائري للتحكم في أوصال المجلس.

اقرأ أيضًا: الإسلام السياسي في فرنسا والتوجه نحو الاستثمار في التعليم

ويُعاب على المجلس أيضاً أنه لم يواجه “الخطاب المتطرف” المتكاثر بفرنسا بقوة، ولم تصدر عنه مواقف قوية تناهض تلك الخطابات الدينية المتطرفة.

ويجد البعض الأعذار للمجلس في كون تمثيليته ليست تمثيلية كبيرة؛ إذ لا يمثل إلا زهاء 48 في المئة من المساجد بفرنسا، كما أن ميزانيته المالية لا تتيح له تحقيق أهدافه التي من أجلها تأسست تمثيليات المسلمين بفرنسا.

الصراع على تمثيل الإسلام

منتصر حمادة

ويقول في هذا الصدد منتصر حمادة، مدير مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث: “إن فشل أو تواضع أداء هذه الممثليات أمر قائم منذ عقود مضت وليس منذ اليوم؛ بل ازدادت مؤشرات الفشل مع تضافر عدة عوامل ومستجدات”.

وسجَّل حمادة، في حديث مع “كيوبوست”، أن تفادي هذا الفشل يوجد ضمن أهم أسباب انخراط الدولة الفرنسية في تنظيم هذا الحقل المؤسساتي، بالصيغة التي جرت مثلاً مع إشراف نيكولا ساركوزي، عندما كان وزير الداخلية، وأسفرت عن تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في أواخر مايو 2003.

ومنذ تلك السنة حتى اليوم، يضيف الخبير المغربي، انتقل المجلس من فشل إلى فشل آخر، لاعتبارات عدة؛ منها ما هو خاص بالساحة الفرنسية، أي خاص بأداء ممثلي المسلمين أمام السلطات الإدارية، ومنها ما هو خاص بعوامل خارجية، من قبيل صراع عدة دول مغاربية وعربية في الصراع على تمثيل مسلمي فرنسا.

اقرأ أيضًا: هجمة أخرى على حرية التعبير في فرنسا

ويشرح منتصر أنه مِن قَبل كان الصراع قائماً بين المغرب والجزائر، وبدرجة أقل تركيا، بخصوص تدبير هذه المؤسسات، إلى درجة أن الدولة الفرنسية لجأت إلى خيار التوافقات واستعمال ما يُشبه “الكوتا” (الحصحصة)؛ من أجل إرضاء أغلب الفرقاء.

 لكن الأمر ازداد تعقيداً خلال السنوات الأخيرة؛ خصوصاً مع ارتفاع مؤشر تدخل جهات خارجية من جهة، وارتفاع أسهم الإسلاموية (الإخوانية والسلفية) من جهة ثانية، ومعها ارتفاع أسهم الخطاب السياسي اليميني في فرنسا، بالصيغة التي تلخصها نسبة المرشحين السياسيين من ذوي المرجعية اليمينية للانتخابات الرئاسية للسنة الجارية.

الصراع على تمثيل الإسلام بفرنسا

واستحضر حمادة خطاب “الصراع على الإسلام” (بتعبير رضوان السيد)؛ لفهم ما يجري في الساحة الفرنسية، مشيراً في هذا السياق إلى الصراع على تمثيل الإسلام، في دولة تتميز بنمط خاص ومتشدد نوعاً في التعامل مع المسألة الدينية، بمقتضى قانون 1905.

ومن نتائج هذه الصراعات، يورد منتصر أنها أثرت سلباً على صورة هذه المؤسسات لدى الجالية المسلمة التي لم تعد تأخذ أداءها مأخذ الجد، وتتعامل مع أحوالها حسب ما هو متاح لديها في الساحة، في المدن والجهات والأقاليم، وحسب أداء الجمعيات والمنظمات المحلية، والتي تتنافس في ما بينها هي الأخرى؛ إما لاعتبارات مصلحية وشخصية، وإما لاعتبارات أيديولوجية كما هي الحال مع الجمعيات الإخوانية، وإما لاعتبارات أخرى مرتبطة بالولاءات السياسية والمالية والأيديولوجية للخارج.

اقرأ أيضًا: جدل في فرنسا مع بدء إغلاق مساجد وحل جمعيات متهمة بالتطرف

تعقيدات الوجود الإسلامي بفرنسا

ومن جهته، يعتبر المفكر الشيخ طارق أوبرو، الإمام الفرنسي من أصل مغربي، أن مستقبل الإسلام في فرنسا مفتوح على جميع الاحتمالات؛ سواء في اتجاه الأسوأ أو الأحسن، ذلك أنه مرهون بحاضر الوجود الإسلامي بفرنسا.

طارق أوبرو

ويؤكد أوبرو، وهو إمام مسجد بوردو الكبير، في حديث مع “كيوبوست”، أن هذا الوجود الإسلامي بفرنسا موسوم بالتعقيد وتتجاذبه عدة عوامل؛ منها العامل الديموغرافي الذي أصبح إشكالية في نظر المجتمع الفرنسي، لأن الإنجاب عند المسلمين في تزايد، إضافة إلى الهجرة، فأصبحت تمظهرات الإسلام الدينية والإثنية والثقافية بارزة جداً في المجتمع الفرنسي.

ويسجل أوبرو أن هذه التمظهرات غير مفهومة عند كثير من الفرنسيين؛ مما ينتج عنه تخوف من الإسلام، إضافة إلى الإرهاب الذي ضرب فرنسا بشكل خاص، وجعل الفرنسيين يعتقدون أن كل مسلم هو إرهابي محتمل.

ومن العوامل الأخرى، وَفق المتحدث، طبيعة الخطاب الديني بفرنسا الذي أضحى مستورداً وغير متأقلم وغير متكيف مع الحضارة الغربية والواقع الفرنسي، وصار عبارة عن استيرادات فقهية وقراءات دينية تسهم بطريقة أو أخرى في تهميش المسلمين بفرنسا.

اقرأ أيضًا: الإسلام السياسي في فرنسا والتوجه نحو الاستثمار في التعليم

ويرى أوبرو أن إشكال الخطاب الديني يكمن في أنه لم يجد لنفسه سبيلاً حتى الآن إلى خلق نظرية دينية فقهية تجعل المسلم منسجماً مع دينه ومع قيم الجمهورية الفرنسية.

وأما بخصوص تدريب وتأهيل الأئمة بفرنسا، فيقول إمام مسجد بوردو، إن مؤسسات تأهيل الأئمة لا تحقق المستوى المطلوب؛ فالمواد المُدَرَّسة تقليدية ولا تنسجم مع الواقع الفرنسي في كثير من الاختيارات العقائدية والفقهية والأخلاقية.

الخطاب السياسي بفرنسا

وباقتراب موعد الانتخابات الرئاسية بفرنسا، بدأت تظهر تصريحات ومواقف من بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة التي لا تساعد على تهدئة الأجواء بشأن وجود المسلمين بفرنسا.

طارق أوبرو سجَّل في هذا السياق أن هذه الأحزاب كانت من قبل تعتبر الإسلام السياسي خطراً على قيم الجمهورية، أما الآن فيقول حزب يميني متطرف إن أصل الإسلام لا ينسجم مع قيم الجمهورية، وإنه ينبغي على المسلمين التخلي عن الإسلام، لكي يندمجوا داخل المجتمع الفرنسي.

أزمة المسلمين بفرنسا

“هذا تطور سلبي خطير في الخطاب السياسي بفرنسا”، يورد الإمام الفرنسي ذو الأصل المغربي، إذ انتقلنا من التخوف من الإرهاب والإسلاموية والإسلام السياسي، إلى الخوف من الإسلام نفسه.

واستدرك الشيخ ذاته بأن هناك تفاؤلاً رغم كل هذه الأجواء السلبية؛ لأن قيم الجمهورية الفرنسية تظل قوية جداً استناداً إلى دولة القانون، كما أن أكثر المسلمين يعيشون بسلام في المجتمع الفرنسي، مردفاً أن “هذه الأقليات هي التي تصنع التاريخ والأحداث وتحرك آلة الإعلام”.

اقرأ أيضاً: الإسلاموية والإخوان المسلمون في إطار اجتماعي أوروبي جديد

وسجل أوبرو أن الإسلام الفقهي و”العلمي” ليس في المستوى المطلوب رغم محاولات تطوير وتكييف الخطاب الديني والنظرية الفقهية لتنسجم مع قيم الجمهورية.

وأشار أوبرو إلى أنه من الذين شاركوا في هذه المحاولات، من خلال كتاب ألَّفَه بعنوان (مكانة الإسلام داخل الجمهورية)؛ هو عبارة عن مقاربة للبرهنة على أن الإسلام في جانبه الديني والتعبدي والأخلاقي منسجم تماماً مع قيم الجمهورية.

ويتوقع إمام مسجد بوردو أن الأمر سينتهي بالمسلمين إلى التأقلم ليس فقط مع القانون الفرنسي؛ ولكن مع الحضارة الغربية أيضاً، بينما يجب تخليص الإسلام في الغرب من عقلية الحضارة إلى عقلية الدين، لأن المسلم دينه الإسلام وحضارته في دول الغرب هي الحضارة الغربية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة