الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

في ضوء الصراع مع الأكراد.. العلاقات الأمريكية- التركية إلى أين؟

دخلت العلاقات بين واشنطن وأنقرة نفقاً مظلماً بعد مقتل 13 جندياً تركياً في عملية عسكرية شمال العراق.. وسط تشكيك في الرواية التركية

كيوبوست – مصطفى أبو عمشة

تتجه تركيا إلى التصعيد في علاقاتها مع واشنطن، وذلك بعد مقتل 13 جندياً وضابطاً تركياً، خلال عملية للقوات التركية ضد منطقة “غارا” في إقليم كردستان شمال العراق، ويبدو أن أنقرة لجأت إلى هذا التسخين كورقةٍ جديدة تسعى لاستخدامها ضد واشنطن؛ لوقف دعمها وتأييدها للأكراد في العراق وسوريا، على وجه الخصوص.

وقد سعت أنقرة في هذا المسعى الجديد، عبر وسائل إعلامها، إلى ترويج روايتها التي تفيد أن الأتراك الـ13 الذين قتلوا في شمال العراق قبل عدة أيام، جرى اختطافهم وإعدامهم في كهفٍ من قِبل مسلحين تابعين لحزب العمال الكردستاني، أثناء عملية “مخلب النسر-2” العسكرية التي كانت تنفذها أنقرة ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

 اقرأ أيضاً: كردستان العراق بين القبضة التركية وبلطجة الميليشيات

وقد أدانت واشنطن، في بيانٍ رسمي لها، من الخارجية الأمريكية، الحادثة وقدمت التعازي في الأتراك الذين قتلوا في شمال العراق،  وأكدت أن إرهابيي حزب العمال الكردستاني يتحملون المسؤولية.

جنود أتراك في شمال العراق- أرشيف

الأمر الذي جعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يظهر حنقه وغضبه، مشدداً على أن بيان واشنطن يظهر أنها تدعم حزب العمال الكردستاني، ووحدات حماية الشعب الكردية السورية، التي تعتبرها أنقرة فرعاً للحزب المحظور، وأضاف “تصريحات الولايات المتحدة مؤسفة. تقولون إنكم لا تدعمون الإرهابيين؛ لكنكم بالواقع تقفون إلى جانبهم”.

شكوك في الرواية التركية

وبطبيعة الحال، فإن الرواية التركية يُثار عليها الكثير من الشكوك والالتباس؛ فالكثير من المراقبين شككوا في الرواية الرسمية لأنقرة حول مقتل الأتراك الثلاثة عشر، نافين أن يكونوا مدنيين كما تدعي أنقرة، فهم “عسكريون وضابط في الاستخبارات التركية”، وجرى التخلص منهم، حسب روايات أخرى مقربة من الأكراد ومن حزب “الشعوب الديمقراطي” الكردي.

وفي هذا السياق، يؤكد المتحدث الرسمي السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي نواف خليل، في حديثٍ خاص إلى “كيوبوست”، أن الأتراك الثلاثة عشر الذين قتلوا هم مسؤولون في الاستخبارات التركية،  من الذين حاولوا اختطاف وإلقاء القبض على جميل بايق، أحد المؤسسين الخمسة لحزب العمال الكردستاني، وأحد أبرز قادة الحزب.

اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة نحو فرض عقوبات على تركيا

إضافة إلى أن تركيا لم تكن تعترف بأن هناك أسرى على الرغم من أنهم كانوا أسرى من عدة سنوات، ألقي القبض عليهم أثناء مهمة لهم لإلقاء القبض على جميل بايق، والبقية جنود في الجيش التركي، كانوا يقومون بحملات تمشيطٍ عسكرية في مواجهة حزب العمال الكردستاني.

نواف خليل

ويوضح خليل أن تصرف أنقرة ومنهجيتها في التعامل مع جنودها الأسرى قد تكرر أكثر من مرة؛ فقبل ذلك تم اعتقال جنود في الجيش التركي في الحملة العسكرية التي كانت في منطقة ترمال، وتمنى حينها بعض المسؤولين الأتراك أن يقتلوا وبعد أن تم الإفراج عنهم إثر مساعي برلمانيين أكراد ومنظمات حقوقية تمت محاكمة الجنود الأتراك، مشدداً على أن تركيا لا تعير اهتماماً لمصير جنودها إذا ما وقعوا بالأسر من أية جهة كانت، والحادثة الأخيرة كانت أكبر دليل.

وينفي نواف خليل المزاعم التركية التي تتهم حزب العمال من أنه وراء مقتل العسكريين الأتراك، متسائلاً في الوقت نفسه: “حافظ حزب العمال لسنواتٍ طويلة على حياة هؤلاء العسكريين؛ فلو كان الحزب يريد التخلص منهم بعد فترة قصيرة من احتجازهم لفعل؛ خصوصاً أن القصف على معاقل ومعسكرات الحزب من الجيش التركي يظل مستمراً ولا يتوقف في ظلِّ مصاعب كبيرة لحماية مثل هؤلاء الأسرى في البيئة الجبلية الوعرة التي يعمل ويتحرك بها مقاتلو حزب العمال.

اقرأ أيضاً: سياسات تركيا الخارجية العدوانية يمكن أن تصل قريباً إلى طريق مسدود

وفي سياقٍ متصل، ترى مديرة مكتب العلاقات العامة للإعلام الحر في شمال وشرق سوريا؛ رولا داود، في حديثٍ خاص إلى “كيوبوست”، أن القوات التركية هي التي قامت بقصف وقتل جنودها وعناصرها الـ13 التابعين لها عن طريق الخطأ، والذين كانوا عسكريين أتراكاً وليسوا مدنيين، كما تزعم أنقرة، وهناك العديد من الاتهامات التي يسوقها العديد من الأطراف؛ ومن بينهم تركيا، بأن الإدارة الذاتية تتبع لحزب العمال الكردستاني، مشددةً على أن هذا الكلام عارٍ عن الصحة، وكل ما هنالك أن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تتخذ من فكر عبدالله أوجلان، مفتاحاً للحل في الشرق الأوسط، عبر تقوية أواصر العلاقات بين الشعوب في المنطقة، وتجاوز الخلافات الطائفية والتركيز على تنمية الوعي الجماهيري نحو الديمقراطية والسلام، معتبرة أن هذه الأفكار بكل تأكيد ليست إرهابية؛ بل هي حل مثالي لكل قضايا المنطقة، والتي دمرتها العصبية القومية الضيقة، معتبرةً أن تنمية الفكر الإنساني، وترسيخ مبدأ المواطنة وتنمية الانتماء الوطني هو أساس توحد المجتمعات التي تلاعبت بها السياسات السابقة، وجعلت من تناقضاتها درعاً يحمي مثل هذه السياسات.

جنود أتراك في سوريا – وكالات

ومن هنا فإن داود ترى أن تركيا تعاني أزمة ثقة، وهذا الخوف هو نتيجة لعقلية أنقرة التي تعيش في الماضي، ولا تتقبل المرحلة الجديدة من الانتقال الفكري للشعوب نحو الانفتاح على الديمقراطية الحقيقية والحريات.

تركيا في حالة إرباك رسمي

وفي معرض العلاقات التركية- الأمريكية، وتأثيرات حادثة مقتل الجنود الأتراك على مسار العلاقات بين الطرفين، يوضح المتحدث الرسمي السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي نواف خليل، في حديثٍ خاص إلى “كيوبوست”، أن الرئيس الأمريكي جو بايدن، حتى هذه اللحظة، لم يتصل بالرئيس التركي أردوغان، وهذا يُعد مثار غضب وإحباط لدى المسؤولين الأتراك، وحينما تحدث مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان، مع  المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، لم تكن النتائج مرضية لتركيا، والبيان الذي أصدرته الخارجية الأمريكية بخصوص حادثة مقتل الأتراك في شمال العراق، أغضب الأتراك ولم يحظَ برضا الحكومة التركية.

اقرأ أيضاً: هل تدفع حكومة أنقرة ثمن سياستها الخارجية داخل الشارع التركي؟

يرى خليل أن أنقرة تعتقد أن خير وسيلة للدفاع هو الهجوم، وذلك في محاولة لإرسال رسائل إلى واشنطن بضرورة أن لا تتكرر مثل هذه المواقف ضدها. فعلى الرغم من أن العلاقات الأمريكية- التركية قائمة على التحالف؛ فإن أنقرة تمارس التصعيد ضد واشنطن وتحاول التقليل من حجم الهزيمة “المذلة” التي ألحقت بقوات النخبة التركية في شمال العراق، حيث كانت ضربة لأردوغان بعد إعلانه أن هناك بشرى ستنتظر الأتراك؛ لكنه مني بخيبة أمل وكانت كارثة عليه، وقد لجأ بعدها أردوغان إلى الخطاب “الشعبوي” ضد واشنطن يهدد ويتوعد؛ في محاولة للمحافظة على الكتلة الصلبة له في القرى والأرياف، وبين أوساط القوميين والإسلاميين في تركيا.

التوجهات التركية محل تساؤلات واشنطن والدول الغربية

رولا داود

العلاقات التركية- الأمريكية ومستقبلها، بعد أزمة العسكريين الأتراك، تعد شائكة بين الطرفين، وربما تأخذ شكل الشد والجذب من الحين للآخر، وبهذا الصدد ترى مديرة مكتب العلاقات العامة للإعلام الحر في شمال وشرق سوريا؛ رولا داود، أن تركيا كونها عضواً مؤسساً في حلف الناتو، وأنها دولة مهمة من الناحية الجيو-سياسية، ستدفع وتجبر واشنطن إلى التعاطي مع أنقرة، مشيرةً إلى أن لديها مصالح متبادلة مع تركيا لا يمكن أن تتجاهلها.

ولكن توجهات السياسة التركية باتت محل تساؤلات؛ ليس فقط من قِبل واشنطن، بل من قِبل العديد من الدول الغربية، وهنا ترى داود أن الوضع الداخلي التركي لم يعد يسير على ما يرام، وإن استمرار الوضع على ما هو عليه ينذر بانفجار الوضع الداخلي في تركيا، ومن هنا فإنه يتحتم على أنقرة انتهاج سياسة الانفتاح والتوجه نحو الحلول التي تضمن استقرار تركيا، والمنطقة بشكل عام.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة