الواجهة الرئيسيةترجمات

في سنجار.. يبدو التعايش بين الإيزيديين والعرب مستحيلًا

ترجمات – كيوبوست

في أقصى الشمال الغربي من العراق على الحدود مع سوريا، يمكن مشاهدة مئات الخيام المصنوعة من القماش المشمع الأبيض؛ حيث يعيش عديد من النازحين الإيزيديين. في هذا المكان وجدت 2300 عائلة إيزيدية ملجأً مؤقتًا على هذه السلسلة الجبلية التي تفصل منطقتَي سنجار وشيخان، وهما المنطقتان اللتان تضمان الأغلبية العظمى من هذه الأقلية التي كانت قبل عدة أعوام ضحية بطش عناصر تنظيم الدولة الإسلامية.

ففي أعقاب الهجوم الذي شنه المتطرفون على سنجار في 3 أغسطس 2014، وانسحاب قوات الأمن الكردية من هناك، تم سبي النساء الإيزيديات وتحويلهن إلى العبودية الجنسية، كما تم اختطاف أطفالهن لتحويلهم إلى مقاتلين؛ مما دفع بالآلاف من السكان، معظمهم من الإيزيديين، إلى النزوح عن تلك المنطقة بعد أن شاهدوا ذبح مئات العائلات.. اليوم وبعد تحرير سنجار ينتظر اللاجئون الإيزيديون العودة إلى أراضيهم.

النازحون الإيزيديون

خمسة أعوام مَضَت

مرَّت خمسة أعوام منذ أن استقر خيرو كيتشو، وهو راعٍ إيزيدي، يبلغ من العمر 32 عامًا، من قرية الوردية، مع زوجته وطفلَيه في خيمة صغيرة تحتوي على بعض المراتب وتليفزيون صغير؛ حيث يعيش إخوته الأربعة وعائلاتهم في خيام مشابهة.

اقرأ أيضًا: مقابلة خاصة: كاتب إيزيدي يروي تفاصيل جرائم داعش بحق الإيزيديات

بين وظائف بسيطة توفرها لهم منظمة إنسانية دولية والعمل في متجر للبقالة على جانب الطريق، تكافح عائلة كيتشو من أجل تلبية احتياجاتها؛ لكنْ هذا الرجل طويل الأطراف ذو العينَين الزرقاوَين الكبيرتَين لا يبدو مستعدًّا للعودة إلى قريته، ويقول: “نحو عشرين عائلة من الرعاة فقط تحملت مسؤولية العودة رغم المخاطر، لم يتم تطهير القرية بعد، ومنزلنا ليس به نوافذ ولا كهرباء، ولا أحد يساعدنا على إعادة البناء”.

عاد ثُلث سكان سنجار البالغ عددهم 400000 نسمة، أو 19000 أُسرة، معظمهم من الإيزيديين؛ بفضل مساعدة نحو عشرين منظمة دولية غير حكومية، كما تمت استعادة الكهرباء، وكذلك المياه في نصف الأحياء تقريبًا.

مخيمات اللاجئين

مدينة أشباح

بعد أكثر من عامَين على رحيل الجهاديين الذين دمروا أكثر من 70٪ منها، ما زالت سنجار تبدو كمدينة أشباح. وحسب فهد عمر، رئيس بلدية سنجار، فإن “خمسة أحياء و20 قرية لم يتم تطهيرها بعد، لا يزال هناك كثير من المقابر الجماعية؛ تم تحديد نحو ثمانين مقبرة”.

ويضيف عمر: “قامت منظمة الأمم المتحدة بإصلاح 500 منزل مدمرة، وتم تأهيل 60٪ من شبكة المياه في المدينة.. هناك مدرسة واحدة، وفيها مدير، فضلًا عن معلم واحد فقط لـنحو 1800 طالب. من ناحية أخرى، لا توجد إدارة حكومية تصدر بطاقات هوية أو سندات ملكية؛ عليك أن تذهب إلى المكاتب الموجودة في مكان آخر، في محافظة نينوي مثلًا”.

بالإضافة إلى نقص الخدمات الإدارية، فإن فقر الخدمات الصحية لا يشجع كثيرًا من الناس على العودة؛ فمثلًا لا يوجد في قسم الطوارئ في مستشفى سنجار الواقع في حي الشهداء، قسم للطوارئ أو أدوات جراحية.

اقرأ أيضًا: كيف أعاد “داعش” العبودية؟

يتولَّى اختصاصيوها الأربعة الإصابات والأمراض البسيطة ويرسلون أخطر الحالات إلى تلعفر التي تبعد نصف الساعة. يقول محمد وهو ممرض يبلغ من العمر 44 عامًا، ويعيش في دهوك: “مثل كل العاملين هنا، أقيم أسبوعًا واحدًا فقط كل شهرَين؛ فالوضع غير مستقر بما فيه الكفاية للبقاء هنا، كما أن الجماعات المسلحة موجودة في كل مكان”.

على الرغم من السلامة النسبية في بعض المناطق؛ فإن الموظفين المؤهلين نادرون، كما يقول أحد عمال الإغاثة: “يوجد أطباء إيزيديون؛ لكن معظمهم من المبتدئين، الأطباء المتخصصون يأتون من الموصل أو من دهوك، فبالنسبة إليهم سنجار لا تزال غير آمنة بعد المجازر التي وقعت في عام 2014”.

تعايش مستحيل

إعادة الإعمار ليست سوى جزء بسيط من المشكلة؛ لقد تركت المجازر التي ارتكبها “داعش” جراحًا لا يمكن أن تُمحى آثارها بسهولة.

لقد عادت 1000 أسرة عربية فقط إلى منطقة سنجار، وما زالت مشاعر الخوف والكراهية تعتري الإيزيديين تجاه العرب، كما يقول خيرو كيتشو: “عندما أرى العرب على مسافة منِّي، أبدأ في كره المكان.. نحن لا نثق فيهم، لقد كانوا جميعًا مع (داعش)”. يروي كيتشو كيف أنه قد تم اختطاف أربعة عشر فردًا من أسرته، بمَن فيهم أخته وخمسة من أطفالها؛ ثلاثة فقط عاودوا الظهور.

يشمل تعطُّش كيتشو إلى الانتقام جميع جيرانه العرب السابقين من قبيلة سُنية معروفة، تمتد قراها على بعد نحو 40 كم جنوب قريته الوردية. ويضيف كيتشو: “إذا قابلناهم فإننا سنقتلهم؛ إما نحن وإما هم، لكن عددهم مع الأسف أكبر منا؛ لذا إذا هاجمناهم فسوف يعودون بأعداد كبيرة ولن يكون هناك أحد لحمايتنا”.

اقرأ أيضًا: ما بعد الخلافة: تنظيم الدولة الإسلامية ومستقبل الشتات الإرهابي

إن التعايش بين السكان الإيزيديين والعرب في سنجار يبدو مستحيلًا؛ فعلى بعد مئتي كيلومتر إلى الشرق، وفي مخيم على حافة إقليم كردستان العراق، تعيش الأُسر العربية السُّنية من سنجار في منفاها القسري، وفي إحدى تلك الخيم تقيم إيمان مع زوجها وأطفالها، وهو سائق سيارة أجرة بين الموصل وأربيل، ما زالت إيمان تنعي ثمانية من أفراد عائلتها؛ تم القبض عليهم في يونيو 2017 في أثناء محاولتهم العودة إلى قيروان في منطقة سنجار الجنوبية الشرقية، كما تقول: “اختطفت ميليشيا إيزيدية 52 شخصًا؛ بمَن فيهم أقاربي وقتلتهم.. الإيزيديون الذين فقدوا أطفالًا بسبب (داعش) لا يقبلون بعودتنا؛ إنهم يعتدون بالضرب على كل مسلم يقترب منهم”.

ينتمي جميع المدنيين الـ52 الذين تم إعدامهم إلى عشيرة سُنية؛ يتهمها الإيزيديون بموالاة تنظيم داعش؛ وهي ادعاءات يدحضها الناطق باسم العشيرة، الشيخ أبو درعا، 68 عامًا، الذي يتزعم فرقة قبلية مقاتلة خاصة به، تدعمها قيادة عمليات نينوي، ويقول: “إن الأجانب من تنظيم الدولة الإسلامية هم الذين اختطفوا النساء، نحن اختطفنا أربعة إيزيديين فقط، وأُطلق سراحهم بعد تحرير سنجار”، مضيفًا بلهجة حادة: “لم يكن لدينا حتى أسلحة لحماية أُسرنا، كيف يمكننا حماية زوجاتهم؟!”.

اقرأ أيضًا: صحافة دولية: لماذا يدعم النظام الإيراني تنظيم داعش سرًا؟

ويؤكد الشيخ أبو درعا أن 380 فقط من أصل 45000 من أفراد قبيلته قد انضموا إلى “داعش”؛ معظمهم من المراهقين، كانوا يسعون للمال والقوة: “قُتل معظمهم، وذهب آخرون إلى سوريا أو تركيا، لقد قدمنا ​​أسماءهم إلى السلطات؛ للقبض عليهم”.

ويضيف أبو درعا بروح تدعو إلى الانتقام: “حقولنا ومزارعنا أُحرقت من قِبَل ميليشيا الإيزيديين، الآن يحاولون الضغط علينا للرحيل؛ حتى تصبح سنجار منطقة كردية. نحن مستعدون لقتالهم؛ لكننا لا نعارض وساطة حكومية للمصالحة.. في النهاية الجميع يرغب في العيش بسلام”.

المصدر: لوموند

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة