الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

في رثاء الدكتور محمد شحرور.. وَقْفَةٌ مع فِكْرِه وتنقيبٌ في أدواته

كيوبوست 

أحمد المطرودي

القرآنُ الكريم -كما يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه “مفهوم النص”- نصٌّ لغوي محوري في الثقافة العربية، وهو ما يمكن معه وصف الحضارة العربية بأنها حضارة النص؛ فقد قامت أسس الحضارة العربية وقامت علومها وثقافتها على أساس يشكِّل فيه النصُّ مركزَ ثقلٍ، وهذا لا يلغي جدل الإنسان العربي مع الواقع من جهة، وحواره مع النص من جهة أخرى، وهذا ما تشكَّلت عليه وفيه الحضارة العربية… وإذا كانت هذه الحضارة تتركز على النص فإنّ تأويل النص -وهو الوجه الآخر للنص- يمثِّل آلية مهمة من آليات هذه الثقافة، وهذه الحضارة، في إنتاج المعرفة؛ فالنص حين يكون محورًا لحضارة ما أو ثقافة ما فلابدّ أن تتعدَّد تفسيراته وتأويلاته؛ بحسب طبيعة العلم والفكر والنظر التي ننطلق منها في التعامل مع النص…

كما يضيف أبوز يد في كتابه (مفهوم النص) أنّ الثقافة العربية -في ظل إعطائها هذه القيمة للنص القرآني- قد قامت على مفهوم -ولو كان ضمنيًّا- لماهية النص، وطرق تأويله. وقد حظي جانب التأويل بدراسات ركّزت على العلوم الدينية، وتجاهلت ما سواها؛ فلم يحظ مفهوم النص بدراسات تحاول استكشاف هذا المفهوم في تراثنا؛ انطلاقًا من كون مفهوم النص بحثًا عن بُعْدٍ مفقود في تراثنا، وهو بُعْدٌ -حال القبض عليه والوعي به- يساعدنا في صياغة وعي علمي بهذا التراث…

اقرأ أيضًا: ما الذي يجعل محمد شحرور مختلفًا وبغيضًا أيضًا؟

وقد تناول النصَّ القرآني دارسون معاصرون جادّون في محاولة جادّة للبحث عن ذلك البعد المفقود؛ كان منهم الراحل قريبًا الدكتور محمد شحرور، الذي لخَّص أدواته في تلك المباحث في فصل من فصول كتابه (تجفيف منابع الإرهاب)، فذكر أنه اعتمد على اللسانيات الحديثة، والأرضية المعرفية المعاصرة، ورأى أن ذلك كفيل بتقديم فكر جديد مؤسَّسٍ على منهج معرفي معاصر، يخترق كثيرًا ما يطلَق عليها الثوابت في المنظومة التراثية، خصوصًا الفقه وأصوله التي -بحسب تعبيره- وضعها أناسٌ عاشوا في القرون الهجرية الأولى، ولا ينبغي لها أن تحمل أيَّة قدسية؛ باعتبار الزمن المعاصر تجاوزها زمانيًّا ومعرفيًّا، وهو ما يحتّم تدشين أدوات فكر معاصرة، تتعامل مع النص، وتسهم في فهم الحاضر وتطويره؛ فلا يمكن أن نحصل على نتائج جديدة في ظل تكرار الأدوات القديمة التراثية نفسها في التعامل مع النص القرآني…

غلاف كتاب “تجفيف منابع الإرهاب” للدكتور محمد شحرور

ويرى الدكتور محمد شحرور في كتابه (تجفيف منابع الإرهاب) أن أطروحات التجديد الموجودة في الساحة الفكرية العربية تعيد إنتاج ما أنتجه السلف، وتكرِّر ما قالوه؛ لأنها لم تخترق الأصول… وينطلق شحرور من حقيقة تأريخية يراها مهمة وتتمثل في أن التاريخ الإنساني، وَفق ما ورد في القرآن الكريم، يقسَّم مرحلتَين: مرحلة أولى، وهي مرحلة الرسالات، وانتهت برسالة محمد -عليه الصلاة والسلام- التي نسخت الرسالات السابقة، ومرحلة أخرى؛ وهي مرحلة يسعى شحرور من خلال إقرارها وذكرها لتوسيع دائرة عمل العقل؛ وهي: مرحلة ما بعد الرسالات، وفيها يبدأ النسخ الإنساني مقابل النسخ الإلهي. ويرى شحرور أن النسخ الإنساني صار ضرورة بعد أن توقف النسخ الإلهي بخاتم الديانات (الإسلام)، كما يرى أن الرسول محمد -صلّى الله عليه وسلّم- قد مارس الصورتَين معًا؛ إذ بَلَّغَ عن ربه ما أُوحي إليه، كما شرّع لمجتمعه في تفصيل المحكم، وتنظيم المباح، ولم يشرح من رسالته سوى الشعائر الدينية، وترك القانون المدني الإنساني. ويرى شحرور في ذلك إرادة وتوجيهًا لتغيير ذلك القانون المدني الإنساني القابل للتغيير باختلاف الزمان والمكان، وهو ما يتماشى مع كون الإنسانية اليوم لا تحتاج إلى أية رسالة أو نبوّة بعد أن صارت قادرة على اكتشاف الوجود بنفسها، وبعد أن أصبحت قادرة على التشريع لنفسها؛ دون رسالات، ودون توجيهٍ ربّاني مباشر؛ إذ يكفي الإنسانية ما تقدَّم من رسالات أسهمت في وصول الإنسانية رشدَها، وقدرتها على إدارة شؤونها، ومن علامات ذلك النضج التي يراها شحرور ما يتمثل في كون المستوى الإنساني والأخلاقي في تعامل الناس والأمم بعضهم مع بعض الآن أفضل بكثير من ذي قبل…

غلاف “الكتاب والقرآن” للدكتور محمد شحرور

وبناء على تدشين المرحلة الثانية مرحلة التشريعات الإنسانية، فإن التشريعات الإنسانية ينسخ بعضها بعضًا؛ مراعاةً لتطور المجتمعات، واختلاف البيئات، وهذا يتماشى مع الخطاب الإلهي الذي استوعب كل المستويات الإنسانية؛ إذ استوعب مستوى الأولين الذين قرؤوه بمستوى معارفهم، واستوعب مستوى المعاصرين الذين يقرؤونه بمعارف مختلفة، ويبقى متاحًا لاستيعاب أجيال تأتي بعدنا، ويجب عليها أن تقرأ النص القرآني بمستوى معارفها، وهذا تصور يراه شحرور لازمًا لصلاحية الرسالة المحمدية، وضروريًّا لامتداد بقائها، وصلاحيتها في الأزمان والأمكنة.

الموقع الرسمي للدكتور محمد شحرور

وقد قادت تلك الأدواتُ المنهجية شحرورًا للتصريح بآراء صادمت السائد، وأحدثت دويًّا بين مؤيد ومعارض، ومن تلك الآراء التفريق بين المحرَّم وما يقتضيه النهي؛ فالمحرمات حُصِرت في القرآن بأربعة عشر محرمًا، لا يجوز تقليصها، كما لا تجوز الزيادة عليها. وهذا سعي من شحرور لإخراج بقية المحرمات والممنوعات وجعلها من صلاحيات الهيئات التشريعية؛ باعتبار النهي للزمان والمكان؛ بينما التحريم شمولي أبدي، لا يقبل النسخ ولا التغيير؛ خلافًا لما يُفهَم من تلك النواهي. ويدخل شحرورٌ أوامرَ الرسول -عليه الصلاة والسلام- ونواهيه في تلك الظرفية، ويعتبرها اجتهادات في تفصيل المحكم، وبالتالي تكون تلك الأوامر والنواهي التي صدرت منه -عليه الصلاة والسلام- داخلة في دائرة الاجتهادات الإنسانية، وليست وحيًا؛ بل بمنزلة القانون المدني الذي وضعه لمجتمعه بصفته إنسانًا قائدًا أعلى للمجتمع، وطاعته –هنا- منفصلة واجبة على مَن عاصره من أفراد مجتمعه فقط…

الدكتور محمد شحرور

في أثناء البحث والقراءة لإعداد هذا البحث وضرب أمثلة من فكر شحرور استوقفني كثير من القضايا؛ منها اللباس والحجاب، الذي تتبع شحرورٌ آياتِه، مقارنًا بينها، مستعينًا بمعاجم اللغة في بيان فروق دقيقة بين بعض المفردات، مستعرضًا مفهوم الحجاب والثقافة التي تحيط به في مجمل الديانات والأمم التي سبقت الإسلام. ومن تلك القضايا التي استوقفتني، ورأيت فيها ما يستحق التوقف عنده، ومعه: قضية الإرهاب الذي جاء -بمفهوم شحرور- بسبب نزع آيات معينة من سياق حربي كان يحيط بالإسلام والمسلمين وقت نزول تلك الآيات، كما في سورة براءة، وتغليبه على آيات كثيرة عامة سمحت للمسلم بإقامة علاقات إنسانية مع من لا يحاربه؛ بل أمرته بهذا.

وتبقى الأمثلة في ذلك كثيرة إلا أن المساحة المتاحة لا تسمح بمزيد منها، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، وربما أعود للوقوف مع أفكار وجزئيات مثيرة في مقالات أخرى، ويبقى التجديد الذي اصطحبه شحرورٌ محفوفًا بكثير من المخاطر، كما هي عادة التجديد والمجددين، وهكذا يكون مَن يشتغل على أدوات جديدة؛ فقد يصيب إصابات جميلة لافتة متجاوزة، وقد يعثر فيسقط سقوطًا موجعًا فاحشًا!

مختص باللغويات التطبيقية وعلم اللغة الحاسوبي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

         

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

أحمد المطرودي

مختص باللغويات التطبيقية وعلم اللغة الحاسوبي

مقالات ذات صلة