في ذكرى حسن الكلاوي.. الفنان المغربي الذي شجعه وينستون تشرشل على الرسم - كيو بوست
الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

في ذكرى حسن الكلاوي.. الفنان المغربي الذي شجعه وينستون تشرشل على الرسم

كيوبوست – ترجمات

ثريا الكلاوي، ابنة الفنان الحداثي حسن الكلاوي، تشارك ميرنا عياد ذكريات والدها. وهذا المقال من سلسلة “تذكر الفنان” مبني على مقابلتهما.

منذ أكثر من عشر سنوات، كنت أعمل في شركة “سيسكو سيستمز” وسافرت كثيراً إلى إفريقيا. وبإلهامٍ من والدي وافتتاني بالقارة السمراء قُمت باستكشاف المشهد الفني في العديد من المدن الإفريقية في أوقات فراغي. كيف يمكن لهذا الفن أن يبقى مجهولاً خارج حدود القارة؟ لماذا لا يمكنني أن أجد أي اسم إفريقي في المعارض الأوروبية؟ كيف يمكن أن توجد هذه الفجوة الكبيرة في المعلومات عن الفنانين الأفارقة؟

أدركت مدى أهمية شهرة والدي في أوروبا بالنسبة إلى مهنته؛ لقد صنع لنفسه اسماً في باريس ثم عاد إلى المغرب.

اقرأ أيضاً: الانطباعية في الرسم.. التحرر من الكلاسيكية وتوثيق أثر الضوء على المشهد

بدأت تتبلور في ذهني فكرة فعل شيء ما للفنانين الأفارقة الذين لم يكونوا جزءاً من الحوار العالمي. استقلت من عملي عام 2011، ومع أنني كنت أفكر في افتتاح معرض فني يكون صوتاً لفناني إفريقيا، فإن الكثير من عدم اليقين خيَّم على حياتي. شاركت في تنظيم معرض بعنوان: “اجتماعات في مراكش: رسومات حسن الكلاوي ووينستون تشرشل”، الذي افتتح في متحف لايتون هاوس في لندن في يناير 2012. وفي ذلك الوقت، كان والدي قد أُصيب بالخرف، ولم أكن أعرف إذا كنت أستطيع، أو يجب، أن أشاركه شكوكي. قال لي فجأة: “لا يبدو عليكِ الارتياح، أعرف أنكِ منظمة، وهنالك الكثير من الفوضى في رأسك؛ ولكن تقبَّلي الأمر وسوف تكونين على ما يُرام. من الطبيعي أن يكون لديكِ هذا الشعور، فأنتِ تفعلين شيئاً لم يفعله أحد من قبل”.

ثريا الكلاوي مع والدها حسن في معرض “اجتماعات في مراكش: رسومات حسن الكلاوي وونستون تشرشل”

كان كلامه مؤثراً جداً، ولو أنني عرفت أن هذه ستكون نصيحته الأخيرة لي لكنت سجلتها بصوته. شعرت بالارتياح، وألهمني الضجيج الذي ثار حول المعرض وشجعني. وفي عام 2013، أطلقت أول معرض للفن الإفريقي في لندن.

اقرأ أيضاً: أكثر عشر نقاط خلافية في مسيرة ونستون تشرشل المهنية

كانت الرواية المتداولة في عائلتنا أن والدي تعلَّم الرسم بسبب تشرشل، الذي زار مراكش عام 1943، والتقى جدي تهامي الكلاوي المحارب من قبائل جبال الأطلس وآخر باشا في مراكش، ونشأت صداقة قوية بين الرجلَين. كان والدي يرسم؛ ولكن جدي لم يكن يوافق على ذلك، فقد كان عاراً عند قبيلة الكلاوة البربرية المعروفة منذ 300 عام، أن يختار وريثه حسن الرسم ويفضله على حقه الموروث في الزعامة؛ ولكن تشرشل رأى موهبة في أعمال والدي وشجَّع جدي على إرساله إلى فرنسا كي يدرس الفن بجدية. وهكذا التحق والدي في مطلع الخمسينيات بكلية الفنون الجميلة في باريس؛ حيث تدرب على يدي الفنانة الفرنسية الطليعية إميلي شارمي، التي تزين لوحاتها جدران منزلنا في الرباط.

حسن الكلاوي في أول مرسم له في مطلع الأربعينيات- ثريا الكلاوي

كانت العديد من لوحات والدي في معرض اجتماعات في مراكش تحمل رسومات لخيول، سألته عن سبب إعجابه الشديد بهذا المخلوق؛ فقال إنه في مطلع شبابه تلقى مالاً من والده، واشترى حصاناً أحبه إلى درجة أنه أهمل دراسته. وعندما أثارت المدرسة المسألة مع جدي، أخذ الحصان وأعطاه إلى قبيلة أخرى تمارس نوعاً من الفنون القتالية في المناسبات الثقافية في المغرب؛ ولكن هذا لم يمنع والدي من الذهاب لرؤية أداء حصانه، وظهر الحصان كثيراً في رسوماته عندما كان في فرنسا كردّ فعل على حنينه العميق إلى وطنه.

كان للرسم أثر مهدئ على والدي؛ فهو لم يتكلم قط عن اللحظات الصعبة في حياته، مثل مصادرة ثروة العائلة بعد وفاة والده عام 1956 بعد استقلال المغرب، أو عند اختطاف والدي وإخوته عام 1957 لمدة عامين تقريباً. لقد أثَّرت عليه هذه التجارب دون شك؛ ولكنه كثيراً ما كان يقول إن شغفه بالرسم قد ساعد في التئام بعض جراحه.

“اسكتش” لوحة لحسن الكلاوي من السبعينيات- من المجموعة الخاصة للفنان

كان هادئاً جداً ومتماسكاً، أذكر أنه كان يتناول إفطاره على شرفة منزلنا في الرباط في مكان مختلف كل يوم؛ حتى يتأمل الأزهار وأشجار الرمان والبرتقال والليمون والأفوكادو التي زرعها بنفسه. كان يحركه الجمال، حتى الطعام ينبغي أن يبدو جميلاً أيضاً. لم يكن لدينا أب يستيقظ صباحاً ويذهب إلى عمله، وكان مضحكاً أن نشرح للناس تركيبة عائلتنا. وعلى الرغم من أنه عمل في حاشية الملك؛ فإنه كان أولاً وقبل كل شيء فناناً، وهذا يعني من بين أشياء أخرى أنه كان علينا حضور معارضه ومعارض أخرى.

كنا أربع بنات في المنزل، وجعلنا منه مكاناً صاخباً وممتعاً. كان مرسم أبينا في قلب منزلنا؛ حيث كنت أحب الاختباء بين حوامل اللوحات. رسم والدي لوحات شخصية لأفراد عائلته فقط، وكان يطلب منا الوقوف أمامه فقط إذا كنا نرتدي ثياباً أنيقة. كان ذلك أمراً فظيعاً بالنسبة إلى الأطفال. كنا نجلس أمامه لثلاثين دقيقة لتظهر على اللوحة خطوط قليلة. كان يبدو وكأنه يحدق؛ ولكنه لم يكن يفعل، وأحياناً كان يغمض إحدى عينيه؛ شعرت وكأنه منفصل عن الواقع، أو ربما مصاب بمسّ.. كان يمكنه أن يمكث في تلك اللحظة ساعات وكأنه في حالة تأمل.

مايا وثريا (1980) بريشة حسن الكلاوي- من مجموعة الفنان الخاصة

كنت أعلم أنه لم يكن لديَّ الكثير من الوقت مع والدي؛ خصوصاً أنني كنت الابنة الأصغر. كان أهل أصدقائي في الثلاثينات من أعمارهم، بينما كان والدي في الخمسينات، وكان يكبر والدتي بعشرين عاماً. كانت تراودني كوابيس أنه سيموت؛ لأنه كان الأكبر سناً.

كان من النوع الذي لا يستطيع مقاومة رسم شيء رآه على منديل ورقي أو على غطاء طاولة، أينما كان وفي أي وقت كان. كان محزناً أن أرى هذه العفوية تغادره. كان يعود إلى لوحاته القديمة ليرسم خطاً هنا أو ضربة فرشاة هناك؛ ولكنه في النهاية كان يقول إنه قد أنتج ما فيه الكفاية، وعندما رأيته يتباطأ بدأت بأرشفة عمله.

اقرأ أيضًا: هل من حقنا أن نضع توقيعاتنا على أعمالنا الفنية؟

أعمل مع اثنين من أبناء أخواتي على دليل الكتالوج المصور الخاص بأعماله، وذلك ضمن جزء من التزامنا بإرثه. نريد لأعماله أن تكون مرئية أكثر في الشرق الأوسط. كتب كثيراً في أواخر حياته -بخط رديء- وأحد مشروعاتي هو أن أحاول فك رموز هذه الملاحظات كي أفهمه بشكل أفضل.

وبحلول عام 2013 كان الخرف قد تمكن منه ولم يعد يتكلم كثيراً. كان لديَّ الكثير من الأسئلة له، لم أسأله قط عن الله، وعن طفولته، ولونه المفضل، وآمل أن أحصل على إجابات أكثر كلما عملت أكثر على حياته كفنان.

المصدر: ذا ناشيونال نيوز

اتبعنا على تويتر من هنا

الكاتب

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات