الواجهة الرئيسيةحوارات

في حوارٍ خاص بـ”كيوبوست”رئيس الموساد الأسبق أفرايم هالفي: إيران لم تكن في الأصل دولة عدوة لإسرائيل (2-2)

ينبغي لنا أن نوصل الإيرانيين إلى نقطة يرون عندها أنه من أجل مصلحة بلدهم يجب أن يبدأوا بالتفكير بطريقةٍ مختلفة؛ أعتقد أنه ستكون هنالك لحظة للحوار، لا يمكنني تحديد موعدها، وربما لن تكون في حياتي؛ وأحد الأشياء التي تعلمتها في عملي الدبلوماسي هو أن فن الحوار لا يقل أهمية عن فن القتال.

كيوبوست- خاص

دينيس ساموت

في كتابه «رجل الظلال»، الصادر عن دار سانت مارتنز للنشر، في نيويورك، في أبريل من عام 2006، وتُرجم إلى العربية من دار الموسوعات العربية؛ يتحدث أفرايم هالفي عن تجربة عقود قضى معظمها ضابطاً في الموساد الإسرائيلي، ثم رئيساً لهذا الجهاز الذي يُعد من أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم.

وأفرايم هالفي هو رئيس جهاز الموساد التاسع، وُلد عام 1934 بلندن، ثم هاجر إلى فلسطين عام 1948. درس الحقوق في الجامعة العبرية، وانضم إلى جهاز الموساد عام 1961، ومن ثمَّ كُلِّف بإدارة جهاز الموساد في عام 1998 حتى عام 2002. اهتم هالفي بتنظيم عمليات الهجرة إلى إسرائيل. عُيِّن سفيراً لإسرائيل في الاتحاد الأوروبي، بعد انتهاء مهامه في الموساد.

منذ بدايات عمله كان هالفي شغوفاً بقراءة روايات البريطاني جون لو كاريه، التي تخصصت في البيئات السياسية والتجسس أثناء الحرب الباردة. ولم تفُته مشاهدة أفلام جيمس بوند، ويرى في المحصلة أن حياته العملية كانت أغرب بكثيرٍ من الخيال، وأن “الموساد أفضل بكثير من جيمس بوند”.

ويرى هالفي أنه يوماً بعد يوم تصبح الحياة أكثر استحالة من أي وقتٍ مضى في التاريخ البشري، ويؤكد أن الدبلوماسية والمفاوضات في أوقات الحرب والسلم بحاجة إلى ملكتَي العلم والفن معاً. أما اليوم، فيحتاج العالم، إضافة إلى ذلك، إلى حرفة الاستخبارات التي هي فن أكثر منها علماً، والكثير مما سيحدث مستقبلاً سيتحقق بالطرق والوسائل السرية، والطريق للنصر سيعتمد على حرفة صناعة المستحيل.

اقرأ أيضاً: في حوارٍ خاص بـ”كيوبوست”رئيس الموساد الأسبق أفرايم هالفي: علاقاتنا مع دول الخليج تعود إلى 1973 (1-2)

د. دينيس ساموت

الدكتور دينيس ساموت، رئيس مركز ليكنس يوروب للأبحاث في لاهاي- هولندا، أجرى هذا الحوار الخاص المصور مع أفرام هالفي، لصالح “كيوبوست”.

وهو في الثامنة والثمانين، يتمتع هالفي بالطاقة والحيوية وفي غاية التركيز، بعدما انتظرنا لمنحنا الحوار أسابيع حصل فيها ضيفنا على لقاح “كوفيد”، وهو اليوم أكثر نشاطاً وحماسة لأن يفاجئنا بأكثر مما جاد به في حواره معنا بوقائع من خزانته المتخمة بالأسرار حول الخليج، وعلاقاته مع قياداته التي نثر بعضاً منها في مذكراته، وفي حواراته ومقالاته، منذ بدأ الخروج التدريجي من العتمة إلى الضوء والعلن منذ قرابة عشرين عاماً.

هذه ثانية الحلقات التي ينشرها “كيوبوست”.

ملخص الحوار الكامل:

يقول هالفي في حواره مع “كيوبوست”: أعتقد أن أولئك الذين اختاروا اسم “اتفاقيات إبراهيم” يتمتعون ببعد النظر في ما يتعلق بآلاف السنين التي تقف وراء ما وصل إليه العالم اليوم، مشيراً إلى أن إسرائيل قد تطورت عبر السنين، وأصبحت أقوى بمرور الوقت.

 أعتقد أن هنالك إدراكاً متزايداً على مدى سنوات عديدة بأن مصالح إسرائيل ومصالح دول المنطقة ليست متناقضة؛ بل هي في العديد من الحالات مصالح مشتركة. لقد قُمنا بالتأسيس للعلاقات مع دول الخليج، والتقيتُ قادة دول الخليج منذ 1973 وعلى مدى الأعوام الثلاثين التالية. وقد أدركنا أن التفاهم يعني أنه يجب علينا أن نقدم شيئاً، لا أن نكون شريكاً متلقياً للمكاسب والحضور فحسب.

 ويقول هالفي إجابة عن سؤال دينيس ساموت: “كان علينا أن نثبت لدول الخليج أنه من مصلحتها أن تتعاون معنا؛ ليس فقط بسبب الجانب العسكري الذي سنتحدث عنه لاحقاً، بل أيضاً لأننا نمتلك الكثير من الأشياء التي يمكن أن نقدمها من الناحية العملية. لقد أدركنا أنه يجب علينا أن نضع أنفسنا في وضعٍ يؤسس لعلاقاتٍ جيدة تقوم على المنفعة المتبادلة والجلوس إلى الطاولة، والحديث لا عن السلام والحرية والتضامن؛ بل عن القضايا العملية.

وأعتقد أننا أثبتنا أننا شريك قوي في مجال التكنولوجيا المتطورة، وفي العديد من المجالات الأخرى أيضاً، وهذه كانت سياسة الحكومات الإسرائيلية العديدة المتتابعة، على مدى فترة زمنية طويلة. وأعتقد أنه لا يوجد أي زعيم خليجي لا يرى في الإسرائيليين شركاء في مجال الأعمال التجارية بطريقةٍ أو بأخرى. وهذا أمرٌ مهم؛ لأنه في نهاية المطاف ليس مجرد وضع سياسي ومصالح سياسية، بل هو أيضاً مصالح إنسانية”، مضيفاً: دول الخليج فتحت مجموعة من الفرص بأن جعلت من نفسها منفتحة على مختلف أنواع اللقاءات؛ ومنها “المسار الثاني”، وهذا أمر مهم أيضاً؛ لأنه لا يمكن إقناع البشر إلا من خلال النظر في عيونهم لمناقشة مستقبل ومصير الإنسانية على هذا الكوكب.

وحول إسرائيل والفلسطينيين، يقول رئيس الموساد الأسبق: “صحيح أننا حققنا الكثير من النجاحات في مجال القوة، بينما جرَّب الفلسطينيون استخدامها ولم يحققوا أي نجاح؛ ولكن الوقت قد حان للتفكير في مقاربةٍ أخرى، مقاربة جديدة ومختلفة”.

  • شكراً لك، أعتقد جازماً أن ذلك سيكون حواراً مثيراً للاهتمام في المستقبل، وأنا واثق بأنك تمتلك رؤية رائعة للتاريخ الحديث. إذا سمحت لي سوف آخذ نقطة مما تفضلت به للتو: صحيح أن وجود دولة إسرائيل قد أصبح حقيقة واقعة، وقد تقبلت العديد من الدول العربية هذا الأمر الواقع؛ ولكن هنالك دولة واحدة لم تصل إلى هذا الحد وهي إيران، فهي لا تزال دولة عدوة لإسرائيل، ولديها أيضاً علاقاتها الإشكالية مع جيرانها الخليجيين، وبعض هذه المشكلات لها جذور ضاربة في التاريخ، بينما بعضها الآخر قد نشأ في السنوات الأخيرة نتيجة الاختلافات الأيديولوجية، وإلى حد ما بسبب اللهجة العدوانية للثورة الإيرانية التي لا يبدو أنها تتراجع مع الوقت كما توقع البعض.

كيف يجب أن تنظر إسرائيل والدول العربية إلى إيران؟ هل من المفيد النظر إليها كعدو مشترك أم كجار مزعج لا بد من التواصل معه في جميع الأحوال؟ أم أن هناك احتمالاً بأن تصبح إيران شريكاً بنَّاء في المنطقة الأوسع؛ بما فيها إسرائيل في المستقبل؟

أعلم أن هذه هي قضية الساعة في إسرائيل نفسها، مع تصنيف العديد من الحكومات الإسرائيلية الأخيرة إيران على أنها أحد أكبر التحديات التي تواجهها. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

– قبل كل شيء، دعني أقول إن إيران لم تكن في الأصل دولة عدوة لإسرائيل؛ فمنذ عام 1948 إلى عام 1979، أي لما يقارب الأربعين عاماً، كانت لإسرائيل وإيران علاقات وثيقة وودية للغاية. ولم تقتصر الصداقة على قيادتَي البلدين؛ بل كانت صداقة بين الشعبَين أيضاً. وقد سافرتُ إلى إيران عدة مرات في الخمسينيات والستينيات، وأوائل السبعينيات، وأنا أعتقد أن إيران هي واحدة من أروع الدول في الشرق الأوسط؛ بل إنني أقول أكثر من ذلك، فأنا أرى أن إيران وإسرائيل في موقع مثالي إحداهما من الأخرى، فليس بيننا حدود مشتركة، وليس بيننا أي نزاع حدودي، وليس لدى أيٍّ منا مصلحة في الدخول في حرب لحل أية قضية على الإطلاق، باستثناء فكرة القيادة الإيرانية الحالية التي تقضي بعدم حق إسرائيل في الوجود. لذلك كان ينبغي لإيران من بين جميع دول المنطقة أن تكون لها أفضل العلاقات معنا.

وقد كانت لنا علاقات وثيقة جداً، ليس في المجال العسكري فحسب؛ بل كانت لنا مصالح تجارية مشتركة، وأنشأنا خط أنابيب لنقل النفط الإيراني عبر الأراضي الإسرائيلية إلى البحر المتوسط، ووضع قيد العمل لسنوات عديدة، وكان مشروعاً تجارياً استراتيجياً. وبالتالي لدينا جميع الأسباب لإقامة علاقاتٍ جيدة مع إيران. ولكن المشهد تغير بشكل جذري بعد وصول النظام الجديد إلى السلطة في إيران؛ حيث أصبحت القيادة السياسية فيها قيادة دينية. وعندما تصبح القيادة السياسية في بلدٍ ما قيادة دينية تبدأ المشكلات؛ لأن الدين بطبيعته يعني أنك لا تستطيع المساومة.

اقرأ أيضاً: رسائل إسرائيلية خلف استهداف منشأة “نطنز” النووية الإيرانية

سأعطيك مثالاً صغيراً عن كيفية عمل الدين في إيران: كما تذكر كانت هنالك حرب بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي استمرت ثماني سنوات، وقد أدت هذه الحرب إلى مقتل الملايين من الجانبَين. وفي وقتٍ معين، قررت الولايات المتحدة أنه من مصلحة ما تسميه العالم الحر أن تقدم الدعم لصدام حسين، ليس فقط للصمود في وجه إيران؛ بل لكسب الحرب أيضاً. ولم تزود الولايات المتحدة صدام حسين بالأسلحة فحسب، بل بالمعلومات الاستخباراتية الضرورية لتمكين العراق من تغيير مسار الحرب. بدأ العراق بمهاجمة وقصف طهران، وذات صباح نهض الزعيم الإيراني الخميني، وقال: “سيكون لدينا وقف لإطلاق النار”. وهذا أمر لم نفكر به على الإطلاق من قبل. وعندما سُئل “كيف يمكنك أن تقول ذلك بعد أن قلت بالأمس فقط إننا لا يمكن أن نقبل بوقف إطلاق النار مع هؤلاء الكفار؟”، أجاب: “هذه هي مشيئة الله”.

وعندما يكون الله هو مصدر إلهامك الاستراتيجي، ومصالحك الوطنية، فإن ذلك يعني أنك مترجم الله. وعندما تمتلك القدرة على ترجمة إرادة الله في ما يخص مستقبل بلدك ومصيره، يمكنك أيضاً أن تصل إلى اللحظة التي يمكن أن يغير الله فيها وجهة نظره تماماً كما فعل في الحرب بين إيران والعراق. وأعتقد أنه ينبغي لنا النظر في كيفية التعامل مع هذا الأمر عند البدء بالحديث الجدي مع الإيرانيين حول كيفية النظر إلى القرن المقبل.

وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس: إيران على بُعد عشرة أسابيع من امتلاك المواد الكافية لتصنيع قبلة نووية

وليس من الضروري أن يكون هذا حواراً مفتوحاً ولا حواراً يقدم أطرافه تنازلات سياسية؛ بل مجرد حوار، لأنه من واقع تجربتي، كان الحوار يخدم مصالحنا الكبرى بشكل أفضل من الحرب. وكما قال تشرشل ذات مرة “الكلام عن الحوار أفضل من خوض الحروب”، وأنا لا أعتقد أن هذا أمر وشيك؛ ولكنه أمر لا مفر منه.

في النهاية، أعتقد أنه ينبغي لنا أن نوصل الإيرانيين إلى نقطة يرون عندها أنه من أجل مصلحة بلدهم يجب أن يبدأوا بالتفكير بطريقةٍ مختلفة؛ نحن لم نصل بعد إلى هذه النقطة، والمحاولة الأخيرة كانت الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه عام 2015، الذي يعيق حصول إيران على القدرات النووية العسكرية. وحتى الآن -وللعديد من الأسباب المختلفة- لم يتضح أن هذا الاتفاق قد أدى إلى النتائج المرجوَّة منه؛ ولكن هذا لا يعني أنه يجب علينا التخلي عنه. أعتقد أنه ستكون هنالك لحظة للحوار، لا يمكنني تحديد موعدها، وربما لن تكون في حياتي؛ ولكنني أعتقد أن الحوار يمثل رصيداً مهماً للغاية في جميع علاقاتنا. وأحد الأشياء التي تعلمتها في عملي الدبلوماسي هو أن فن الحوار لا يقل أهمية عن فن القتال.

اقرأ أيضاً: مسؤولون إسرائيليون وأمريكيون سيعقدون أول جولة من المحادثات حول إيران واتفاقيات إبراهيم

  • أعتقد أنه بينما ننتظر أن يغير النظام العنيف التافه في إيران سياساته، هنالك العديد من الأفكار التي يتم تداولها بين المفكرين والمحللين وراء الكواليس في الوقت الحالي والتي تدور حول إمكانية إيجاد نوع من المنصة الإقليمية التي يمكن أن تجمع جميع الأطراف لمناقشة القضايا الأمنية الأساسية، وبعض مجالات التعاون المشترك الملموس. بالطبع نحن في أوروبا لدينا اتفاقية الأمن، والتعاون الأوروبي المشترك، ووثيقة هلسنكي النهائية التي تم التوقيع عليها في ذروة الحرب الباردة، عندما اعتقد الناس أن التوصل إلى اتفاق بين الاتحاد السوفييتي وحلفائه وبين الولايات المتحدة وحلفائها هو أمر مستحيل؛ ولكن بعد 12 عاماً من المفاوضات الدبلوماسية الصعبة حدث ذلك. ولا تزال وثيقة هلسنكي النهائية إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها أوروبا. هل ترى في المستقبل المنظور أية إمكانية لتطوير مثل هذا الإطار التعاوني في الشرق الأوسط، ربما لا يغطي المنطقة بأكملها؛ ولكن بالتأكيد يشمل إسرائيل ودول الخليج ومصر؟ هل هذا أمر ممكن سواء بطريقةٍ متواضعة أو طموحٍ تشرك فيه إيران في حال كان هنالك تغيير جوهري في إيران؟

– دعني أقول إن هنالك العديد من الطرق لمقاربة هذا الموضوع؛ إحدى هذه الطرق هي ما يعرف في المصطلحات الدبلوماسية بتسمية “نهج المسار الثاني”. منظمات المسار الثاني موجودة في مختلف أنحاء العالم، وهذه هي الأماكن التي يلتقي فيها الناس القادمون من مختلف البلدان حول العالم ليتحدثوا بشكل غير رسمي. وإحدى هذه المنظمات تدعى “باغووش”، وهو اسم قرية صغيرة في كندا؛ حيث التقى هؤلاء الأشخاص للمرة الأولى، وعلى مرِّ السنين تطورت منظمة “باغووش” لتصبح نوعاً من حقل الاختبار للناس ليتحدثوا مع بعضهم أحياناً، وعن بعضهم أحياناً أخرى. سأعطيك مثالاً عن أحد نجاحات منظمة باغووش:

حدث الأمر بعد حرب 1967 التي كانت نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط، وهي الحرب التي سيطرت فيها إسرائيل على كامل الضفة الغربية، ورسخت وجودها في مرتفعات الجولان في الشمال، وعلى سيناء في الجنوب، بالإضافة إلى قطاع غزة. من الأمور التي حدثت في تلك الحرب أن إحدى القوتَين العظميين في العالم، الاتحاد السوفييتي، قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وسحبت سفارتها منها. لم يكن هنالك أي تواصل بين إسرائيل والاتحاد السوفييتي بين عامي 1967 و1972، على الرغم من أن الروس، كما ذكرت سابقاً، كانوا أكثر من عون كبير لإسرائيل في حرب الاستقلال بأكثر من طريقة، وساعدونا على الانتصار في الحرب.

رئيس اركان الجيش الاسرائيلي ديفيد اليزار مع ايلي زيرا وكبار الضباط الاخرين خلال حرب أكتوبر – أرشيف وزارة الدفاع الإسرائيلية

وفي أحد لقاءات منظمة باغووش في مكان ما من أوروبا عام 1972 تواصل شخص روسي مع شخص إسرائيلي، وقال له: “لقد مضى علينا خمس أو سبع سنوات، ونحن في حالة قطيعة تامة. وهذا الأمر لا يمكن أن يكون في مصلحة بلدَينا. دعنا نؤسس لقناة اتصال”. عاد الرجل الإسرائيلي الذي كان يتمتع بصلات وموقع مهمَّين في النظام الإسرائيلي -لا أريد أن أقول أكثر من ذلك- إلى الوطن وقدم تقريره. تم فتح قناة اتصال، ولكن هذه القناة لم تمنع وقوع حرب عيد الغفران بعد ذلك بعامٍ واحد، ولم تمنع روسيا من التدخل في الحرب بطريقةٍ فسَّرتها واشنطن على أنها تشكل تهديداً بحرب عالمية ثالثة تستخدم فيها أسلحة نووية. تم إحياء قناة التواصل بعد حرب عيد الغفران، واستمرت هذه القناة لنحو خمسة وعشرين عاماً.

دعني أريك شيئاً، هذا كتاب بعنوان «روسيا والعرب» كتبه رجل يدعى يفغيني بريماكوف، وكان شخصية روسية على أحد جانبي الانقسام لبعض الوقت، قبل أن يتابع مسيرته ليصبح رئيس جهاز الاستخبارات السوفييتي، ثم وزير الخارجية ثم رئيس الوزراء الروسي. وعندما توفي شارك الرئيس بوتين في جنازته، وقال عنه إنه كان أعظم شخصية في سياسة روسيا الشرق أوسطية على مدى سنواتٍ طويلة. يحتوي هذا الكتاب على خمسين صفحة تتحدث عن العلاقة السرية بين إسرائيل وروسيا في ذلك الوقت. إنه كتابٌ مثير للاهتمام.

لقد عرفت يفغيني بريماكوف، والتقيته أكثر من مرة، ولن أقول أكثر من ذلك؛ ولكنني سأقول إن ذلك حدث في فترة القطيعة بين إسرائيل وروسيا، والتي استمرت أكثر من عشرين عاماً. ومع ذلك، كانت بيننا قناة اتصال، وكنا قادرين على أن نتحدث مع بعضنا بعضاً. وفي نهاية المطاف أعادت روسيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بعد الجولة الأولى من الحرب في العراق عام 1991. وقد تطلب هذا الأمر الكثير من الصبر.

اقرأ أيضاً: بنود صفقة روسيا- إسرائيل حول سوريا: هل توقف تل أبيب غاراتها؟

حصلت منظمة باغووش على جائزة نوبل للسلام؛ فمؤسسها جوزيف روتبلات، كان يهودياً -لم يكن إسرائيلياً بل يهودياً- وحصل على جائزة شخصية للسلام من النرويجيين؛ لمساهمته في السلام العالمي، لأنه أسس هذه المنظمة لهدف واحد هو محاولة تخليص العالم من الأسلحة النووية. لم يتمكن من تحقيق هدفه قبل وفاته؛ ولكن حقيقة الأمر كانت أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تُستخدم الأسلحة النووية على الإطلاق في الحروب. وأنا أصلي ويجب علينا جميعاً أن نصلي كي لا يتم استخدامها مرة أخرى.

مُنحت جائزة نوبل لمؤسسة باغووش ولمؤسسها جوزيف روتبلات لمساهمتهما في السلام العالمي- أرشيف

لذلك فهذه الاتصالات التي تتحدث خلالها طويلاً، وربما لساعات، ولا يكون هنالك سوى جملتين مهمتين؛ لأنهما تعملان كالصمام الصغير الذي يمنع الهواء من الخروج من إطار سيارتك. وهذا أمر مهم للغاية.

وأنا أعتقد أن ما فعلته دول الخليج هو أنها فتحت مجموعة من الفرص بأن جعلت من نفسها منفتحة على مختلف أنواع اللقاءات، وهذا أمر مهم أيضاً؛ لأنه لا يمكن إقناع البشر إلا من خلال النظر في عيونهم لمناقشة مستقبل ومصير الإنسانية على هذا الكوكب.

  • لقد تأثرت كثيراً بكلماتك. وبصفتي شخصاً شارك في مبادرات المسار الثاني لثلاثين عاماً؛ فإنني أقدر عالياً كلماتك وتقييمك لمساهمة المسار الثاني في السلام العالمي. لقد ألهمتني منظمة باغووش في سنوات شبابي عندما كنت أفكر في المكان الذي سأركز فيه حياتي، وأنا أعتقد أنك محق تماماً في قولك إنها قدمت مساهمة فريدة للغاية ليس فقط من حيث المحتوى الذي قدمته؛ بل أيضاً من ناحية إلهام الناس للعمل على هذه الموضوعات. أنا لم أكن ضالعاً في شؤون الشرق الأوسط؛ بل في منطقة القوقاز والفضاء السوفييتي السابق، ومع ذلك فأنا أجد أن كلَّ ما قلته للتوّ حول أهمية الحوار والصبر وأهمية تبني بُعد النظر، يشكل نصيحة مهمة جداً لكل مَن يعمل على قضايا كهذه.

سيد هالفي، في ختام حديثنا اليوم، لا يمكننا أن نصنف القضايا التي نناقشها إذا لم نتناول حقيقة أنه في علاقة إسرائيل مع جيرانها، ومع الدول غير العربية، تشكِّل قضية الشعب الفلسطيني وموقعه من المشهد العام دائماً أحد أكبر التحديات. وبنفس الطريقة، أدركتِ الدول العربية أن إسرائيل لن تزول، وأعتقد أن إسرائيل أيضاً أدركت أن مشكلة الشعب الفلسطيني لن تختفي من تلقاء نفسها أيضاً؛ بل ستبقى قائمة ولا بد من التعامل معها.

هنالك حكومة جديدة في إسرائيل الآن، حكومة ربما تحمل وجهات نظر جديدة تجاه هذه المسألة، باعتقادك ما الخطوة التالية؟ لقد تحدثتَ ببلاغة عن تاريخٍ طويل في حوارنا هذا؛ ولكن ما الخطوات الآلية؟ إلى أين نتجه بخصوص قضية الشعب الفلسطيني؟

– على حدِّ علمي، أنا أظن أن الحكومة الجديدة لم تبحث في هذه القضية بعمق؛ لدينا تهديد جائحة “كوفيد-19” التي تستهلك قسماً كبيراً من وقتنا، ولدينا أيضاً ما نسميه التهديد الإيراني الذي يقف على أعتابنا. دعني أنوه بأن إسرائيل لم تقل قط إنها تريد أن تدمر إيران، ولم يقل أي زعيم إسرائيلي إن حلم إسرائيل هو تدمير إيران. وأنا لا أقول ذلك لتسجيل النقاط؛ ولكننا نعلم أن القيادة الإيرانية حتى هذه اللحظة ترى بطريقة أو بأخرى في تدمير إسرائيل واحداً من أهدافها الرئيسية.

المظاهرات المناهضة لإسرائيل أصبحت تقليداً رمضانياً في إيران- “لوس أنجلس تايمز”

لذلك فأمامنا الكثير مما يجب فعله لحمل الإيرانيين على تغيير خطابهم. وبينما نحن نتحدث كانت هنالك أحداث في الخليج خلال الأيام القليلة الماضية تظهر أن التوتر يتصاعد، وأعتقد أن هذا التوتر ينعكس على مسألة حركة النقل البحري، وعلى إمكانية حركة السفن بأمان في المياه الدولية. وهذا الأمر سيكون على جدول أعمال المجتمع الدولي.

لا أعتقد أن البحث في قضية الشعب الفلسطيني ممكن في هذه اللحظة؛ ولكنني أعتقد أنه لا ينبغي لنا التخلي عن هذه المسألة، لا يمكننا، ولا ينبغي لنا أن نتخلى عنها. وبما أنك ذكرتَ الحكومة الإسرائيلية الجديدة، فأنا أعتقد أن الفلسطينيين بعد سنوات طويلة من تكرار الخطاب نفسه، والمواقف والأهداف ذاتها، يجب عليهم أن يراجعوا خطابهم، وأن يعيدوا النظر في بعض أسسه.

اقرأ أيضاً: آلون بن مائير لـ”كيوبوست”: إسرائيل أخطأت برفض إجراء الانتخابات في القدس

لقد حضرتُ اجتماعاً -كان أحد اجتماعات المسار الثاني- قبل عام أو عامَين، وكان هنالك أحد وزراء الخارجية الخليجيين، وقال للشخصية الفلسطينية الرئيسية في الاجتماع: “إن ما تقوله لي اليوم هو نفس ما كنت تقوله على مدى السبعين عاماً الماضية ولم يتغير أي شيء. ألا تعتقد أنه بعد سبعين عاماً ربما يكون قد حان الوقت لتجلس مع زملائك وتبحثوا في ما إذا كان الوقت قد حان لقول شيء آخر؟ وفي ما إذا كنتم بحاجة إلى خطابٍ جديد مختلف؛ طريقة مختلفة للحديث، وربما للبحث في وجهات نظر جديدة.. إذا ما بقيتم تكررون كلامكم إلى حد يثير الغثيان فإن الآخرين سيفقدون الأمل من الحديث معكم -إذا لم يتجاهلوكم بشكل كامل- وسيقولون إنه لا جدوى من الحديث مع هؤلاء الناس؛ لأننا نعرف ما سيقولونه، وليس لدينا الوقت والجهد لهذا الأمر”.

أعتقد أن الوقت قد حان بالنسبة إلى الفلسطينيين أيضاً للتفكير في نوعٍ من القيادة الجديدة؛ فالقيادة الفلسطينية لم تتغير على الإطلاق، وحتى بعد موت عرفات لم يكن لديهم أي شيء جديد يقولونه. حتى “حماس” لم تطرح أي جديد، مع أن “حماس” قادرة على الكلام؛ ولكن تلك قضية مختلفة. “حماس” تختلف عن السلطة الفلسطينية وحركة فتح؛ نحن نتحدث عن لاعبين مختلفين هنا، وهذا أمر يجب النظر إليه باهتمام، وقد كنتُ من المدافعين بشدة عن حوار بين إسرائيل و”حماس”. على الرغم من قلة عدد مَن يؤيدون هذا الطرح؛ فإنني اعتدت أن أكون من الأقلية في آرائي على أمل أن تصبح هذه الأقلية أكثرية.

أعتقد أن هذه هي اللحظة المناسبة للطرفَين (وليس لطرفٍ واحد)؛ لإعادة النظر في خطابهما. لقد جربنا كل الطرق في استخدام القوة؛ صحيح أننا حققنا الكثير من النجاحات في مجال القوة، بينما جرب الفلسطينيون استخدامها ولم يحققوا أي نجاح، ولكن الوقت قد حان للتفكير في مقاربة أخرى، مقاربة جديدة ومختلفة.

وأنا أعتقد أنه إذا كان هنالك ما يمكن أن تفعله دول الخليج -وبالمناسبة، دول الخليج تعرف قيادات المجموعات الفلسطينية والتقت بها أكثر من مرة بمختلف الطرق، ويعيش الكثير من الفلسطينيين في الخليج، والكثير من قياداتهم أمضى فترات طويلة من حياته فيه، وبعضهم لا يزال يقيم هناك- فقد حان الوقت للنظر مجدداً في هذه المسألة، والبحث في ما إذا كان من الممكن تقديم طرحٍ مختلف. وأنا أعتقد أنه إذا ما كان هنالك شعور في إسرائيل بأن الطرف الآخر يقوم بمراجعة خطابه، فمن المحتمل أن ذلك سيطلق العنان للخيال الإسرائيلي أيضاً.

  • السيد أفرايم هالفي، أشكرك جزيل الشكر على هذا الحوار الملهم الذي طرحتَ فيه العديد من النقاط والأفكار المثيرة للاهتمام. وكما ذكرتَ في مقدمة حديثك، فإن هذه الموضوعات تتطلب وقتاً أطول لطرحها وتقييمها وتحليلها؛ ولكنني أعتقد أنك تمكنت خلال ساعة واحة من تغطية طيفٍ واسع من القضايا بطريقة إيجابية، وأنا واثق بأن قراءنا سيجدونها مثيرة للاهتمام.

أتطلع قدماً إلى لقاءٍ آخر معك في المستقبل القريب؛ لنتعمق في بحث بعض هذه القضايا، لأنني واثق من وجود الكثير مما يمكن أن نتعلمه من تجاربك ومعرفتك الواسعة بجانبَي القضية وبالشخصيات المعنية بها. تلعب الشخصيات دوراً مهماً للغاية في هذه المنطقة من العالم، ومن الواضح أنك التقيت العديد من اللاعبين الأساسيين فيها، وأنا واثق أن لديك الكثير من الأشياء التي يمكنك قولها والتي ستكون مفيدة جداً لمَن يفكرون في المستقبل.

أنا أقدر عالياً قدرتك على التنقل بين الماضي والمستقبل، وهذا أمر في غاية الأهمية. وأنا كمؤرخ أدرك تماماً أهمية معرفة الماضي؛ ولكنني كممارس أدرك أننا بحاجة إلى التركيز على المستقبل، وأظن أنك قد فعلت ذلك بطريقة رائعة.

أشكرك مجدداً على وقتك وأتطلع إلى لقائنا القادم.

لقراءة الأصل الإنكليزي: Efraim Halevy-2

Efraim Halevy – Read the full text of the interview

اقرأ أيضاً: في حوارٍ خاص بـ”كيوبوست”رئيس الموساد الأسبق أفرايم هالفي: علاقاتنا مع دول الخليج تعود إلى 1973 (1-2)

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة