الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

في جو صوفي مغربي.. مسلمون ويهود يقدسون نفس الأضرحة والأولياء

شكَّل الفرد المغربي تدينه وفق حاجته الوجودية والاجتماعية.. ما أسهم في خلق إسلام مغربي اجتماعي لا يجد حرجاً في التبرك من الضريح اليهودي أو المسيحي

الدار البيضاء – إلهام الطالبي

عاش المسلمون واليهود لسنواتٍ طويلة جنباً إلى جنب في المغرب، لا يتشاركون فقط نفس العادات والتقاليد؛ بل يقدسون نفس الأولياء والأضرحة، ويمارسون طقوسهم الروحانية في جو صوفي.

وحسب الباحث المغربي الفرنسي بن عامي إساشار، يوجد 652 مزاراً؛ ضمنها 126 ضريحاً مشتركاً بين المسلمين واليهود، و15 ولياً صالحاً مسلماً يحظى بتقديس اليهود. وأشار بن عامي إساشار إلى أن 90 ولياً يهودياً يقدسه المسلمون، وفي المقابل يتنازع الطرفان حول 36 ولياً.

يتشارك المسلمون واليهود نفس طقوس الزيارة، ذبح الماشية في الضريح، والرقص والغناء وإضاءة الشموع في جو روحاني يخلو من التعصب، “ويخلقون لحظات احتفالية يسودها التضامن والأخوة”، حسب عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دور كايم؛ فهذه المشاركة يتساوى فيها الجميع بغض النظر عن العمر أو الجنس أو الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

تعايش بين اليهود والمسلمين

يزور المسلمون واليهود المغاربة الأضرحة أحياناً بهدف تحقيق بعض الأمنيات الشخصية، ويعتقدون أن الولي وسيط قادر على حل مشكلاتهم، وأحياناً يتذرعون بأسماء الأولياء عندما تواجههم صعوبات ومشكلات.

وعن التعايش المستمر بين اليهود والمسلمين المغاربة، يقول حاخام مدينة طنجة جاكوب ترجمان، “على الرغم من تراجع عدد الجالية اليهودية مقارنة بالأربعينيات؛ فإن التعايش بين اليهود والمسلمين المغاربة لا يزال قائماً”.

حاخام مدينة طنجة شمال المغرب جاكوب ترجمان

ويُضيف حاخام مدينة طنجة، في حديثه إلى “كيوبوست”: “في أي مكان كنا في العالم، نتذكر ما عشنا بالمغرب؛ نتذكر التعايش والاحتفالات في الأعياد والمناسبات والمعايدة بين المسلمين واليهود، نتأثر ونتحسر على تلك الأيام”.

مسلم يحرس أعرق معابد اليهود

يتولى محمد، مغربي، مسلم الديانة، حراسة أعرق وأهم معابد اليهود بطنجة شمال البلاد، يحمل مفاتيح المعابد بين يديه، ويستقبل الزوار المسلمين واليهود؛ ليأخذهم في جولة بمعبد ناهون ومعبد حاخام أكيبا، ويحفظ تواريخ الحاخامات اليهود، ويشرح للزائر معلومات عن المعبد.

اقرأ أيضاً: بشهادة المؤرخين.. النودلز الصينية ليست أصل الباستا

بحماسٍ وشغف، يقول محمد، في حديثه إلى “كيوبوست”: “وثقوا بي لكي أحرس معابدهم، وأعمل معهم.. بين اليهود والمسلمين بالمغرب هناك تعايش؛ كل شخص يحترم دين الآخر، يأتون إلى هنا من مختلف الدول؛ للترحم على أجدادهم، يشعرون وكأنهم في بلدهم، ويشكرونني على عملي”.

محمد، مغربي

ويُضيف محمد، في ذات الصدد: “أحسّ براحة كبيرة؛ لأني أحرس تاريخاً كبيراً للمغاربة”.

في مدينة طنجة كان عدد اليهود يبلغ 17000 يهودي، والآن صار يبلغ 90 يهودياً فقط، حسب تقرير جريدة “إلموندو” الإسبانية.

يقول أمين كوهين، باحث مغربي مختص في اليهود المغاربة، في حديثه إلى “كيوبوست”: “يوجد 25 يهودياً في طنجة، ولا توجد تقارير رسمية حول عدد اليهود المغاربة بالمغرب”.

“كيوبوست” تُقربكم لأهم المزارات المشتركة بين اليهود والمسلمين المغاربة، والتي ما زالت إلى حدود الساعة تفتح أبواباً للراغبين في بركة الولي وقضاء غرض معين، وفقاً لمعتقداتهم.

اقرأ أيضاً: شلل كامل أصاب إسرائيل.. إغلاق المطارات والموانئ والشوارع العامة!

ولي يهودي بمكانة أولياء المسلمين

يعد سيدي يحيى بن يونس، أحد أشهر الأولياء الصالحين بالجهة الشرقية بالمغرب، يقع على بعد 6 كيلومترات شرق مدينة وجدة، ويعتقد المسلمون أن سيدي يحيى بن يونس عاصر المسيح، وأنه قد تنبأ بمجيء الرسول محمد. وحسب التراث الشفهي المغربي، فالمسلمون المغاربة وضعوا يحيى بن يونس في مكانة الأولياء المسلمين.

ويعتبر اليهود المغاربة أن ضريح سيدي يحيى هو لربي يحيى بن دوسة، يهودي من قشتالة، لجأ إلى وجدة شرق المغرب؛ هروباً من اضطهاد الإسبان.

اقرأ أيضاً: لماذا يتعاطى الجنود الإسرائيليون المخدرات قبل تنفيذ المهام القتالية ضد الفلسطينيين؟

وحسب الرواية الشفهية لليهود المغاربة: “فعقب وصوله إلى وجدة دفعته حاجته إلى الماء إلى شق الأرض عن عين جارية، وشهد يهود وادي تايغيت على ذلك؛ لكنهم لم يأبهوا به، فدعا الله أن يُشتت شملهم”.

وتضيف الرواية الشفهية أنه “عاش بجوار العين، وبعدما أحسّ بدنو أجله، حفر قبره بنفسه”.

منذ ذلك الحين، تحول الضريح إلى مزار، تُذبح له العجول والجديان، كما تُقام على شرفه ليالي “كناوة وعيساوة”؛ تبركاً بمكرماته ورغبة في طلب حمايته، كما يُطهى الكسكس ويُوزع على الوافدين إليه لمدة 7 أيام، ويزوره اليهود والمسلمون والمسيحيون ويتبركون به، كما تزوره النساء بغرض إنجاب الأطفال الذكور، والشابات الراغبات في الزواج.

سيدي يحيى بن يونس أحد أشهر الأولياء الصالحين بالجهة الشرقية بالمغرب- مواقع التواصل الاجتماعي

في المقابل، تُخيِّم ألغاز كثيرة على ضريح “سيدي يوسف” الذي يقع في ضواحي مدينة الناظور شمال المغرب، ويرجع تاريخه إلى 300 سنة.. يقتنع المسلمون واليهود المغاربة أن الضريح مشترك بينهما، ويُطلق عليه المسلمون “سيدي يوسف”، بينما اليهود يُلقبونه بـ”سعديا عداتي”.

ويتوافد اليهود من المغرب ومختلف دول العالم، كل سنة في اليوم الثاني من شهر مايو؛ بهدف إحياء موسم “الهيلولة”.

وبضواحي مدينة فاس، يتوجه اليهود لزيارة ضريح “عمران بن ديبان” الذي قدم من القدس إلى وزان؛ حيث ظل يستقبل الزوار في حياته وبعد موته، ويُطلق عليه المسلمون “كهف اليهودي”، وتزوره المسلمات؛ بهدف الاغتسال وطلباً للحمل والإنجاب، وتُضاء المغارة للاحتفال بالشعائر الروحانية.

اقرأ أيضاً: نزوح إسرائيل الجديد.. اليهود يغادرون!

إسلام مغربي ذو بعد اجتماعي

ويرى عالم الاجتماع الفرنسي ميشو بلير، أن الضريح بالمغرب يعتبر نوعاً من الإسلام المحلي الشعبي، يتم خلاله استحضار الأبعاد المحلية، ويختلط فيها الإسلام ببعض العادات والتقاليد قبل الإسلام، معتبراً أن الفرد المغربي شكَّل تدينه وفق حاجته الوجودية والاجتماعية، والتعايش مع باقي الأديان السماوية؛ ما أسهم في خلق إسلام مغربي اجتماعي لا يجد حرجاً في التبرك من الضريح اليهودي أو المسيحي.

ويؤكد عالم الاجتماع الفرنسي أن المعتقدات الدينية في المغرب عبارة عن تناقض، موضحاً أن “الإسلام المغربي يقوم على صنفَين؛ صنف شعبي ينبني على تقديس الأولياء والأضرحة، وصنف الإسلام الرسمي”.

وعلى الرغم من أهمية دراسة المزارات المشتركة بين اليهود والمسلمين المغاربة؛ فإنه لم يُنشر سوى دراسات قليلة، أهمها دراسة للكاتب إساشار بن عمي، تحمل عنوان “طقس المزارات والأولياء اليهود المسلمين بالمغرب”.

المصادر:

1-BEN- AMI ISSACHAR : Culte Des SAINTS et Pélerinages Judio-Musulmans au Maroc.

2- حاييم الزعفراني: “يهود المغرب والأندلس”.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة