الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

في جزر بيجاغوس.. نظام أمومي وشعب عرف العدل!

كيوبوست

في الفيلم الإسباني “The Platform” يعاني أشخاص عالقون على أكثر من 300 طبقة في حفرة عميقة من الجوع؛ ليس لقلة الموارد، فهي تكفي الجميع؛ إنما لفرط جشع العالقين في الطبقات العليا، الذي يحرم أفراد الطبقات السفلى من الطعام، في تشبيهٍ لما يعانيه العالم حالياً من طبقية بيِّنة، يستحوذ فيها الغني على أعظم من حاجته، بينما يموت الفقير جوعاً.

على النقيض، ضمن الفيلم الوثائقي “غينيا بيساو.. نساء أورانجو القويات” إنتاج قناة “دويتشه فيله” الألمانية، الذي يصور الحياة في جزر البيجاغوس الواقعة غرب إفريقيا؛ حيث تحكم النساء فيسود العدل والسلام، إذ يأخذ الجميع حاجته من الطعام فقط، والكل يسعى للحافظ على مصادر الغذاء لكي لا تنضب.

بداية الحكاية

قبالة دولة غينيا بيساو الواقعة غرب إفريقيا، يقع أرخبيل يضم 100 جزيرة؛ من بينها 20 جزيرة مأهولة يقطنها شعب البيجاغوس، من ضمن تلك الجزر جزيرة أورانجو؛ حيث يعيش الناس ضمن نظامٍ اجتماعي أمومي، تتولى فيه النساء مسؤولية الاقتصاد والطقوس الروحانية والقضاء والقانون والعائلة.

اقرأ أيضاً: موسم شراء الزوجة من “سوق العرائس” لدى غجر بلغاريا!

ويعود دور المرأة المفصلي في ثقافة شعب البيجاغوس، إلى الأسطورة التي تقول إن أول إنسي عاش على الجزر كان امرأة، أنجبت أربع بنات؛ تتحكم كل واحدة في منحى من مناحي الكون؛ فأواكوما تسيطر على الأرض والطقوس، وأومنكا تتولى أمر البحر وصيد السمك، وأواراغا تدير أمور الطبيعة وحقول الأرز والنخيل، وأوغوباني تتحكم في المطر والريح، ومن هؤلاء النساء الأربع تنحدر العشائر الأربع لشعب البيجاغوس.

أرخبيل جزر البيجاغوس- earth.esa.int

بينما تعاظم دور المرأة في جزيرة أوارنجو، خلال حكم الملكة بامبا القوية، التي أسست مجتمعاً فريداً في العالم، وأعطت للنساء سلطة أكبر؛ فمثلاً على مدى سنين، كانت المرأة تختار زوجها وتتقدم لخطبته، وتبني البيت وتنظم الأعمال، وتتخذ قرار الانفصال عن الزوج، إلا أن هذه العادة لم تعد سارية بسبب التأثيرات الغربية، كما يعود نسب الأطفال إلى النساء في الجزيرة، اللاتي يتحكمن بمقاليد السلطة فيها.

النظام الاجتماعي

لا يتوقف دور المرأة عند الحياة السياسية والاجتماعية؛ إذ تمسك نساء شعب البيجاغوس بمفصل مهم جداً من مفاصل الحياة: الدين؛ فهن حلقة الوصل بين عالم الأموات وعالم الأحياء، كما لا يسمح لأحد بدخول الأماكن المقدسة سوى الكاهنات اللواتي يؤدّين احتفالات دينية؛ لتحقيق خير المجتمع.

ويقوم عنصر الدين في ثقافة البيجاغوس بشكل كبير على مبدأ تناسخ الأرواح، الذي يرتبط بشكلٍ وثيق بالأمومة -التي تعتمد أساساً على جسد المرأة- فكل جنين ينشأ في رحم أية امرأة، يمثل روحاً جديدة تكون على اتصال مع عالم الأرواح؛ لأن الروح الجديدة مستنسخة من أخرى راحلة.

نساء البيجاغوس بالملابس التقليدية- africanamerica

وليست الأمومة هي الطريقة الوحيدة للتواصل مع الأموات؛ لكن هناك طريقة أخرى تعتمد على النساء أيضاً، وهي تأدية رقصة “الموتى” التي تضمن الانسجام بين عالمَي الأحياء والأموات؛ وذلك استناداً إلى قدرتهن على احتواء أرواح الشبان الذين ماتوا قبل بلوغ مرحلة الفانادو، لذا تصبح أرواحهم شريرة وتائهة؛ لأن الذكر كائن لا يكتمل ويظل بحاجة إلى بناء طاقته خلال حياته، أما المرأة فتولد كمخلوق مكتمل حتى لو توفيت قبل البلوغ، وتصبح روحاً خيِّرة بعد وفاتها.

التقسيم الاقتصادي

يقسم العمل في الجزيرة بين الجنسَين؛ فالرجال يعملون في الغابة والبحر، والنساء تهتم بالواجبات المنزلية، والطقوس الروحانية، ويعيش الشعب بانسجام مع الطبيعة التي لم تتبدل مع الزمن؛ لأن السكان لا يأخذون إلا حاجتهم من الطعام.

ومع ذلك تعتبر النساء عصب الاقتصاد في جزير أورانجو؛ فهن يعملن بجد ومسؤولية أكبر، إذ يشكلن جمعيات تنظِّم الاقتصاد والقضاء، وهيئات المذنبين، علماً بأن وقوع الجرائم أمر نادر، كما يعملن خلال موسم إعداد الحقول على تنظيف وإصلاح الأراضي، ويحاولن عدم استنزاف أشجار النخيل، ويعتمدن مبدأ الزراعة المتبدلة، عبر استخدام الأرض سَنة وتركها “بوراً” ست سنوات؛ لضمان عدم استهلاك تربتها، بينما تمتلك النساء مفاتيح مخازن المحاصيل.

اقرأ أيضاً: الرقص التاهيتي.. كيف يؤثر الاستعمار على ثقافة المكان؟

ومؤخراً أصبح شعب البيجاغوس يتاجر بالأسماك الفائضة عن حاجته من خلال سفينة تأتي مرة كل أسبوع من العاصمة بيساو، والسلعة الأهم في تجارتهم هي حصائر القش التي تصنعها النساء من الألف إلى الياء.

وبالنسبة إلى الطب، فلا توجد إلا عيادة واحدة في جزيرة أورانجو، بالمقابل يوجد طب تقليدي ينصح به أطباء العيادة غالباً؛ يقوم على خلطات الأعشاب التي يجمعها المعالجون التقليديون، مع الحرص على عدم إفساد الأشجار خلال عملية الجمع، كما توجد قابلات لمساعدة الحوامل خلال فترة الحمل عبر عملية تدليك خاصة.

اقرأ أيضاً: كيف أشعل مسلسل “مناورة الملكة” نقاشاً جديداً حول التحيز ضد المرأة في الشطرنج

اليوم تواجه ثقافة شعب البيجاغوس المسالمة خطر التأثيرات الغربية، بعد أن بدأ الأطفال في الذهاب إلى الروضة والمدرسة؛ ما يسهم في احتضار التقاليد، إذ لم تعد طقوس الاختبار التي يمر بها كلا الجنسَين تُقام حالياً، كما يرغب بعض المراهقين في إكمال تعليمهم في جامعات بيساو، ومن ضمن المخاطر التي تمر بها الثقافة هناك، التغيُّر الذي طرأ على صورة المرأة؛ ففي السابق لم يكن يسمح للنساء بالحمل قبل بلوغ مرحلة الفانادو (مرحلة البلوغ عند شعب البيجاغوس)، اليوم تصبح المرأة “بالغة” عبر الحمل والولادة!

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة