الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

في تحالف غير معلن.. الغنوشي يفوز برئاسة البرلمان

كيوبوست

فاز راشد الغنوشي، رئيس ومؤسس حزب النهضة، برئاسة البرلمان الجديد بأغلبية مريحة بعد أن دعمه منافسه حزب “قلب تونس”. وحصل الغنوشي على 123 صوتًا من مجموع 217؛ ليشغل أول منصب رسمي له منذ عودته من منفاه في لندن عام 2011.

وتنافس على منصب رئيس البرلمان كلٌّ من راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة، وغازي الشواشي القيادي بحزب التيار الديمقراطي، وعبير موسى رئيسة الحزب الدستوري الحر، ومروان فلفال عن “تحيا تونس”.

تحالف أثار كثيرًا من الانتقادات وموجة من الاستهزاء والتشكيك في مبادئ رئيس حركة النهضة الغنوشي؛ حيث اعتبر القيادي بالتيار الديمقراطي عبد الواحد اليحياوي، أن تحالف اليوم من أجل رئاسة البرلمان “يعكس عقلية الرجل؛ حيث كل شيء، القانون والأخلاق والمبادئ، في خدمة مصالحه ومصالح حزبه”.

وأكد اليحياوي، في تدوينة له على صفحته عبر “فيسبوك”، أن “الغنوشي الذي وصف القروي وحزبه بالفساد وتعهّد بعدم التحالف معه ولو اضطر إلى إعادة الانتخابات، يرمي بكل ذلك عرض الحائط ويقرر استئناف تحالفاته القديمة بعد أن تبرأ منها واعتبرها عناقًا تكتيكيًّا لملاكم قوي، اتضح أنه مستعد لكل أنواع العناق من أجل السلطة”.
ولم يستبعد المتابعون للمشهد السياسي التونسي أن تتصدر حركة النهضة المشهد التونسي؛ باعتبارها المسؤولة دستوريًّا وسياسيًّا عن تشكيل الحكومة، فرغم التراجع الذي سجلته على مستوى قاعدتها الانتخابية؛ فإنها لا تزال الحزب الأول في البلاد.

الغنوشي من أحكام المؤبد والإعدام إلى رئاسة البرلمان

كان رئيس حركة النهضة يتجهَّز في العامَين الماضيين ليرسم صورة جديدة عن نفسه في أذهان التونسيين، يقدم عبرها شخصه على أنه زعيم وطني بكل المقاييس. وبدأ يوجِّه بوصلته نحو قصر باردو؛ فقام في مرحلة أولى بعزل خصومه من داخل الحركة وتغيير قائمة الأسماء التي كانت مطروحة لمَن سترشحهم الحركة للانتخابات التشريعية، وزكَّى في المقابل أسماء لا يمكن أن تقلقه في المستقبل إن صعدت إلى البرلمان.

اقرأ أيضًا: “صندوق الزكاة”.. رهان الغنوشي الأخير في الانتخابات التشريعية

وبعد أن كان رئيس “النهضة” متهمًا وصادرة في حقه عدة أحكام خلال عهد الزعيم الراحل بورقيبة؛ منها حكم بالسجن 11 سنة قضى منها 3 سنوات ثم خرج من السجن في إطار عفو عام، وحُكم عليه بالمؤبد والإعدام حال انقلاب 7 نوفمبر 1987 دون تنفيذه، عاد الغنوشي من منفاه إلى تونس بعد الثورة واستقبله أنصار الحركة في مطار قرطاج بالأغاني الدينية و”طلع البدر علينا”، واستمر على رأس “النهضة”، وبات خلال السنوات الأخيرة أهم فاعل سياسي ومؤثر في مجريات الأحداث بالبلاد، وشخصية ”مبجلة” في عدد من العواصم العربية والأوروبية.  

راشد الغنوشي رئيس البرلمان الجديد

ويأمل الغنوشي في إنهاء مسيرته السياسية بممارسة فعلية للسلطة، بعد أكثر من 8 سنوات كان مؤثرًا فيها على القرار السياسي باعتباره رئيسًا لحزب الأغلبية سنة 2011، مشكلًا حكومتَي ”الترويكا”، ثم كداعم لحكومة المهدي جمعة، ثم كمهندس لمرحلة “التوافق” التي جمعته برئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي، وسُميت بـ”مرحلة حكم الشيخَين”، ثم كـ”شريك” للحكم في فترة الصراع بين القصبة وقرطاج، ودعمه رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

ويرى مراقبون أن هدف الغنوشي من دخول البرلمان يتمثل أساسًا في البحث عن الحصانة النيابية ولإغلاق ملفات إجرامية حارقة متعلقة بانتشار الإرهاب في تونس، وتسفير الشباب التونسي بين عامَي 2012 و2014 إلى بؤر التوتر في سوريا والعراق.

برلمان فسيفسائي
أظهرت الانتخابات التشريعية التونسية استمرار نهج التصويت العقابي للمشاركين في الحكومات أو المؤسسات السياسية عقب ثورة 2011؛ حيث انحاز الناخب التونسي لأحزاب خارج المؤسسة السياسية، إلى جانب الانحياز للمستقلين.. هذه الوضعية التي أسفرت على تشكُّل برلمان فسيفسائي لا يتمتع فيه أي حزب بأغلبية مريحة تمكنه من تمرير قراراته ومواقفه، استوجبت ضرورة تحالف الأحزاب المتقاربة لتكوِّن أغلبية، وجعلت من حركة النهضة رغم تراجع عدد مقاعدها وقاعدتها الانتخابية، تقود المشهد البرلماني.

ويقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبد السلام الزبيدي: “إن تحالف حركة النهضة مع حزب قلب تونس يعود إلى أن الحملات الانتخابية وما بعدها لا تُبنى على الشعارات والخيارات، أما هندسة المشهد البرلماني والحكومي فتتحكم فيه الضرورات”، لافتًا إلى أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، استعمل هذه القاعدة وسار عليها للفوز بمنصب رئاسة البرلمان.

عبد السلام الزبيدي

وأضاف الزبيدي، في تصريح خاص أدلى به إلى “كيوبوست”، أن تصريحات الغنوشي السابقة وتأكيد رفضه التحالف مع حزب قلب تونس “تعتبر خطأ سياسيًّا يدفع رئيس حركة النهضة ضريبته الآن” ، وقد صرّح فعلًا ومباشرة بعد انتخابه رئيسًا للبرلمان بأن “الأغبياء هم الذين لا يتغيرون”؛ معتبرًا أنه كان من الأجدى له أن يعدِّل موقفه منذ بداية المفاوضات، مشيرًا إلى أنه اضطر إلى هذا المسار؛ لفشله في التفاوض مع التيار الديمقراطي وحركة الشعب وليس الخيار الأصلي.

اقرأ أيضًا: نادية شعبان لـ”كيوبوست”: فوز الغنوشي سيجعله صاحب القرار في تونس

وفي سياق آخر، يشير الزبيدي إلى أن حركة النهضة ستلجأ إلى اختيار رئيس للحكومة من التكنوقراط المقربين من الحركة؛ لتسهِّل على نفسها تشكيل الحكومة وباعتبار حساباتها الوطنية، مما يضعها أمام مجموعة من التحديات، أولها اختيار رئيس للحكومة توافقيًّا حتى تتمكَّن من السيطرة على الضغط الداخلي، وثانيها قبول نتيجة القانون الانتخابي الحالي في تونس؛ وهي إفراز برلمان مشتَّت نتيجة تآكل عدد مهم من الأحزاب، حيث مجلس مشتت يصعب العمل فيه مع بروز تيارات شعبية وأخرى ترفض الدستور الذي ترشَّحت  على أساسه. وفي مرحلة أخيرة كسب حسن الأداء المشروط بالمجلس رئاسىة الجمهورية والحكومة وكيف يمكن للمجلس أن يقوم بدوره الرقابي بالنسق المطلوب.  

“النهضة” وحسابات الحلفاء

يتعين أن تكشف “النهضة” عن اسم المرشح لرئاسة الحكومة يوم الجمعة المقبل، على أقصى تقدير. وصرَّح رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان المنتخب راشد الغنوشي، مساء الأربعاء، بأن هناك إمكانية لترشيح شخصية من “النهضة” لرئاسة الحكومة.

وتحشد حركة النهضة كل جهودها؛ لإنجاح مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، فبعد أن فشلت في إقناع الأحزاب على تشكيل تحالف يمكنها من تشكيل حكومتها، تلعب الحركة بورقة المستقلين؛ لتجاوز مأزقها الحالي، إذ لا يتعلق تشكيل الحكومة بالتوازنات الداخلية لحركة النهضة فقط، وإنما خاصة بموقف الحلفاء المحتملين؛ باعتبار أن مقاعد حركة النهضة لا تسمح لها بالحكم إلا ضمن تحالف واسع يجب أن يشمل أربع كتل نيابية على الأقل؛ وهو ما يجعل المسألة صعبة؛ خصوصًا أن حركة النهضة كانت دائمًا جزءًا من استقطابات سياسية وأيديولوجية جعلتها في وضع أقرب إلى العزلة السياسية.

ويرى مراقبون أن تردد الأحزاب في التحالف مع “النهضة”، يعتبر أمرًا طبيعيًّا؛ فهي لم تمارس السياسة إلا كمدخل لتحقيق مصالحها ولو تقاطعت مع الفساد، وهو ما يفسر تمسك التيار الديمقراطي بشروطه للتحالف؛ فوضع ضمانات عبر أن يكون رئيس الحكومة من خارج  “النهضة”، والحصول على وزارات: العدل والداخلية والإصلاح الإداري، وهي وزارات لا يبدو أن “النهضة” مستعدة للتفريط فيها؛ لفائدتها، لأن ذلك سيجعل كل ممارساتها السابقة تحت رحمته، وكذلك بالنسبة إلى حركة الشعب التي ترفض التحالف مع “النهضة”، معتبرةً أن مقاربتها للحكم مختلفة، وأن “النهضة” تريد إعادة مقاربة عام 2011.

وتبدو فرص حركة النهضة في تشكيل حكومة ثورية، كما تعهدت بذلك، أمرًا صعب المنال؛ ما يعني أنها قد تجد نفسها مضطرة إما إلى تكوين حكومة مع “قلب تونس” وإما تسليم مهمة تشكيلها إلى رئيس الدولة طبق الفرضية الدستورية الثانية .

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة