الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

في أفغانستان.. التاريخ يعيد نفسه

نقاش بين الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي والجنرال الأمريكي ديفيد بترايوس حول كتاب يروي التاريخ وأحوال البشر والحروب في أفغانستان

كيوبوست

ليست فحسب أرضاً يتناوب على حكمها زعماء الحروب والجهاديون وحكومات مُهلهلة. هناك جوانب غنية في تاريخ هذا البلد المنكوب؛ جوانب تستدعي الاطلاع والدراسة؛ لأن فيها بعض الدروس لمنطقتنا العربية، ولأنها تحمل أيضاً تقاطعات مع كثيرٍ من الأحداث الفكرية والسياسية في العقود الأخيرة.

الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي، لا يكف عن اجتذاب العناوين؛ فقد أنفق حياته في محاربة الماركسية السوفييتية، والإسلام السياسي، واليسار المتطرف، واليمينية الفاشية، أينما ازدهرت هذه التيارات ورفعت رأسها. هنري-ليفي لم يكتفِ بالجلوس في برجه العاجي، كما يفعل غالبية أقرانه؛ بل سافر كثيراً وتنقل بين مناطق صراع عديدة، من حرب استقلال بنغلاديش في 1971، إلى صراعات كردستان العراق، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي أصبح هنري- ليفي ضيفاً شبه دائم على أفغانستان، عارفاً أوضاعها وصراعاتها، وناسجاً علاقات متعددة مع قادتها ومُحركي الحدث هناك؛ ومنهم الزعيم المعتدل أحمد شاه مسعود، (أسد بنجشير).

وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، كلَّف الرئيس الفرنسي، حينئذ، جاك شيراك، هنري- ليفي، بالسفر إلى أفغانستان؛ لمعرفة ما يُمكن أن تقدمه فرنسا لذلك البلد.

برنار هنري- ليفي مع أحمد شاه مسعود في 1998

ومن بعد زيارته سلَّم الفيلسوف تقريراً لسيد الأليزيه، تحول في ما بعد إلى كتاب منشور للعامة، دوَّن فيه ما رآه وشهده واستمع إليه أثناء رحلته. التقرير الذي حمله شيراك كذخيرة معرفية معه في زياراته لواشنطن والعواصم الغربية، احتوى على توصياتٍ لإعادة بناء البلاد؛ لكنه احتوى كذلك استشرافاً لمستقبل نمو الحركات الجهادية والإسلام السياسي، وتحذيراً صريحاً من هنري- ليفي عن احتمالية خفوت العزيمة الغربية في مجابهتها.

الآن ومن بعد سنواتٍ عديدة، يقوم معهد الشرق الأوسط في واشنطن، بترجمة وإصدار هذا الكتاب، بمقدمة خطَّها الجنرال الشهير ديفيد بيتريوس، الذي أمضى فترة مهمة في أفغانستان من بعد دخول أمريكا هناك في 2002، وهو الذي يُعتبر أحد أبطال العسكرية الأمريكية في تلك المرحلة التي اشتبكت فيها في حربَين عويصتَين في العراق وأفغانستان. وأجرى معهد الشرق الأوسط حلقة نقاشية عن الكتاب استضاف فيها الفيلسوف والجنرال، بالإضافة إلى حضور سفير كابول في الإمارات، جافيد أحمد. ونُورد هنا عرضاً لما أتى في هذا النقاش المهم.

بعدها بـ23 عاماً.. برنار هنري ليفي يرافق ابن أحمد شاه مسعود في زيارة للرئيس الفرنسي

الجنرال والفيلسوف

تم افتتاح النقاش بكلمة من الجنرال، قيَّم فيها أثر الكتاب بعد سنواتٍ عديدة من صدوره؛ في البداية تحدث بيتريوس عن ميل الفيلسوف لتبني القضايا العالمية الصعبة والسير في دهاليزها؛ وهو ما أصبح مفقوداً لدى الطبقة النخبوية الجديدة في الجامعات الغربية، وماذا عن الكتاب نفسه؟ لماذا علينا أن نقرأه بعد مرور عشرين عاماً ونيف على صدوره؟ يذكر الجنرال: “هناك بين السطور جمع بين الواقعية الحادة التي تعترف بمعضلات هذا البلد المزمنة، ومصادر الأمل؛ الأمل الذي خطَّه هنري- ليفي في عدة توصيات، ومنها:

1- تحجيم دور الملالي ورجال الدين في الحياة العامة، وذلك عبر المساعدة على بروز جيل من الأفغان والأفغانيات، الذين تلقوا تعليماً مدنياً، وتعرفوا على العالم الخارجي؛ بما يمكنهم من حمل عاتق نقل بلدهم إلى القرن الواحد والعشرين.

2- العمل على بناء أجهزة دولة مدنية قادرة على العمل والصمود في وسط مجتمع عشائري متدين محافظ يفتقر إلى روح الاندماج الوطني وخبرة العمل معاً خارج نطاق العصبيات الضيقة”.

ديفيد بيتريوس قائد القوات الأمريكية والناتو في أفغانستان خلال 2010

ويُشير الجنرال -بذكاء- إلى حقيقة وجود العشرات من الكتب والتقارير الأكاديمية التي تقرأها القلة وتلقى مصيرها المحتوم بالنسيان وسط المكتبات الجامعية؛ لكن ما يميز ما كتبه الفيلسوف وجعله مرجعاً مستمراً هو إشارته إلى مجموعة من الحقائق الصعبة التي يصعب على النخبة الغربية والعالمية ابتلاعها؛ ومنها أن الحروب ضد التطرف والإرهاب ليست ذات تاريخ نهاية قريب، بل لن تنتهي خلال حياتنا، وأننا يجب أن نقبل توريث تركتها الثقيلة لجيلٍ آخر أكثر استعداداً وامتلاكاً لرؤى وخبرات تختلف عما وجدنا أنفسنا عليه. هذه الحقائق الصعبة التي لا يريد أحد أن يتحدث عنها، هي ما ميَّزت كتابات هنري- ليفي عموماً، وما تمنحها استمرارية في عالم تفقد فيه المعلومة قيمتها بسرعة.

بعد فراغ الجنرال من كلمته، بدأ الفيلسوف بالحديث عبر سرد جزء من تاريخ اشتباكه مع أفغانستان، ومنه علاقته مع الزعيم أحمد شاه مسعود -أحد أشد المعارضين لحكم “طالبان”- وإقامته في مقر شاه مسعود خلال ذروة القتال في 1998، ومن بعدها تحدث عن تنسيقه للقاء بين شيراك وشاه مسعود، من خلال دعوة الأخير لزيارة الغرب لأول مرة في حياته.

شاهد: فيديوغراف: أفغانستان.. من الانسحاب الأمريكي إلى صعود “طالبان”

وبالفعل تم ترتيب اللقاء، ليتأجل 4 مرات متتالية على مدى السنين المتعاقبة؛ نظراً لانشغال شاه مسعود بتطوراتٍ ومفاجآت القتال ضد “طالبان”؛ لكن الزيارة تم تدبيرها في مايو 2001 -أي قبل هجمات سبتمبر- وتم إرسال طائرة خاصة إلى طاجيكستان لتحمل الزعيم إلى عاصمة النور؛ لكن بعد وصول شاه مسعود إلى باريس، اعتذر شيراك عن لقائه؛ نظراً لخوفه من أي ضغوط قد تُلقى عليه في موسم الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

وهنا -كما يذكر الفيلسوف- تم اللجوء إلى خطة بديلة عن لقاء شيراك، عبر دعوة شاه مسعود لإلقاء خطاب أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ.

اقرأ أيضاً: الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان لا يضمن السلامَ في أفغانستان

ورغم ذلك غادر شاه مسعود باريس وهو يشعر بخيبة الأمل؛ إذ إنه لم يتمكن من نقل رسالته إلى الرئيس شيراك. وقد قام على أية حال بإخبار مجموعة من أصدقائه الغربيين؛ ومنهم هنري- ليفي، ووزير الخارجية الفرنسي، وقتها، بهذه الرسالة في لقاء خاص، وقد تلخصت في التحذير من نمو قوة ما سماه شاه مسعود “مثلث الكراهية”؛ وهو “طالبان” و”القاعدة” و”باكستان”. هذا المثلث الذي يخطط بمهارة لضرب المصالح الغربية في كل مكان؛ وهو ما حصل فعلاً بعد شهورٍ قليلة من زيارة مسعود إلى باريس.

القوات الأمريكية تنفذ الجزء الأول من خطة الانسحاب من الأراضي الأفغانية.. 2020- “سي إن إن”

وبعد الدخول الأمريكي لأفغانستان وتحريرها من سيطرة “طالبان”، دعا شيراك الفيلسوف لفنجان شاي، في الإليزيه، وهناك عبَّر عن أسفه لعدم لقائه شاه مسعود، الذي اغتالته “طالبان”، وطلب من الفيلسوف أن يزور أفغانستان ويرتحل فيها، ويكتب له تقريراً عما يمكنه أن تقدمه فرنسا لمساعدة هذا البلد، وهو ما فعله هنري- ليفي بالضبط. الذي تحدث أيضاً عن توصيات الكتاب التي تم ترجمتها على أرض الواقع.

بعدها عرج الفيلسوف إلى الوضع الحالي، لينفي ما تتناقله وسائل الإعلام الأمريكية عن فشل المشروع الأمريكي في أفغانستان؛ بل عدَّد الإنجازات التي تم تحقيقها، ومنها خلق طبقة وسطى -نشيطة وإن كانت صغيرة- تتفاعل مع العالم بالأفكار والمنتجات وليس القنابل والإرهاب؛ ومنها بناء منظمات مجتمع مدني حي، وتحجيم دور رجال الدين وأمراء الحرب في الحياة العامة، وتقليل تسلطهم على حريات الأفراد، وإنشاء بنية تحتية في بلد لم يعرفها سابقاً، وتمكين المرأة للدراسة والعمل وممارسة حياتها كما تريد. وانتقد الفيلسوف بشدة توجُّه إدارة بايدن نحو الانسحاب، بوصفه تخلياً متسرعاً عن مهمة آتت كثيراً من ثمارها، وكانت بحاجة إلى مزيد من الصبر.

اقرأ أيضًا: جهود السلام من أجل أفغانستان ربما تكون محدودة جدًا ومتأخرة للغاية

ولم يخلُ حديث الفيلسوف من بعض “النقد الذاتي” الذي وجهه نحو الجهود الغربية؛ حيث عدَّد بعض الأخطاء، وبالذات المتعلقة بإدارة الحرب وحوكمة الإدارة المحلية. إلا أن الصورة الكبيرة -حسب تقييمه- كانت جيدة، أو على الأقل ليست سيئة. ولم يكن ينبغي “هجر” أفغانستان بهذه الطريقة، وفي منتصف الطريق، كما قال.

الدرس الذي كرره الفيلسوف والجنرال أثناء نقاشهما، هو الحاجة إلى نفسٍ طويل في مواجهة حركات الإسلام السياسي والجهاد المسلح. وهذا النفس الطويل وهذا الصبر لا يتواءمان -كما يعترف الفيلسوف متذمراً- مع عالم السياسة اليوم، الذي يحتاج إلى انتصارات جيوسياسية سريعة تصنع العناوين الإعلامية، وتكسب المعارك الانتخابية؛ أفغانستان هي درس لغيرها من البلدان التي تمزقها الحروب، وهي درس لمن يريد التدخل لمساعدة تلك البلدان، والدرس يحتوي على ما يجب وما لا يجب عمله أثناء محاولة انتشال تلك البلاد من قعر الدمار، وإحياء الدولة الوطنية فيها. ويأتي كتاب برنار هنري- ليفي كعلامة مهمة على الطريق.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة