الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

في آخر النهار

كيوبوست- ترجمات

كلير كيغان

نشرت صحيفة “ذا نيويوركر” قصة للكاتبة كلير كيغان، تدور حول علاقة حب تتمزق بين الرومانسية والواقع.

كان آخر أيام الأسبوع يوماً متعباً وطويلاً، وفي الثانية والنصف من بعد الظهر كان كاثال يعمل على ملف توزيع الميزانية، عندما شرد بتفكيره نحو البحيرة القريبة؛ حيث طيور البجع والهواء العليل، تمنى لو أنه كان هناك. دون أن يعي أغلق الملف الذي كان يعمل عليه، دون أن يحفظه. اجتاحه وميض من التوتر، نهض إلى حمامات الرجال، جلس قليلاً حتى استجمع أعصابه ثم غسل وجهه، وفي طريق عودته توقف ليأخذ كوباً من القهوة؛ حيث التقى كاثرين التي ألقت عليه التحية.

اقرأ أيضاً: هل أصبحت الحرب إنسانية أكثر مما ينبغي؟

جلس إلى مكتبه وفتح الملف الذي كان يعمل عليه؛ كي يعيد كتابة ما كان قد أنجزه قبل أن يغلق الملف. عدل وضعية الشاشة وغيَّر لون الخط؛ ليصبح أكثر سطوعاً كي يتمكن من الرؤية بشكل أفضل مع انعكاس وهج الشمس على شاشته. حاول أن يركز مرة أخرى؛ ولكنه قرر أن يتحول إلى عمل آخر.

وبحلول الساعة الخامسة كان قد أنجز طباعة رسائل رفض لطلبات الحصول على منحة في الفنون المرئية. غادر المكتب واستقل الحافلة؛ حيث جلس بالقرب من امرأة بدينة كثيرة الثرثرة. كانت حركة المرور مزدحمة في تلك الساعة إلى أن تجاوزوا المنعطف إلى الطريق الرئيسي حيث الأشجار والحقول الخضراء والتلال التي كان يشاهدها كل يوم، ولكنه لم يتسلقها قط.   

في الموقف التالي، صعدت امرأة شابة إلى حافلة وجلست في المقعد الفارغ المقابل له. كان عطرها مألوفاً؛ ولكن مهلاً، لا بد أن هنالك الآلاف، إذا لم يكن مئات الآلاف من النساء يستخدمن العطر نفسه.

صورة تعبيرية- أرشيف

رجع بذاكرته إلى أكثر من عام بقليل، عندما كان يركض أسفل الدَّرَج ليلتقي سابين، ليذهبا معاً إلى المعرض الوطني للفنون. وقف خلفها يتنفس عطر شانيل بينما كانت تتأمل لوحات فيرمير. استقل الاثنان الحافلة إلى منزله في آركلو، وأمضيا النهار معاً.  لم يمضِ وقت طويل قبل أن تبدأ سابين في قضاء عطلات نهاية الأسبوع في آركلو؛ حيث كانت تعتني بكاثال وتطهو له ما يحب. اعتبر كاثال ذلك حباً.

ذات مساء، بينما كانت سابين تصنع تارت الكرز، عرضَ كاثال عليها الزواج؛ استغرق الأمر ثلاثة أسابيع من الإقناع قبل أن توافق، وشهراً قبل أن تجد خاتم الخطوبة الذي يناسبها في متجر للمجوهرات الفاخرة. كان الخاتم من الذهب الوردي مرصعاً بماستَين؛ ولكنه كان بحاجة إلى تصغير قياسه. وعندما عادا لاستلامه بعد بضعة أسابيع قيل له إن عليه أن يدفع 128 يورو إضافية لقاء التصغير.

أخرجها كاثال إلى الشارع، قائلاً إنه يجب أن يرفضا دفع تلك الرسوم؛ ولكنها قالت إنها أخبرته مسبقاً بالتكلفة الإضافية. انتفض كاثال في وجهها “هل تعتقدين أنني مصنوع من المال؟!”.

اقرأ أيضاً: الوقوع في الحب يحدث تغييرات جينية في جسد المرأة

حدقت فيه وكانت على وشك أن تستدير وتغادر. تراجع كاثال وأمسك بذراعها معتذراً. عاد إلى المتجر ودفع قيمة الخاتم والمبلغ الإضافي. أخبره الصائغ أنه لن يمكنه إرجاع الخاتم بما أنه قد تم تعديل قياسه، فأجاب بأنه لن يكون هنالك من داع لذلك. كانت بقية اليوم مشحونة؛ ولكن في ما تبقى من عطلة نهاية الأسبوع سارت الأمور على ما يرام. يبدو أنهما قد تجاوزا عقبة جدالهما الأول.

عندما توقفت الحافلة في آركلو توجه كاثال إلى منزله، لم يجد في الثلاجة سوى الكاتشب والخردل وقالب الكيك وزجاجة الشمبانيا التي طلبها شقيقه لحفلة توديع العزوبية، بالإضافة إلى وجبة جاهزة مجلدة من الدجاج والخضار. وضع الوجبة في المايكرويف، ثم جلس ليتناولها بينما يتنقل بين المحطات التليفزيونية المختلفة.

في مثل هذا الوقت من الشهر الماضي، وصلت شاحنة تحمل كل أغراض سابين. صناديق وكتب وملابس وأحذية وصور لأشخاص لا يعرفهم؛ علقتها في أرجاء المنزل. كانت تتصرف وكأن المنزل ملك لها؛ كانت تبدو مختلفة، ترتدي بدلة رياضية ولا تضع مساحيق تجميل، تتعرق وتنقل الأشياء في المنزل.

علاقة حب تتمزق بين الرومانسية والواقع- صورة تعبيرية

بدا وكأن الرومانسية قد أعطت مكانها للواقع. أثناء تناولهما العشاء أخبرته سابين أنها خرجت لتناول مشروب مع زميلته في العمل سينثيا، وأنهما تحدثتا عن الرجال؛ حيث أخبرتها سينثيا أن كل ما يريده الرجال الأيرلنديون منّا هو أن نصمت وأن نعطيهم ما يريدون. صمتت لبرهة ثم قالت “هل تعلم أنك لم تشكرني قط على وجبة أعددتها هنا أو أنك أعددت لي فطوراً في يوم ما؟”. انتهى الأمر بهما إلى جدال اتهمته فيه سابين بأنه ذكوري كاره للنساء.

كانت الساعة تجاوزت الثامنة عندما انتهى كاثال من تناول وجبته، جلس يشاهد برنامجاً عن الأميرة دايانا. كان يراوده شعور غريب لم يختبره من قبل، لم يتمكن من النوم، أخرج هاتفه المحمول وتفقد رسائله، كانت إحداها من ثلاث كلمات فقط “هل أنت بخير؟”؛ بدأ يكتب الرد ولكنه حذف ما كتبه وأغلق هاتفه المحمول. ذهب إلى الثلاجة، وأخرج قالب الكيك وزجاجة الشمبانيا.

وضع رأسه على الوسادة وترك عقله يغرق في ذكريات طفولته، والدته تقف أمام موقد الغاز وتصنع الفطائر، والده جالس على رأس الطاولة، وهو وشقيقه على الجانبَين. الوالدة تخدم الجميع وتضع الأطباق أمامهم. كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل عندما استيقظ كاثال، كان التليفزيون لا يزال يعمل. أطفأ التليفزيون وجلس يستمع إلى هدوء المنزل.

اقرأ أيضًا: 8 أنواع من الحب عرفها الإغريق.. تعرف عليها؟

في مثل هذه الساعة من اليوم التالي كان يفترض أنه سيكون يرقص مع سابين في فندق آركلو باي. تذكر أنه قد دفع قيمة الوجبات الخفيفة التي سوف تقدم مع الشاي عند الساعة 11 مساءً. إنه لن يرى تلك النقود التي دفعها. حلق عقله بغباء وهو يحدق في زجاجة الشمبانيا الفارغة ويفكر كم كلّفته فطيرة الكرز تلك.

فتح النافذة ليستنشق نسيم الليل ويستمتع بهدوئه؛ ولكن ضجيج دبور دخل غرفته قطع عليه تأملاته. تناول حذاءه وأشعل الضوء وبدأ يلاحق الدبور ليقتله. تصاعد تيار من الغضب في دمه، قفز على الأريكة ليصل إلى الدبور دون جدوى. فكر بسابين وبكاثرين التي ألقت عليه التحية في الصباح وبسينثيا التي أخبرت سابين عما تفكر به تجاه الرجال.

تصاعد غضبه، قفز وراء الدبور من مكان لآخر حتى قتله، وعندما ألقى به خارجاً وأغلق النافذة شعر ببرود وارتياح.

دخل غرفة نومه، واستلقى على سريره، وعندما أغمض عينَيه تراءت له ياقة قميص زفافه البيضاء وكومة بطاقات التهنئة والرسائل غير المفتوحة، والخاتم الماسي الذي لم يستطع إرجاعه. وسمعها مرة أخرى تقول في آخر النهار وبوضوح شديد إنها لم تعد تريد الزواج منه.

المصدر: ذا نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة