الواجهة الرئيسيةمقالات

فيليب سيمور هوفمان.. رحل مبكرًا

كيوبوست- عبيد التميمي

قبل عدة أيام، وفي تاريخ 2 فبراير تحديدًا، كانت الذكرى السادسة لوفاة الممثل فيليب سيمور هوفمان، إثر جرعة زائدة من المخدرات، مخلفًا وراءه إرثًا سينمائيًّا قيِّمًا، وجرحًا عميقًا للسينما الأمريكية والجيل المرافق له من الممثلين والمخرجين والكتّاب.

بزغ فجر فيليب سيمور هوفمان في بداية التسعينيات الميلادية، واستطاع في فترة قصيرة الحصول على أدوار ثانوية في أفلام احتفى بها النقاد، وكان أداؤه في هذه الأفلام أحد أهم الأسباب لنجاح هذه الأفلام نقديًّا. في التسعينيات بدأت مسيرة هوفمان مع صديقه المخرج والكاتب بول توماس أندرسون. وفي التسعينيات ظهر هوفمان بدوره الكوميدي الرائع في فيلم الأخوين كوين “The Big Lebowski“؛ لكن التسعينيات بالنسبة إلى هوفمان لم تكن سوى البداية.

فيليب هوفمان مع صديقه المخرج والكاتب بول توماس أندرسون

انطلق في مسيرة حافلة في الألفية الجديدة، وافتتحها بأحد أفضل أدواره في فيلم “Almost Famous“؛ ومنها انطلق بشكل أفضل في عقد استطاع المشاركة فيه في أفلام درامية رائعة، وتوج مسيرته في عام 2005 حينما حصل على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل رئيسي عن دوره في فيلم “Capote“؛ حيث قام بتأدية دور الكاتب الشهير ترومان كابوتي. استمر بعد ذلك هوفمان في هذه المسيرة، واستطاع الحفاظ على توازن ما بين الأدوار الرئيسية والأدوار الثانوية؛ فهو يتصدر مشاهد البطولة مرتَين في فيلمَي “Doubt”  و”Synecdoche, New York“، ومن ثَمَّ يستغرق سنةً كاملةً مستمتعًا بأدوار في أفلام كوميدية؛ مثل “Pirate Radio“.

اقرأ أيضًا: فيلم 1917 .. سباق مع الزمن

المرة الأولى التي أدركت فيها أهمية هوفمان وحجمه كممثل كانت في فيلم “Doubt”، شاركه البطولة ميريل ستريب وإيمي آدمز. يتحدث الفيلم عن اشتباه حادثة تحرش قس بأحد الأطفال، و”الشك” المصاحب لهذه الحادثة. هوفمان، بطبيعة الحال، كان يؤدي دور القس. لا أبالغ إطلاقًا في أن نجاح ذلك الفيلم كان يعتمد اعتمادًا مباشرًا على أداء هوفمان؛ لأن الفيلم كان يتمحور حول الشك المحيط بهذا القس وتصرفاته، ولم يعطِ الفيلم أية إجابة واضحة بخصوص براءة القس من عدمها. وكان على الفيلم أن يحافظ على هذا الغموض طوال الوقت، وارتبط ذلك ارتباطًا مباشرًا بأداء هوفمان، فهو في كل مشهد قادر على أن يسحرك بشخصيته ويجعلك تثق فيه ثقةً كاملةً، وفي الوقت نفسه يبعث فيك شعورًا مريبًا بأن كل هذه الطيبة يكمن خلفها كابوس موحش.

فيليب هوفمان وميريل ستريب في مشهد من فيلم “Doubt”

حينما أفكر في مقدار الخسارة الفادحة المتمثلة في وفاته، أعتقد أن التنوع الرهيب في مسيرته هو السبب؛ هوفمان لم يكن متنوعًا من ناحية اختيار الأفلام فحسب، بل كان متنوعًا في اختيار حجم أدواره؛ فهو يمتلك التواضع الكافي ليبتعد عن بقعة الضوء مختفيًا في دور ثانوي، ويملك الثقة الكافية في أن يتصدر المشهد مرة أخرى وبكل سهولة. هل هذا يعني أن أدواره الثانوية أدوار منسية؟ على العكس تمامًا، إنه يمتلك القدرة على خطف الأضواء من خلال هذه الأدوار الثانوية من زملائه الممثلين بكل اقتدار.

اقرأ أيضًا: “سنونوات كابول”.. من صفحات الكتب إلى شاشات السينما

 أحد أشهر الأمثلة على ذلك هو دوره الرائع في فيلم “Charlie Wilson’s War“؛ فحينما يُذكر اسم هذا الفيلم نحن لا نفكر في أن الفيلم من بطولة توم هانكس وجوليا روبرتس، لا نذكر اسم المخرج أو الكاتب، نحن نذكر أداء فيليب سيمور هوفمان فقط، نذكر الكاريزما الصارخة التي اقتحم فيها ذلك الفيلم، والتي بسببها، وبسببها فقط، تغيَّرت نبرة الفيلم بشكل كامل وتسارع النسق فيها؛ ليس لشيء إلا لأدائه فقط.. لقد كان أداءً رائعًا؛ لكن هذا أمر اعتيادي في قاموسه. فمثال آخر هو دوره في فيلم “Manolia” للمخرج بول توماس أندرسون، وكيف استطاع هوفمان تقديم أحد أفضل مشاهد الفيلم وأكثرها مأساوية دون أي ممثل معه في المشهد، كل ما تطلبه الأمر هو نَص، وسماعة هاتف، وفيليب سيمور هوفمان.

فيليب هوفمان في مشهد من فيلم “Charlie Wilson’s War”

دوره في فيلم “Scent of a Woman” كان السبب الرئيسي لبداية الشراكة بينه وبين بول توماس أندرسون؛ حيث يتحدث المخرج عن ذلك الدور ويقول إنه وقع في حب الممثل تمامًا، وأدرك أنهما مناسبان تمامًا للعمل سويًّا. وحتى ندرك حجم موهبة هوفمان ومقدار التأثير الذي يملكه، فجميع الأفلام التي حصل فيها تعاون بينهما كان أندرسون يكتب أدوار هوفمان خصيصًا له؛ أي أنه كان مقتنعًا تمامًا أنه دون هوفمان الدور لا وجود له على الإطلاق. التعاون الأخير الذي جمعهما كان في فيلم “The Master“، خواكين فينيكس الذي شاركه بطولة الفيلم، تحدث عن أحد المشاهد الذي تطلب من هوفمان أن يكون غاضبًا؛ حيث قال فينيكس إنه في تلك اللحظة حاول أن يتجنب هوفمان وأن لا تلتقي نظراتهما، لأنه كان خائفًا منه، فقد كان كالبركان.

الشخصية والحضور اللذان يُحضرهما هوفمان إلى الشاشة الكبيرة هما أمر فريد، ومقدرته على تأدية أدوار متناقضة ومتضاربة هي أمر يدعو إلى التوقف طويلًا؛ فنحن نعيش في عصر تمت قولبة جميع الممثلين فيه، ويكفي أن تنظر إلى قائمة تضم أفضل الممثلين حاليًّا وسوف تبدأ بمشاهدة نمط يتكرر في اختيار الأدوار، وهذا ليس خطأ الممثلين أو استنقاصًا بحقهم؛ لكن هي حقيقة أن مَن يكتب هذه الأفلام ويخرجها لم يستطع تخيُّل الممثلين في أدوار مختلفة وجديدة، وحينما يستطيع ممثل أن يكسر هذه الحلقة المتكررة ويأتي بدور مغاير ينبهر الجميع؛ لإدراكهم تمامًا صعوبة الخروج من قالب معين.

اقرأ أيضًا: في “Angel Has Fallen” روسيا بريئة من محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي

فما بالك بممثل ناقض أدواره وضاربها بشكل مستمر؛ ممثل قادر على تجسيد الخير والطيبة والخجل والخضوع في دور ما، ومن ثَمَّ تجسيد الشر والغضب بشكل مهيب كما لم يتم تجسيدهما من قبل، وقادر على تأدية دور الضحية ومرتكب الجريمة، رجل الدين وصاحب المعصية، قادر على تأدية أكثر الأدوار سوداوية وكآبة وأخفها ظلًّا.

لم يكن هوفمان بطل شباك تذاكر، ولم يكن الممثل الذي يحصل على دور البطولة في جميع أفلامه؛ لكنه قادر على العمل مع كل أنواع المخرجين، ومجابهة أكثر الممثلين موهبةً. رحل هوفمان قبل ست سنوات، لم أشاهد منذ حينها سوى فيلم واحد له، وأؤجل مشاهدة بقية أفلامه باستمرار.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة