الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

فيلم The Last Duel.. المبارزة الأخيرة

كيوبوست – عبيد التميمي

فيلم The Last Duel هو فيلم درامي تاريخي، من إخراج ريدلي سكوت، وكتابة نيكول هولوفسنر ومات ديمون وبين أفليك.

وهذا هو أول فيلم يشارك النجمان في كتابته منذ أول تعاون بينهما في فيلم Good Will Hunting. الفيلم من بطولة مات ديمون وآدم درايفر وجودي كومر وبين أفليك. يتحدث الفيلم عن اتهام زوجة أحد الفرسان لرجلٍ آخر بالاغتصاب، وفي القرن الرابع عشر في فرنسا، لم يكن هناك سبيل لتسويةِ الأمر إلا بمبارزة بين المدعي والمدعى عليه، حيث يظفر الفائز بهذه المبارزة ليس بالانتصار بالقضية وحسب، بل بالمجد والشرف.

“تريلر الفيلم”

 

يركز الفيلم بشكلٍ كامل على أهمية السياق في سرد الأحداث التاريخية، وكيف أن كل حدث يمكن روايته بشكل مختلف على حسب الراوي. والنقطة الأهم هي أن الرواية التي سوف تتناقلها الأجيال هي رواية الشخص المنتصر. إنها زاوية فريدة ومنعشة جداً حينما نشاهدها في سياق تاريخي. خصوصاً حينما يكون الفيلم مبنياً على أحداثٍ حقيقية، وحينما يتناول الفيلم موضوعاً حساساً حتى يومنا هذا، وهو الاغتصاب.

هناك ثلاثة فصول لأحداث الفيلم، وكل فصل تتم روايته من منظور أحد الشخصيات الثلاث الرئيسية في هذا الصراع. الفصل الأول من منظور جان (مات ديمون)، والفصل الثاني من منظور جاك (آدم درايفر)، والفصل الثالث من منظور مارغريت (جودي كومر).

النقطة الأهم التي يشرحها الفيلم بشكلٍ متواصل، هي أن كلَّ شخص هو بطل قصته، والحقيقة الكاملة لا تقبع في مكانٍ واحد، لكنها موزَّعة بين هذه الروايات.

جان يرى نفسه فارساً مغواراً بطلاً يقف للمظلومين، ويحب زوجته حد الجنون، ليس ذلك فحسب بل هو هادئ الطباع وحسن المعشر، لذلك فمن السهل تماماً أن نلاحظ التغيير الجذري في شخصيته، حينما تتم رواية الأحداث من منظور الأطراف الأخرى، جاك يراه شخصاً متهوراً برغم ضراوته في أرض المعركة، وزوجته لا تعلم شيئاً عن مدى فروسيته لكنها قطعاً شاهدة على نوبات غضبه التي لا يمكن التنبؤ بها.

“المخرج ريدلي سكوت مع مات ديمون وجودي كومر”

مع كل فصلٍ جديد لا نلاحظ الاختلافات الضخمة في الرواية فقط، بل حتى التفاصيل الصغيرة، نشاهد كيف أن كلَّ عملٍ، وكلَّ حدثٍ، قابلٌ للتفسير بأكثر من طريقة، حسب الشخص، وحسب زاوية الرؤية.

لكن أهم أحداث الفيلم التي اختلفت فيها الرواية هو مشهد الاغتصاب، وقبل أن نشاهده فقد تعرفنا على شخصية جاك وطبيعته، جاك الزائر الدائم للحفلات الماجنة والذي يعتبر موقف الفتاة وهي تهرب منه في حفلةٍ الجميع فيها ثمل، هو نفسه موقف المرأة التي يقتحم منزلها بالخدعة، ويطاردها حتى يصل إلى غرفة نومها.

الفيلم لا يبرر إطلاقاً هذا الفعل الشنيع، ولكنه يوضح كيف أن ما حصل بالنسبة لجاك هو ليس اغتصاباً، فهو معتاد أن يطارد الفتيات، ويأخذهم رغماً عنهم، لذلك حينما ينفي هذه الاتهامات فهو بنظره بريء فعلاً ولا يكذب.

اقرأ أيضًا: مسلسل Squid Game – لعبة الثراء أو الموت

أحد أفضل الأعمال التي ناقشت فكرة اختلاف الروايات، وكيف أن كل قصة تمتلك عدة جوانب هو مسلسل The Affair، لكن ذا أفير كان لديه ميزة افتقدها هذا الفيلم، وهي ببساطة أنه عمل تلفزيوني يمتلك عدة حلقات، فهو يمتلك رفاهيةَ الوقت، ويستطيع إمضاء وقتٍ مطول في دراسة التفاصيل، وعرض الشخصيات تحت أكثر من ضوء.

بينما عانى الفيلم بشكلٍ واضح من السرد، وكان بطيئاً بشكلٍ جلي في أغلب فتراته، وهو أمر ليس سيئاً بالضرورة، ولكن في هذه الحالة هو مشكلة لأننا نشاهد أحداثاً روتينية متكررة بدون استكشافٍ حقيقي للشخصيات، ولكن فقط مشاهدة الأمور من منظورها.

اقرأ أيضًا: Pieces of a Woman.. عن تراجيديا الفقد

أعتبر هذا الأمر مشكلة؛ لأن الفيلم بذل جهداً واضحاً في تصويرِ الاختلافات في الأحداث بين شخصية وأخرى، ولكن لم يكن هناك نفس الجهد المبذول في تطوير الشخصيات نفسها حتى أن نعتبر الاختلافات في أفعالها منطقية.

على سبيل المثال، فمن غير المنطقي أن يرى جان نفسه زوجاً حنوناً ومتسامحاً لأقصى الحدود، بينما تشاهده زوجته قنبلة موقوتة، وتحاول أن تتفادى مواجهته بأي ثمن، كان من الممكن أن نشاهد مارغريت تستفز جان دائماً في فصله من الفيلم  حتى يجد مبرراً لغضبه، أو أن نشاهد لمحاتٍ بسيطة من غضبه تظهر في غير مكانها كمؤشر على شخصيته في عيني زوجته، لكن هذا التضاد الواضح بين المنظورين لا يجعل من الزواج ممكناً بالأساس.

مشهد من الفيلم

بلغ الفيلم أقصى مراحل الإثارة في فصله الأخير، المواجهة الحاسمة بين جان وجاك كانت استثنائية، بدايةً من التصوير العلوي لميدان المعركة لإضفاء هيبة وقدسية للمعركة بين الرجلين، الأجواء الداخلية لخيمة كل مقاتل، وتفاصيل الدروع وكيفية ارتدائها، والاعتماد شبه الكامل على المؤثرات العملية التي جعلت من مشاهد القتال تبلغ أعلى درجات الواقعية.

اقرأ أيضًا: A Serious Man.. محاولة إيجاد المعنى

بالنسبة لفيلم جعلنا ننتظر أكثر من ساعتين حتى نشاهد النزال الأخير، فهو كان نزالاً يستحق الانتظار بكل تأكيد. والشاعرية في هذا النزال هو أنه ليس أكثر مشاهد الفيلم دموية فقط بل أكثرها درامية؛ لأن ما على المحك هو الشرف والمجد واستحقاق الحياة. ولا يخلو المشهد من السخرية في كون رجلين يتصارعان حتى الموت، وفي المدرجات امرأة بريئة تنتظر أن يتم تقرير مصيرها بناءً على هذا النزال الوحشي الذي لا يمت للعدل بأي صلة.

 وبما أننا كمشاهدين لا نجد في هذين الرجلين صورة البطل الذي يستحق أن نقف معه، كون أحدهما زوجاً يسيء معاملة زوجته باستمرار، والآخر رجل مغتصب. لكن ذلك لا يمنع الفيلم من تصوير معركة فردية رائعة، وهي بلا شك أحد أفضل المشاهد القتالية خلال هذا العام السينمائي، نزال يتقاتل فيه رجلان من أجل اكتساب كل ما يجلبه الفوز من مجد وشرف وثراء، وتقف فيه المرأة المضطهدة مكتوفة اليدين تنتظر مما يُفترض أنها تكون “عدالة سماوية” أن تنصفها، وهي تعلم كل العلم أن ما سوف يحدد مصيرها هو مهارة زوجها في القتال، وإذا ما كانت سوف تكفي حتى تردَّ عنها العار والموت.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة