الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

فيلم “hypernormalisation”.. عالم مبسط تحكمه التكنولوجيا والمال

كيوبوست

بدءاً من عام 1975 حتى يومنا هذا، يرصد فيلم “hypernormalisation” للمخرج البريطاني آدم كيرتز، إنتاج “BBC”، مجموعة أحداث قادت العالم ليكون نسخة مبسَّطة، تحكمه البنوك ويساعدها في ذلك أنظمة تقنية تحاول توقع أحداث المستقبل عبر جمع البيانات وتحليلها، بينما يتقلص دور السياسة.

حكم المصرف

يسلط الفيلم الضوء على انحسار دور السياسيين الذين آثروا الانسحاب بدلاً من مواجهة الشكل الحالي للعالم، وفي هذا السياق يتطرق الفيلم إلى اللحظة المفصلية التي سحبت فيها البنوك البساطَ من تحت أرجل السياسيين، وذلك بعد عام 1975 عندما أسرفوا بالاقتراض منها لتحقيق الرفاهية لمدينة نيويورك، لتصر البنوك بعدها على تولِّي إدارة المدينة لاسترداد القروض المستحقة، فشكَّلت لجنة لإدارة الأمور المالية للمدينة مكونة من 9 أشخاص؛ 8 منهم مصرفيون!

اقرأ أيضاً: فيلم 1917 .. سباق مع الزمن

في منتصف الثمانينيات تجذَّرت قوة وهيمنة البنوك، فأصبحت تُدير المجتمعات. الفكرة انتشرت من خلال نظم خفية؛ حيث ربطت الشركات مؤسساتها بالحاسب الآلي للبنوك، التي شرعت بتكوين شبكات معلوماتية منحت الشركات قوة للسيطرة.

التغيير الذي طرأ على النظام دفع الكاتب الأمريكي الكندي ويليام جيبسون، لتخيُّل عالم جديد خطير وبلا قانون ومسيَّر عبر أنظمة خفية وغامضة، سمَّاه “عالم الفضاء الإلكتروني”.

رؤية ساذجة: أمريكا تتصدى للأشرار

بانتخاب رونالد ريجان رئيساً، قابلت أمريكا قدرها بأن تحارب الأشرار وتحول العالم إلى مكان أفضل، وبهذه المرحلة ستواجه غضب الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، بعدما تحطم أمله بتوحيد العرب لمواجهة الغرب، وذلك بعدما أقنع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، السادات، بتوقيع اتفاقية سلام منفردة مع إسرائيل.

صورة تجمع هنري كيسنجر وحافظ الأسد- “le point”

من جانبها، كانت إسرائيل عازمة على تدمير قوة الفلسطينيين في مخيمات لبنان عام 1982، وبعد المجازر التي ارتكبت بحق الفلسطينيين هناك، أرسل ريجان قوات شدَّد على حياديتها لقيادة حفظ السلام في المنطقة، إلا أن الأسد رأى أن الخطوة هي مؤامرة أمريكية- إسرائيلية، لذلك اعتزم إخراج أمريكا من المنطقة عبر عقد حلف جديد مع إيران بقيادة روح الله الخميني، والذي قدم سلاحاً جديداً ومبتكراً متمثلاً في التفجيرات الانتحارية.

عام 1983 فجَّر انتحاريان من “حزب الله”، الذي لم يُسمع عنه من قبل في ذلك الوقت، نفسيهما داخل ثكنة عسكرية لقوات المارينز التي أرسلها ريجان؛ ما دفعه لسحب قواته، وكان ذلك إنجازاً للأسد؛ فهو الرئيس العربي الوحيد الذي أجبر الأمريكان على المغادرة.

إدارة الوعي

بينما كانت أمريكا تواصل جهودها لمواجهة الاتحاد السوفييتي، ظهر ما يُسمى بـ”إدارة الوعي” الذي استحدثه مستشارو ريجان لتشتيت وعي الشعب؛ فخلال تجريب أمريكا لطائرات حربية، ومن أجل إقصاء الجماهير، تم إيهامهم أن تلك الأجسام المضيئة في السماء هي صحون طائرة.

الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان- “history”

وفي سبيل تكريس الدور الذي تبنته أمريكا، على أنها الخير الذي يصارع الشر، وجدت أمريكا شخصاً يمكن تصويره كطاغوت شرير وهو معمر القذافي؛ حيث تم اتهام ليبيا بالمسؤولية عن (تفجيرات طائرة لوكربي) عام 1988، علماً بأن هناك مَن اعتقد أن سوريا هي المسؤول الحقيقي.

استمر رسم القذافي على أنه أحد أشرار العالم حتى وجد كل من توني بلير وجورج بوش نفسيهما في مأزق أمام الجماهير الغاضبة من تبعات غزو العراق، ومن أجل إقناع الناس بجدوى الغزو، تم طرح القذافي كمفكر عالمي معاصر، وتحويله من “طاغوت عالمي زائف”، إلى “بطل ديمقراطي زائف” بزعم تأثره من غزو العراق.

أنظمة خفية

اقتبس تقنيون طوباويون أمريكيون فكرة جيبسون حول عالم الفضاء الإلكتروني، وحولوها إلى يوتوبيا جديدة، معتقدين أن العالم الافتراضي سيُخرج العالم من قسوته؛ حيث زعموا أنه خالٍ من أية سلطة هرمية وأي قوانين سلطوية.

إلا أن قرصانَين أمريكيَّين، وهما فايبر أوبيتك وأسيد فريك، حاولا دحض الادعاء عبر اختراق شركة “تي آر دابليو”، التي صممت برنامجاً يقدم للبنوك المعلومات الائتمانية للمستخدمين، من أجل تسخيرها لمصلحتها.

كان من الواضح ضمن تلك المعطيات أن النظام القديم كان يحتضر، وأن نظاماً جديداً يُولد، يسعى للمحافظة على استقرار المجتمع عبر توقع المستقبل، فقد استُحدثت برامج وأنظمة لجمع المعلومات ورصد الانفعالات (توقع المستقبل عبر تحليل بيانات الماضي).

عالم بلا سلطة

ظهرت السوشيال ميديا؛ ومن ضمنها “فيسبوك” الذي استخدم فلاتر لدراسة إعجابات المستخدمين، وبناء عليه تحديد المنشورات التي تظهر لكل مستخدم، وتحييد المنشورات الخارجة عن اهتمامته، والتي تخالف أفكاره ومعتقداته؛ لدرجة أن الأفراد أصبحوا معزولين بفقاعات من معلومات وأفكار محددة لا يرون غيرها.

اقرأ أيضاً: روسيا في عهد بوتين.. العودة إلى القيصرية

أصبحت السوشيال ميديا توجه الناس؛ فثورة يناير في مصر بدأت عفوية، إلا أن الإنترنت لعب دوراً كبيراً في تفعيلها، ومن خلالها أثبتت القدرة الثورية للإنترنت، وإنه بالإمكان قيام ثورة بلا قادة، فخلالها احتشد المتظاهرون؛ لكنهم بعد ذلك كانوا تائهين؛ نتيجة غياب الرؤية، فانقضت جماعة الإخوان المسلمين عليها؛ ما دفع الناس للاستعانة مرة أخرى بالجيش عام 2013، بتأثير “فيسبوك” أيضاً.

ثورة يناير في مصر بدأت عفوية إلا أن الإنترنت لعب دوراً كبيراً في تفعيلها- “BBC”

وفي سوريا، انكشف ضعف السياسة الغربية، فما بدأ على أنه ربيع عربي تحول إلى حرب أهلية مروعة بين بشار الأسد وخصومه، وخلال الأزمة أصيب السياسيون الغربيون بحيرة، فقد اتضح أن خصوم بشار أكثر شراً منه، فتدخلت دول أوروبية، وروسيا التي اعتمدت على “الحرب اللا خطية” التي تُعنى بخلق حالة دائمة من قلقلة الوعي.

بعد فشل ثورات الربيع العربي، استحال السياسيون لإداريين وتركوا جزءاً من سلطتهم لعالم المال والبيروقراطية الإدارية، وتبيَّن مدى خطورة وعبثية رؤيتهم الساذجة لتغيير العالم، عبر تغيير الطغاة وتبدل الشعوب تلقائياً للديمقراطية.

لم يكن من المتوقع فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية عام 2017، إلا أن فوزه يمكن تفسيره نتيجة لضعف أشكال السلطة القديمة؛ حيث فقد السياسيون مصداقيتهم، في ظل ظهور أيديولوجيين إسلاميين جدد خلال الأزمة السورية؛ مثل أبي مصعب السوري، الذي يؤمن بنجاعة العمليات العشوائية في الغرب وأمريكا لخلق حالة من القلق، وهذا ما مكَّن حملة انتخابية قد تبدو هامشية؛ مثل حملة ترامب، من الفوز، خصوصاً في ظل تنامي الهجرة التي وصفها ترامب بحصان طروادة.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة