الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

فيلم Elvis.. تشتت سردي وانعدام هوية

كيوبوست- عبيد التميمي

Elvis؛ فيلم بيوغرافي موسيقي من إخراج باز لورمان، ويشاركه في الكتابة سام بروميل وكريغ بيرس. الفيلم من بطولة توم هانكس وأوستن باتلر وأوليفيا ديجونغ وهيلين تومسون. يتحدث الفيلم عن حياة مغني الروك الشهير إلفيس بريسلي؛ عن انطلاقته وصعوده للشهرة بأسلوبه الفريد الذي يجمع ما بين الأغاني الريفية وأغاني البلوز، صراعه مع الشهرة وتبعاتها في وقت كانت فيه الولايات المتحدة الأمريكية تعيش صراعات عرقية متأصلة في المجتمع، وعلاقته مع مدير أعماله توم باركر الذي يقوم بدوره توم هانكس.

”تريلر الفيلم“

عُرف باز لورمان باهتمامه بالأفلام الموسيقية والمسرحية؛ أفلام تكون مفعمة بصخب الحياة وتُظهر ذلك من خلال القيمة الإنتاجية الضخمة المبذولة في إظهار الصورة بأفضل شكل ممكن، وكأنك تشاهد “برودواي موسيقي” لا فيلماً سينمائياً؛ مولين روج وغاتسبي العظيم كمثال على ذلك. وهذا الأسلوب مناسب للغاية لنوع معين من الأفلام -داميان تشازيل صنع أحد أفضل أفلام العقد الأخير في لا لا لاند– لكن لا أعلم إذا كانت هذه هي النبرة المناسبة لفيلم بيوغرافي عن حياة إلفيس بريسلي المأساوية.

اقرأ أيضًا: صراع العروش .. معركة من أجل الحياة

أول لمحة اتضحت فيها ميول لورمان السردية للفيلم كانت في المشهد الافتتاحي لشخصية إلفيس، وقد يكون ذلك المشهد هو أفضل مشاهد الفيلم؛ حيث الربط بين الخلفية الموسيقية التي نشأ عليها إلفيس وتأثر بها، والحالة النهائية التي وصلت إليها موسيقاه في الحاضر، يتنقل لورمان بين مشاهد الطفولة واكتشاف إلفيس للبلوز، وبين شخصيته في الحاضر وهو يتجهز متوتراً لأداء على خشبة المسرح أمام جمهور يشاهده لأول مرة. التنقل السريع والتصاعد التدريجي للموسيقى خلق جواً خاصاً بالشخصية، حتى مَن لا يعرف شيئاً عن إلفيس فهو سوف يتعرف عليه من خلال هذه الافتتاحية الانفجارية. أداء إلفيس الصاعق يتخطى الجمهور الواقف أمامه ليصل إلى المشاهدين خلف الشاشة.

أوستن باتلر وتوم هانكس في مشهد من الفيلم

لكن المشكلة أن هذا الأسلوب في التصوير استمر بشكل متقطع على مدار الفيلم في أماكن غير مناسبة. التنقلات السريعة بين زوايا التصوير المختلفة، وانقسام الشاشة إلى عدة شاشات لتصوير أكثر من ردة فعل، أصبحت عاملاً مشتتاً مع مرور الوقت أكثر من كونها أداة سردية. فقد كانت مناسبة للغاية في مشهد إلفيس الافتتاحي؛ لأننا كمشاهدين احتاجنا أن نضع أنفسنا في مكان إلفيس؛ أن نعود إلى أول ذكرى سمع فيها موسيقى البلوز، وأن نعيش أداءه الذي يدفع بالجماهير إلى الجنون لأول مرة؛ لكن هذه أسباب لن تتكرر كثيراً، ومع مرور الوقت ومع كل أداء غنائي يصبح الأمر مكرراً ومسبباً للإزعاج، وفي حالات أخرى يتم استخدام هذا الأسلوب في مشاهد غير موسيقية وعادية جداً؛ مشاهد لا تتطلب هذه الحدة في أسلوب التصوير.

اقرأ أيضًا: فيلم Dune.. تجربة سينمائية متكاملة    

مما يقودنا إلى ثانية مشكلات الفيلم، ألا وهي انعدام الهوية، أو بالأصح ضياعها. في لحظات كثيرة من الفيلم تتغير النبرة بشكل جذري مبتعدة كل البعد عما كانت عليه في عدة مشاهد سابقة. فنحن لا نعلم هل الفيلم سوف يركز على علاقة إلفيس بوكيل أعماله توم باركر، ويروي الفيلم من منظور وكيل الأعمال؟ أم هو سوف يروي قصة إلفيس بشكل روتيني مركزاً على أكبر محطات حياته؟ أم هو معني فقط بتصوير حفلات وأداءات إلفيس الصاخبة بطريقة فريدة لإيصال سحر اللحظة إلى المشاهدين؟

مشهد من الفيلم

في مشهد يكتسب الفيلم أعلى مراحل الجدية والواقعية مبتعداً عن زوايا التصوير المتعددة والتنقل بين حقب زمنية مختلفة بشكل سريع، ويركز بشكل كامل على اللحظة. وفي مشهد آخر، يتحول الفيلم إلى أشبه ما يكون بحلم أو هلوسة؛ بسبب كثرة التنقل بين زوايا التصوير وتداخل الحوارات بشكل يشتت الانتباه، ولا يعلم المشاهد فعلاً هل هو في مشهد يحدث حالياً أم أنه مشهد في حقبة زمنية مختلفة؟ يبرع الفيلم في تصوير السبعينيات بشكل دقيق؛ مركزاً على السيارات والأزياء والشوارع، بل وحتى إضفاء طابع كلاسيكي سبعيني على عدسة الكاميرا لتكون مقاربة لجودة تصوير السبعينيات؛ ولكنه في نفس الوقت يظهر عناوين الأماكن والتواريخ بشكل كرتوني هزلي غريب وغير مناسب. قد تكون المجازفة الوحيدة التي نجح فيها الفيلم هي إضافة أغانٍ عصرية إلى فيلم يصور سبعينيات القرن الماضي؛ كانت الأغاني مناسبة للنسق السريع لمونتاجات الفيلم.

اقرأ أيضًا: فيلم The Last Duel.. المبارزة الأخيرة

لم يساعد الفيلم ضعف حواراته وشخصياته؛ ففي كل مرة يحاول التأني وتقديم لحظة درامية حقيقية كنا نصطدم بحوار هزيل وممثلين يهمسون حواراتهم وكأن الفيلم لا يريد منا التركيز على فحوى هذا الحوار. توم هانكس تحديداً قدم أحد أضعف أداءات الفيلم بل وأكثرها هزلية. أدرك تماماً أن إحدى رسائل الفيلم الرئيسية كانت العلاقة الاستغلالية التي ربطت إلفيس بوكيل أعماله توم باركر؛ لكن توم هانكس قدم شخصية مجوفة وكأنه شرير كرتوني دون صراعات داخلية أو علاقة إنسانية تربطه بإلفيس.

إلفيس بريسلي هو إحدى أكثر القصص المأساوية عن أثر الشهرة والنجومية، عن استهلاك الشغف للنفس البشرية إلى حد يفوق التصور؛ لكن باز لورمان لم يكن قادراً على التركيز على أي من هذه الأمور، بل قدم عدة مونتاجات موسيقية من الممكن أن تكون مقاطع رائعة على “يوتيوب”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبيد التميمي

كاتب سعودي