الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

فيلم Dune.. تجربة سينمائية متكاملة

كيوبوست – عبيد التميمي

فيلم Dune فيلم خيال علمي ملحمي؛ من إخراج الفرنسي ديني فيلانوف، وبطولة نخبة من الممثلين على رأسهم تيموثي شالامي، أوسكار إيزاك، ريبيكا فيرغسون، جيسون ماموا، ستيلان سكارسغارد، جوش برولين وخافيير بارديم. الفيلم اقتباس لرواية الكاتب الأمريكي فرانك هيربرت، والتي نشرت بنفس الاسم في أغسطس من عام 1965.

تتحدث الرواية عن عالمٍ في المستقبل البعيد، حيث استطاع البشر استيطان الكواكب والسفر بينها بكل سهولة، تحت حكم إمبراطور واحد، ويعرض للمشاكل الداخلية بين كبرى العوائل والتي تنبع من المنافسة على النفوذ وتجميع الثروات وتوزيعها.

تريلر الفيلم

رواية «دون» هي إحدى أهم الروايات الأمريكية في القرن الماضي، ويعتبرها النقاد حجر أساس في عالم روايات الخيال العلمي. ويعود ذلك إلى قدرة هيربرت على بناء العوالم بشكل دقيق والتعمق في دراستها ونقلها للقارئ وكأنها واقعية.

من جانبٍ آخر، تمكن هيربرت من اقتباس بعض المصطلحات والأفكار من الثقافة العربية والإسلامية بشكلٍ لافت مثل “المهدي”، ومصطلحات مثل “لسان الغيب” وهي ليست شائعة في الثقافة الغربية، في وقتٍ مبكر جداً فالرواية تم نشرها في ستينيات القرن الماضي من قبل كاتب خيال علمي أمريكي.

غلاف رواية «دون»

يبدو أن المخرج فيلانوف واجه تحديين رئيسيين في صناعة هذا الفيلم: التحدي الأول؛ هو الحجم الهائل من التفاصيل الصغيرة التي تضمنتها الرواية، والتحدي الثاني؛ هو أن الرواية بطيئة الأحداث جداً، ولا تحتوي على دراسة درامية مركزة لشخصياتها بالشكل الكافي. في الحقيقة عالم الرواية وخطوط سير الأحداث الرئيسية هي عوامل جذابة، وأبرز ما يميز الرواية، لكنها تضعف بشكل واضح حينما يتعلق الموضوع بسرعة الأحداث والشخصيات، وتساهم كثافة التفاصيل -التي تزيد من حجم الرواية- وبطء الأحداث في تحويل قراءة الرواية إلى مهمة صعبة.

لكن فيلانوف، وفريق الكتابة المرافق له، قاموا بعملٍ مذهل باقتباس المادة الأدبية، وأصبح فيلم «دون» ملحمة بصرية ودرامية رائعة، وهو استمرار لنجاحات المخرج الفرنسي المتكررة، والتي تضعه كأحد أبرز مخرجي وقتنا الحالي. لم يقدم فيلانوف فقط فيلماً بكامل التفاصيل المهمة والمفصلية للقصة، مبتعداً عن التفاصيل غير الضرورية، بل استطاع تطوير المسارات الدرامية للقصة والشخصيات، وتضمين عناصر بصرية وصوتية تجعل تجربة الانغماس في عالم “دون” تجربة متكاملة.

“مشهد من الفيلم”

أكبر نجاحات هذا الفيلم هي القدرة على تعويض تفاصيل الرواية الكثيفة والمفاهيم المستحدثة، والتي كانت ستستغرق وقتاً طويلاً للشرح، وتحوِّل الفيلم إلى مادة تلقينية. مثال ذلك الرعب الذي يعيشه البطل “بول” وهو يضع يده في صندوق مجهول، حيث تمكن من نقل هذه المشاعر للمشاهد، من خلال صخب الصوت، وطريقة إنارة المشهد المفزعة، ساهم في ذلك تصميم الأزياء، والهيبة التي يضفيها التصوير. استطاع فيلانوف تحويل رواية ثرية التفاصيل وبطيئة الأحداث إلى ملحمة خيال علمي عصرية.

من جانبٍ آخر، تُعتبر الموسيقى والمؤثرات الصوتية، وهو أول ما يستقبلك عند بداية الفيلم، حتى قبل ظهور شعارات استديوهات الإنتاج، جزءاً رئيسياً من نجاح الفيلم. ويمكن اعتبار الفيلم أكثر الأفلام أهمية للملحن الرائع هانز زيمر، حيث لم يقم هانز زيمر بتلحين موسيقى الفيلم بحسب، بل امتدت مساهمته إلى تصميم جو عام للفيلم.

اقرأ أيضًا: فيلم The Last Duel.. المبارزة الأخيرة

في كل مشهد، ومع كل شخصية يتم تقديمها، يقدم هانز زيمر مجموعة من المقطوعات الموسيقية والأصوات الطبيعية والبشرية حتى يخلق عالماً خاصاً بالمشهد أو بالشخصية. لا شك أن الإنجازات البصرية في الفيلم استثنائية، وهناك تكامل بديع بين الصوت والصورة في كل مشهد بصري ملحمي قدمه الفيلم، سواء كان ذلك في مشاهد ضخمة مثل مشهد كشف دودة الأرض أو المعارك، أو على نطاقٍ ضيق وبسيط مثل المعارك المباشرة بين الأفراد.

“مشهد من الفيلم”

نجح فريق المؤثرات البصرية بقيادة بول لامبرت (الذي سبق وتعاون مع فيلانوف في فيلم Blade Runner 2049) بتقديم عدة عوالم فريدة من نوعها، لكل عالم خصائصه وشخصيته، ويتكامل هذا النجاح مع المصور السينمائي غريغ فريزر الذي يضفي درجة من الواقعية على هذه العوالم وما يتخللها، حينما يقوم بتصوير الشخصيات مقابل أمور مستحدثة من قبل فريق المؤثرات البصرية؛ مثل السفن الفضائية، والمباني، والبيئات المتعددة.

طريقة تصوير هذه المشاهد، وطريقة تلوينها، يجعلنا في نفس وضع الشخصيات. صحيح أن هذه الشخصيات من المفترض أنها تعيش في مستقبلٍ بعيد، وعلى عدة كواكب مختلفة، وغير حقيقية، لكن البيئات في هذه الكواكب كلها مألوفة، وحينما نشاهد الشخصيات، بجانب كائنات مرعبة أو مبانٍ عملاقة، فهذا يعزِّز من شعورنا بضعف هؤلاء البشر أمام العالم المحيط بهم، حيث إن كل ما يملكونه هو تقنيتهم الحديثة فقط.

اقرأ أيضًا: مسلسل Squid Game – لعبة الثراء أو الموت

في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد جائحة كورونا، أصبحت الاستوديوهات تتجه إلى إصدار أفلامها بشكلٍ جزئي في منصات العرض؛ مثل “نيتفليكس” وHBO MAX، وهو ما حصل مع هذا الفيلم تحديداً.

لكنني مقتنع بشكلٍ تام أن هذا الفيلم بكل ما فيه من طموح وجنون وجرأة لا يمكن احتواؤه في شاشة صغيرة أو مسرح منزلي. هذا الفيلم يستحق أن تستشعر كلَّ ما يقدمه من تجارب على الشاشة الكبيرة؛ لأنه أمرٌ نادر الحصول.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبيد التميمي

كاتب سعودي