الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

فيلم Don’t Look Up.. وعظية آدم مكاي المستهلكة

فكرة استهلاك البشر لهذا الكوكب ليست بالجديدة.. وتقديمها بهذا الأسلوب الوعظي الساخر لم يساعدها مطلقاً

كيوبوست- عبيد التميمي

فيلم “Don’t Look Up” من كتابة ديفد سايروتا وآدم مكاي وإخراج الأخير، وبطولة سلسلة من كبار النجوم في الساحة؛ على رأسهم ميريل ستريب وكيت بلانشيت وليوناردو ديكابريو وجينيفر لورنس وجوناه هيل. يتحدث الفيلم عن اكتشاف طالبة دكتوراه ودكتور في علم الفلك مذنباً ضخماً سوف يصطدم بالأرض ويقضي على جميع مظاهر الحياة فيها، ومحاولاتهم الحثيثة لإقناع رئيسة الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ موقف جاد من المشكلة ومحاولة إنقاذ سكان الأرض.

لم توفر منصة “نتفليكس” أي تكاليف في إنتاج هذا الفيلم؛ اجتماع هذه الكوكبة من النجوم أسهم بشكل مباشر في ذياع صيته بين الجماهير، أصبح من النادر اجتماع هذا العدد الضخم من الممثلين تحت سقف واحد، وجميعهم بأدوار شبه بطولية. ولا ننسى الحملة التسويقية الكبيرة التي قامت بها “نتفليكس” لأجل إنجاح هذا المشروع؛ حيث يحتل الفيلم حالياً المركز الثاني في أكثر الأعمال مشاهدة في أمريكا، وبلغ عدد ساعات مشاهدة الفيلم من قِبل المشتركين 111 مليون ساعة طبقاً لآخر الأخبار.

“تريلر الفيلم”

يعود المخرج والكاتب آدم مكاي، بعمل سياسي كوميدي جديد؛ فبعد النجاح في فيلم “The Big Short“، الذي تكلم فيه عن الأزمة المالية العالمية في 2008، وفيلم “Vice” الذي كان عن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، يأتي هذه المرة ويبتعد عن الصبغة التوثيقية المعتادة. يأتي مكاي بفيلم مُشبع بكل الأفكار المعارضة للرأسمالية وضررها الاقتصادي والبيئي؛ مُشبع حد التخمة. وأعتقد أن كبرى مشكلات الفيلم -وهناك العديد منها على أية حال- هي أنه موجَّه فكرياً؛ لدرجة بلوغه مرحلة البروباغاندا. في أوقات كثيرة يتوقف الفيلم عن كونه فيلماً سياسياً ساخراً، ويصبح مقطعاً بيئياً توعوياً يتفضل عليك بمعلومات أنت تعرفها مسبقاً.

اقرأ أيضًا: فيلم The Last Duel.. المبارزة الأخيرة

الفكرة التي كانت تراودني طوال الفيلم هي أنه من الممكن أن ينجح هذا الفيلم برسالته في وقت سابق، ربما كان من الممكن تقبل هذا الفيلم كحد أقصى في عام 2016، في أوج النقاشات السياسية في أمريكا بين الجمهوريين والديمقراطيين. الشهية للنقاشات السياسية والرسائل الموجهة في ذلك الوقت كانت لا تزال مفتوحة؛ لكن بعد ذلك بدأ الرأي العام بالإحساس بالضجر من هذه النقاشات والرسائل المتكررة، يأتي فيلم آدم مكاي متأخراً قرابة السنوات الخمس. وحتى لو تم عرض الفيلم في مناخ سينمائي وسياسي مناسب، لا أعتقد أن بقية عناصر الفيلم كافية لتمرير هذا الفيلم كعمل جيد.

مشهد من الفيلم

فكرة استهلاك البشر لهذا الكوكب هي ليست بالجديدة قطعاً، وتقديمها بهذا الأسلوب الوعظي الساخر لم يساعدها إطلاقاً، يمكنك التنبؤ بما سوف يحصل خلال الفيلم منذ البداية ودون أية صعوبة، وهي ليست مشكلة بحد ذاتها؛ لكن حينما يستغرق الفيلم أكثر من ساعتين للوصول إلى النقطة التي يريد إيصالها فهذا يعني أن هناك خللاً سردياً واضحاً. وبدل أن يُكافأ المشاهدون على سرعة البديهة في اكتشاف رسالة الفيلم مبكراً، تتم معاقبتهم بإرغامهم على مشاهدة قرابة الساعتين والنصف الساعة من الوعظ المتكرر والسخرية المستهلكة. الجميع يعلم حالياً أن رجال الأعمال المليارديرية قادرون على التأثير على سياسات الحكومة الأمريكية؛ ولكن الفيلم يستغرق وقتاً مطولاً في رسم صورة المليونير الحالم الذي يقدم مصلحته الشخصية على مصلحة البشرية وكأنها شخصية جديدة ونادرة. احتاج آدم مكاي إلى مونولوجات مطولة ويتم توجيهها مباشرة إلى المشاهدين في فيلم “The Big Short” حتى يتم شرح أفكار معقدة لغير المتخصصين في نظام العقارات الأمريكي، وكان وجود تلك المونولوجات ضرورياً لفهم حبكة الفيلم وجرعة منعشة يتم جذب المشاهد فيها للشاشة؛ ولكن يعامل مكاي مشاهديه في هذا الفيلم بنفس المداراة، ويحاول إيضاح أبسط المفاهيم وأسهلها إلى درجة استسخاف المشاهدين.

اقرأ أيضًا: فيلم Dune.. تجربة سينمائية متكاملة    

المحبط في الموضوع أنه بعد كل هذا الدوران والشد والجذب في أحداث الفيلم، لا يوجد هناك شيء جديد تتم إضافته؛ رسالة متكررة تم تقديمها بشكل وعظي وغير أصلي، وحتى الكوميديا لم ترتقِ على الإطلاق إلى مستوى الكوميديا في سابق أفلام مكاي. وهذا بدوره أثَّر على أداء الممثلين؛ لأن الشخصيات سطحية للغاية وخالية من أي عمق أو أي تطور خلف رحلاتها الشخصية، وأنا لا أعفي الممثلين هنا من الخطأ؛ لأنه على الرغم من النص السطحي والكتابة الرديئة للشخصيات؛ فإننا شاهدنا مجملاً أداءات هزلية مبالغاً فيها، في أوقات كثيرة تشعر أنك تشاهد سكيتش سياسياً من SNL لا فيلماً يحمل كوكبة من نخبة النجوم. ليس من المنطقي أن يكون تايلر بيري، صاحب أفضل أداء، في فيلم توجد فيه ميريل ستريب وكيت بلانشيت وليوناردو ديكابريو وجينيفر لورانس.

مشهد من الفيلم

أعتقد أنه من المهم للغاية لصانع الأفلام أن يحترم ذكاء مشاهديه وثقافتهم الشخصية، وجزء من هذا الاحترام ينبع من تفهم الصانع أنه ليس مكلفاً بشرح كل تفاصيل الفيلم ورسائله، كتابة شخصيات ديناميكية ومتفاعلة في كثير من الأحيان تكفي لتقديم عمل جيد؛ لكن إرغام المشاهدين على تجرع جميع رسائل الفيلم وعدم إعطائهم أية فرصة لتكوين آرائهم الخاصة، هو النقيض من ذلك، يرمي الفيلم فكرته عنوةً في وجهك، ويبدأ بتقديم الشخصيات بتصنيف مسبق؛ هناك أشخاص طيبون وأشرار دون أي سبب حقيقي خلف ذلك، وعليك كمشاهد أن تتقبل كل المعلومات المقدمة لك دون أي تشكيك؛ لأننا نحن الطيبون وهم الأشرار، أليس كذلك؟

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبيد التميمي

كاتب سعودي