الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

فيلم “2001 ملحمة فضائية”.. ماذا يعني وكيف صنع؟

قبل خمسين عاماً شرع ستانلي كوبريك وآرثر كلارك في إنتاج نوع جديد من الخيال العلمي.. فكيف يبدو المستقبل الذي رسماه الآن بعد أن أصبح ماضياً؟

كيوبوست- ترجمات

دان شياسون♦

قبل خمسين عاماً، وفي ليلة العرض الأول لتحفة ستانلي كوبريك، فيلم الخيال العلمي “2001: A Space Odyssey“، ساد التوتر بين الحضور، وغادر كثير منهم صالات العرض، وسخر مَن تبقى منهم مِن العمل، وأمضى كوبريك وقته متنقلاً بين مقعده في الصف الأمامي وحُجرة العرض، بينما انفجر مساعده آرثر كلارك، باكياً أثناء الاستراحة.

وبعد العرض الأول، قرر كوبريك اقتطاع 19 دقيقة من الفيلم الأصلي، لتصبح مدته 142 دقيقة؛ لأن كثيراً من النقاد وصفوا الفيلم بأنه بطيء وممل، بل يدعو إلى النوم. في الحقيقة كان هنالك شيء غريب في الفيلم؛ فهو لم يكن طويلاً، لأنه كان مليئاً بالحبكات الدرامية، ولكنه في الوقت نفسه كان طويلاً لأن كوبريك وزع الوصلات السردية بشكل ضئيل جداً. قالت الناقدة ريناتا أدلر، في جريدة “التايمز”: “إن البطء الشديد في الفيلم يجعل من الصعب عليك ألا تتكلم أثناء عرض الفيلم”.

لكن جماهير الهيبيين كانوا هم من أنقذ الفيلم؛ فقد احتشد جموع الثملين ومتعاطي المخدرات على أبواب دور العرض، وقيل إنه في أحد العروض في لوس أنجلوس اندفع أحد الشبان الثملين إلى شاشة العرض وهو يصيح “إنه الله، إنه الله”.

وسرعان ما ظهر العدد من الأعمال الفنية والنقدية التي تتحدث عن مراحل صنع الفيلم، ابتداءً من تصويره وانتهاء بعرضه على الشاشات.

اقرأ أيضاً: كيرك دوغلاس.. أيقونة داخل شاشة السينما وخارجها

وفي رسالته الأولية إلى كاتب الخيال العلمي آرثر كلارك، بدأ كوبريك بهدف متواضع يتجلى في “صنع فيلم خيال علمي جيد حقاً”، وكانت الخطوط العريضة للعمل جاهزة، فقد أراد كوبريك “مسباراً فضائياً قادراً على الهبوط واستكشاف القمر والمريخ”، إلا أن توقيت رسالة كوبريك في عام 1964 أظهر الكثير من الطموح؛ فقد كان فيلم “2001” خيالاً علمياً يحاول أن يتفوق على العلم نفسه. ومع أن مشروع ناسا لاستكشاف القمر كان يسرق شيئاً من جاذبيته؛ إلا أن كوبريك تفوق على الواقع من خلال تقديم عجائب الكون بألوان بديعة وصوت نقي على شاشات عملاقة تجعل صور القمر التي تعرضها شاشات التليفزيون تبدو وكأنها غير واقعية.

وقد وجد كوبريك في كلارك شريكاً متفهماً، فهو كان مدرب رادار خلال خدمته في السلاح الجو الملكي البريطاني، ورأس مرتَين “جمعية عبر الكواكب” البريطانية، واشتهر بكونه أشهر كتاب الخيال العلمي دقة، وكتب العديد من روايات الخيال العلمي الناجحة. لقد كان كوبريك يمتلك قدراً متساوياً من المعرفة ومن الخيال. وبدأ الشريكان في كتابة قصة الفيلم وعكفا على دراسة المؤلفات العلمية حول الحياة خارج كوب الأرض.

اقرأ أيضاً: التلفاز السينمائي..  The Marvelous Mrs. Maisel”

كان كلارك هو صاحب القول الفصل في أمور العلم والخيال العلمي، إلا أن كوبريك كان له رأي أيضاً. صُمِّم عالم “2001” من العدم، وكان مفهوم الفراغ نفسه من التفاصيل الأولى التي لزم العمل عليها. وكان كوبريك قد شاهد فيلماً تعليمياً كندياً بعنوان “الكون”، واقتبس منه كيفية تصوير الفضاء ومحاكاة المجرات. وجرى تصميم المركبات الفضائية بمساعدة هاري لانغ وفريدريك أوردواي اللذين كانا يديران شركة استشارات فضائية بارزة.

واستعين بجيشٍ من صانعي النماذج والمهندسين المعماريين وصانعي القوارب ومصممي الأثاث والنحاتين والرسامين، بينما صنعت شركات متخصصة البزات الفضائية والخوذات ولوحات التحكم؛ فكان الخط الفاصل بين الفيلم والواقع باهتاً جداً إلى درجة أن الموقع الإلكتروني لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا يعرض قائمة بالأمور التي صورها فيلم “2001” بالشكل الصحيح. وبعد عقود من الفيلم يعتقد أصحاب نظرية المؤامرة أن كوبريك ساعد الحكومة على فبركة مشاهد هبوط مركبة أبولو 11 على القمر.

لقد وضع كوبريك في رؤيته وتصويره للمستقبل تقنيات الاستوديو التي ستتوقعها في فيلم تاريخي، فكان فيلم “2001” جزءاً من فترة زمنية لم تحدث بعد؛ فأصبح عالمه زماناً ومكاناً يتمتعان بجمالية متماسكة تجعله يستحق تسمية تاريخية خاصة به كما الحقبة الجورجية أو الفيكتورية. وقد شاركت العديد من العلامات التجارية الكبرى؛ مثل “ويرلبول، ومايسيز وديوبون، وباركر، ونيكون” في كثير من تصميماته. فإذا كانت الحياة عام 2001 تشبه تلك التي تم تصورها في فيلم “2001” فإن ذلك يرجع جزئياً إلى حقيقة أن اتجاهات التصميم الخيالية للفيلم قد أصبحت حقيقية.

أصبحت تصاميم فيلم “2001” الخيالية في حينها حقيقة واقعة اليوم- أطلس الأماكن

الجمهور الذي جاء لحضور “2001” كان يتوقع فيلم خيال علمي، إلا أنه فوجئ بعرض زمني؛ فالحبكة كانت بسيطة وواضحة، إذ تظهر مسلة سوداء تعبر عن اللحظة ما قبل التاريخية التي اكتشف فيها الإنسان قدرته على استعمال الأدوات، ثم تظهر مسلة أخرى تعبر عن عام 2001 تحت سطح القمر مباشرة؛ حيث تعكس إشارات باتجاه أقمار المشتري، وفي نهاية الفيلم تلوح مسلة ثالثة عندما يشهد الناجي الوحيد على السفينة دايف بومان، كسوف الذكاء البشري من خلال نظام جديد غامض للوجود.

اقرأ أيضاً: روبوت كتب هذا المقال.. فهل يخيفك هذا الأمر؟

لقد كانت مشاهد المشتري -المليئة بما وصفه مايكل بينسون بأنه “دهشة مطلقة غير تمثيلية للمكان والزمان”- نتيجة سنوات من التجربة والخطأ؛ في محاولة تكييف التجهيزات والتقنيات التي كانت متاحة في حينه، مثل تقنية التصوير الفوتوغرافي المقطعي التي استعملت في مسلسل “ستار غيت” الشهير؛ حيث قام فريق المؤثرات الخاصة التابع لكوبيرك بتعديل هذه التقنية لإنتاج تدافع مذهل للألوان والضوء. ومثل كل أفلام أواخر القرن العشرين، أظهر فيلم “2001” عوالمه الخاصة التي ابتكرها من خلال ابتكار الطرق الضرورية لإنشاء هذه العوالم أولاً.

اقرأ أيضاً: استعمار الفضاء.. من خيال إلى واقع قيد التنفيذ في غضون سنوات

ويبقى أكثر المؤثرات لفتاً للأنظار هو أبسطها، لقد واجه كوبريك معضلة تصوير شكل الكائنات الفضائية، كيف سيكون شكلها؟ وخلال لقاءاتهم في نيويورك رسم كلارك وكوبريك وزوجته كريستيان العديد من المسودات، واطلعوا على الكثير من الرسوم السريالية للرسام ماكس أرنست، وصنعت كريستيان بعض النماذج الطينية؛ ولكن كل هذه النماذج لم تُرضِ كوبريك الذي قرر أنه “لا يمكنك أن تتخيل ما لا يمكن تصوره”. وفي نهاية المطاف استخدم المسلة الحجرية؛ فمظهرها المحايد وصمتها المطبق عند مفترق طرق التطور البشري يثير المشاهدين بقدر ما يثير إعجاب شخصيات الفيلم. لقد أدرك كوبريك أنه إذا كان سيصنع فيلماً عن الخوف والرعب البشري، فيجب على المشاهد أن يشعر بهذه المشاعر أيضاً.

مسلة حجرية من فيلم “2001”

يطالعنا في الفيلم الكمبيوتر الخبيث “هال” بعينه الحمراء الخالية من الأحاسيس وصوته اللطيف الناعم. كان كوبريك قد تشاور مع شركة “IBM” حول “هال”؛ ولكن عدلوا عن فكرة استعمال شعار الشركة بعد أن وصف كوبريك “هال” بأنه كمبيوتر مجنون. خلال الأعوام الخمسين الماضية تطورت كثيراً الكمبيوترات الناطقة، إلا أن أياً منها لم يصل إلى امتلاك ذكاء ذاتي مثل “هال”. ويعد مشهد احتضار “هال” واحداً من أكثر مشاهد الموت تأثيراً في السينما، وهنا يشير كوبريك إلى المعضلة الأخلاقية التي ستواجهنا في حال امتلاكنا أجهزة كمبيوتر تشبه البشر.

عين هال الحمراء.. ماذا وراء تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ مَن يتحكم بها؟- “الإندبندنت”

يرى بينسون، في كتابه، أن لحظة إطلاق فيلم “2001” كانت المحطة الأقل أهمية في مسيرة الفيلم؛ فقد عاش كلٌّ من كوبريك وكلارك في صراع مع أسئلة حول ماهية الفيلم والغاية منه. وفي نهاية المطاف، تُركت الإجابة عن هذه المعضلة للمشاهدين. الناقد ألكساندر ووكر، وصف فيلم “2001” بأنه أول عمل سينمائي كبير يتطلب بحثاً وتفكيراً مستمراً من مشاهديه. في موقع التصوير كان جيش الاختصاصيين والمستشارين العاملين على أدق التفاصيل يتلقون أوامرهم من كوبريك الذي كان مفهومه للعمل برمته يتغير بشكل لحظي. كانت قصة الفيلم تشير إلى نهاية كبيرة؛ ولكن كوبريك استمر في تغيير رأيه عما ستكون عليه تلك النهاية، حتى إن أحداً من الذين شاهدوا الفيلم لم يتمكن من توقع النهاية التي سيصل إليها. وإذا كانت الموجة الأولى من المشاهدين قد أصابها الارتباك، فذلك مرده إلى أن الفيلم لم يكن قد خلق الجو العام اللازم لتذوقه. ومثل غيره من الأفلام التي شكلت معالم الحداثة في السينما، صاغ “2001” سياقه الخاص؛ فالمُشاهد لن يتمكن من حل ألغازه بمشاهدته مرة ثانية، بل سيغرق في أسراره.

اقرأ أيضاً: هكذا سيغير الذكاء الاصطناعي مستقبل البشرية

ومع أن ولع كوبريك بأفلام الخيال العلمي بدأ منذ طفولته؛ إلا أن فيلم “2001” يختلف كثيراً عن أفلام الخيال العلمي الضحلة الشائعة. فهو يتألق عندما يأخذ خيال المشاهد إلى مكان ما وراء الفيلم نفسه. بالنسبة إليَّ فإن أكثر لحظات الفيلم إثارة يرجع الفضل فيها إلى تقنيات صناعة السينما. في إحدى اللقطات، عندما يواجهنا فجأة نمر شرس تعكس عيناه الضوء الصادر عن جهاز إسقاط ابتكره فريق كوبريك لخلق الانطباع بصحراء شاسعة موحشة.. مثل هذه التفاصيل تبقى في الذهن؛ لأنها تذكرنا بأن فناناً لامعاً كان مصمماً على إتقان العلوم واستحضار الخيال العلمي، وفي الوقت نفسه كان يعرف متى يطلق العنان لشيطان شعره.

في النهاية، ربما تكون حقيقة أنه أصبح بإمكانك أن تشاهد فيلم “2001” على جهاز بحجم راحة يدك هي المستقبل الذي تنبَّأ به كوبريك وكلارك؛ ولكن بالتأكيد فإن ما لم يكونا ليرغبا فيه للفيلم الذي صنعاه هو أن يكون أكبر من الحياة.

أصبح الناس يشاهدون الفيلم على الشاشات الصغيرة لأجهزة التابلت والهواتف النقالة، وفي عام 2011 واجهت “سامسونغ” دعوى قضائية أقامتها شركة “أبل”، متهمة إياها بانتهاك حقوق براءات الاختراع من خلال تصوير تقنيات من فيلم “2001” على أنها أسلاف تصاميمها. لقد أصبح الهبوط على القمر ورواد الفضاء المشهورون شيئاً من الماضي. لقد خسر الفضاء المعركة، وأصبحت هذه الشاشات هي المستقبل.

المصدر: نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة