شؤون خليجيةشؤون عربية

فيلم “تل الزعتر”: الجزيرة ترد بالنيابة عن إسرائيل!

عُرض الفيلم بعد أيام فقط من قيام الجيش السوري بإسقاط طائرة إسرائيلية!

كيو بوست – 

بثت قناة “الجزيرة” القطرية، يوم الأحد 18 فبراير، فيلمًا بعنوان “تل الزعتر-خفايا المعركة“، صعّدت فيه على السطح المجازر التي تعرّض لها الفلسطينيون أثناء الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990).

واتُهم بتدبير المجزرة -التي وقعت ضد الفلسطينين اللاجئين في لبنان- أكثر من طرف؛ فقد شارك في الهجوم على مخيم “تل الزعتر” فصائل فلسطينية اختلفت فيما بينها، كما شارك في إحدى مراحل الهجوم ما سمي باليمين اللبناني، كما وأشارت بعض أصابع الاتهام لبعض التنظيمات الفلسطينية الموالية للنظام السوري.

42 عامًا مرّت على تلك الحادثة المأساوية، تبعها الكثير من المجازر التي قام بها جيش الاحتلال الإسرائيلي بمشاركة من عملائه في لبنان، أهمها مجزرة صبرا وشاتيلا، التي تعرّض فيها لبنانيون وفلسطينيون لحملة إبادة ممنهجة في المخيمين صبرا وشاتيلا.

تغيرّت الكثير من الأحداث والتحالفات منذ ذلك التاريخ، وبرزت قوى جديدة على الساحة اللبنانية، كما وخرج السوريون من لبنان، وانتقلت الحرب الأهلية اللبنانية التي كانت سباقة بطائفيتها إلى دول عربية أخرى، مثل ليبيا ثم سوريا واليمن، خلال ما سُمي بالربيع العربي.

إلّا أن الفيلم الذي عرضته الجزيرة نكأ جراح الماضي، في وقت تحتاج فيه المنطقة العربية الممزقة بالصراعات إلى المصالحات، بدلًا من تصفية حسابات الماضي، على حساب الحاضر والمستقبل، حتى يخرج العرب من دوامة الثأر والثأر المضاد!

ولذلك رأى مراقبون أن نبش المآسي القديمة التي شهدها العرب فيما بينهم في هذا التوقيت، تخدم الاتجاه الدموي السائد في المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج. وإلاّ، فلماذا لم تبث الجزيرة فيلمًا عن مجازر صبرا وشاتيلا التي ارتكبها الاحتلال، وذهب ضحيتها الآلاف من العرب والفلسطينيين!

 

توقيت عرض الفيلم

اختيار الجزيرة لعرض هذا الفيلم من ماضي حروب أهلية اندثرت، لتتلاقى أحداثه مع وقائع حروب أهلية معاصرة، لا يمكن أن يخدم سوى المستفيدين من بث الفرقة بين العرب.

فقد جاء توقيت عرض الفيلم بعد أيام فقط من قيام الجيش السوري بإسقاط طائرة إسرائيلية، كانت في طريقها لقصف أهداف داخل سوريا، وهي من المرات النادرة التي يكون لسوريا فيها رد فعل فوري، وقاسٍ، ويستحق التشجيع، بسبب التفاؤل الذي أشاعته تلك العملية في الشارع العربي، وفي إمكانية أن توحد تلك الحادثة أصوات العرب المتفرقة ضد عدوهم الموحد إسرائيل.

فبدلًا من استغلال عملية إسقاط الطائرة للتوحيد، أحيت الجزيرة فتنًا طواها الزمن، خصوصًا أن تلك الضربة أوجعت إسرائيل على الصعيد المادي والمعنوي، لأنها من المرات القليلة التي تخسر فيها طائرة إف16، بمضادات طيران عربية، وبسلاح دولة عربية تشهد حربًا أهلية طاحنة، وصارت أراضيها مستباحة من جيوش الدول الإقليمية، والعظمى، وحلفائها التكفيريين والإرهابيين والانفصاليين.

وإسقاط الطائرة أمريكية الصنع، كان بمثابة بارقة أمل في نهوض سوريا من كبوتها، بعد إحراج دولة الاحتلال وهز ثقة مواطنيها في “سلاحهم الجوي الذي لا يقهر”! مما جعل ردة الفعل الإسرائيلية مرتبكة، وغير قادرة على التبرير، فانتقلت المعركة السياسية داخل إسرائيل، بعدما استخدمت المعارضة الإسرائيلية ورقة إسقاط الطائرة لمهاجمة سياسة حكومة نتنياهو.

 

الجزيرة ترد بالنيابة عن إسرائيل

قناة الجزيرة القطرية التي تملك إمكانيات مادية هائلة، ولديها أرشيف ضخم من المعلومات، أنتجت ذلك الفيلم عن تل الزعتر منذ شهور، بحسب ما صرح به مصدر مطلّع لـ”كيوبوست”، إلّا أنها لم تعرضه على شاشتها سوى في هذه اللحظة الحساسة، بعدما عجزت إسرائيل عن الرد، لتقوم هي بالنيابة عن الاحتلال بنبش الماضي للاستثمار في الضحايا الفلسطينيين، وتوجيههم للتفكير بأعداء آخرين من غير الإسرائيليين، لأن الشعب الفلسطيني كان من أكثر المحتفلين بسقوط الطائرة. وخطوة الجزيرة هي محاولة منها لإيهامهم بأن عدوهم هي سوريا، أو أية دولة أخرى غير دولة الاحتلال.

سياسة حرف الأنظار التي تمرست عليها الجزيرة في خدمة أهداف السياسة الخارجية القطرية، التي تحاول على الدوام بقوتها الإعلامية إقناع الشعوب بأن تركيا وقطر هما الوحيدتان اللتان تعاديان إسرائيل نيابة عن الأمة العربية، على الرغم من أن علاقة البلدين (قطر وتركيا) بإسرائيل هي الأقوى والأقدم من بين دول المنطقة!

وفي الوقت ذاته، لم تترك الجزيرة فرصة إلّا وتقوم بالترويج لفكرة أنّ الدول العربية المقاطِعة لقطر هي التي دعمت مبادرة ترامب المشؤومة للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بالرغم من أن نظام حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا كان أول المعترفين بالقدس عاصمة لإسرائيل!

لا أحد يعتقد اليوم أن هناك مصلحة في تصعيد أزمات جديدة بين العرب، باستثناء الجزيرة التي تحرف كل حدث يتوحد فيه العرب عن مساره، وتحوله إلى ميدان للفتن وإعاقة المصالحات.

فبعد محاولة مصر عقد اتفاق مصالحة بين الفصائل الفلسطينية، لتوحيد السياسة الفلسطينية، نشطت الجزيرة في بث أفلام وثائقية من ماضي الاقتتال الفلسطيني، لتعيد شحن مشاعر الأشقاء بالسلب، بإعادة تداول الذكريات المؤلمة، بدلًا من تقريب وجهات النظر.

وهو الدور الذي لعبته ليس بين الدول العربية فحسب، بل أيضًا داخل الدولة العربية الواحدة، لتفريق طوائفها وتشجيع اقتتال أحزابها، وظهر ذلك الدور جليًا في سوريا ومصر وليبيا واليمن، بعدما حولّت الربيع العربي بدعمها للمتطرفين إلى فترة نقاهة بالنسبة لإسرائيل، بعد إشغال العرب بأنفسهم.

واليوم تقوم الجزيرة عبر بث الفيلم، بتوظيف كوارث التاريخ العربي لخدمة دولتها الغنية.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة