الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

فيلم “الإخوان”.. إساءة للمتدينين أم حَجر على المبدعين؟

الكاتب المغربي لغتيري: الذين انتقدوا الفيلم اعتبروا حركة سياسية (الإخوان المسلمين) جزءاً من قداسة الدين.. فإذا انتقدها أحد اعتبروا نقده متوجهاً إلى الدين

المغرب- حسن الأشرف

لم يمر وقت طويل على عرض الفيلم المغربي الكوميدي “الإخوان” في القاعات السينمائية، حتى أسال مداداً كثيراً وسجالات ساخنة بخصوص المستوى الفني لهذا الفيلم؛ ولكن بالخصوص بشأن الرسائل التي أراد الواقفون وراء هذا العمل إرسالها إلى المشاهدين.

وتوزعت الآراء حول فيلم “الإخوان” بين مَن انهال عليه بالتقريع من لدن نقاد سينمائيين ومن طرف إسلاميين بالخصوص؛ حيث اعتبروه فيلماً يسيء إلى المتدينين ويشوه صورتهم داخل المجتمع، وبين مَن وجده عملاً فنياً وإبداعياً لا يمكن الحكم عليه بأدوات أخرى غير أدوات الإبداع الفني بعيداً عن التهم الجاهزة.

اقرأ أيضاً: تسريبات “الاختيار3” لقيادات الإخوان تشعل غضب الشعب المصري

ويحكي فيلم “الإخوان” الكوميدي قصة ثلاثة شبان يبدو عليهم التدين من خلال نوعية لباسهم وسلوكياتهم ولحاهم، قبل أن يقعوا بين يدَي شاب متطرف سرعان ما جذبهم إلى جماعته الإرهابية، فتدربوا على حمل السلاح واختطاف الرهائن؛ ليكتشفوا بعد ذلك أن “أمير الجماعة” ليس سوى انتهازي لا يمت إلى الدين بصلة، فتتغير حياتهم وَفق أحداث ومواقف كوميدية.

تجاوز الخطوط الحمراء

الناقد السينمائي الدكتور مصطفى الطالب، وصف فيلم “الإخوان” لمخرجه محمد أمين الأحمر، بأنه مجرد “جعجعة بلا طحين”؛ سواء من الناحية السينمائية، حيث إن الفيلم جاء متوسطاً جداً في الأداء والسيناريو والحوار، باستثناء التصوير، أو من ناحية المضمون الذي جاء مخيباً لتطلعات الجمهور؛ خصوصاً المشاهد الذي يعي أهمية السينما في المجتمع، بينما المشاهد البسيط -خصوصاً المراهقين- قد يضحك بكل سذاجة.

مشهد من الفيلم

ويقول الطالب، في حديث مع “كيوبوست”: إن موضوع التطرف الديني له راهنيته؛ لكن طريقة الفيلم في تناول الموضوع ظهرت سطحية ومتجاوزة ومستهلكة تفتقد العمق والتجديد”، مضيفاً أن فيلم “الإخوان” يعطي الانطباع من خلال عنوانه أنه فيلم مصري وليس مغربياً، بالنظر إلى ما يحصل لجماعة “الإخوان” في مصر.

واعتبر الطالب أن المشاهد يخرج بانطباع سيئ مفاده أن الممثلين الشباب كأنهم اجتمعوا واتفقوا على إلقاء النكت من أجل إضحاك الناس؛ وذلك من خلال إعادة نفس مشاهد أفلام مصرية من قبيل “كباريه” و”الإرهاب والكباب” و”طيور الظلام”، وأيضاً الفيلم المغربي “يا خيل الله”، مع تغيير طفيف في اللهجة والأسماء (أبو مصعب، أبو تريكة، جمهورية صاندلستان)

اقرأ أيضاً: المرجعية الفكرية للإسلاميين بالمغرب

وسجل المتحدث أن الفيلم لم يقدم أية معالجة جادة لموضوع التطرف الديني؛ بل إنه سقط في الاستهزاء بالدين، وتقديم صورة سوداوية عن المتدينين، وعن الفقيه (العالم المغربي)، ووضع جميع المتدينين في سلة واحدة، مبرزاً أن “هناك إسقاطات من مجتمعات أخرى على المجتمع المغربي؛ مما أثار حفيظة الجمهور العريض الذي رأى في الفيلم تجاوزاً لخطوط حمراء متعارف عليها عند المجتمع المغربي”.

أين الجانب المشرق للمتدينين؟

ويسترسل الناقد السينمائي بأن “التدين يلمس عمق ووجدان المغاربة الذين يُعرفون بأنهم ينهجون تدين الفطرة والاعتدال والاتزان وليس العكس”، منتقداً تغييب الجانب المشرق لفئة المتدينين داخل المجتمع في الأعمال الفنية.

مصطفى الطالب

وحدد الطالب عدة وظائف للفيلم الكوميدي؛ سينمائياً واجتماعياً وسيكولوجياً، فبالإضافة إلى وظيفته الترفيهية التي تروم إخراج المشاهد من هموم ومتاعب الحياة اليومية ليحقق التوزان الحياتي المطلوب، هناك وظيفة فنية كإبداع سينمائي له خصوصياته ومرتكزاته الجمالية كتابةً وإخراجاً، بخلاف ما يعتقد البعض أنه نوع سينمائي سهل الكتابة والتصوير.

ويستطرد المتحدث بأن “للفيلم الكوميدي أيضاً وظيفة اجتماعية من خلال تطرقه إلى موضوعات إنسانية ذات بعد اجتماعي أو سياسي أو وجودي فلسفي؛ حتى لو كان في قالب كوميدي ساخر”، شارحاً أن الفيلم يبتعد عن السطحية ليغوص في العمق، ولذلك نجد أن السينما العالمية أبدعت وأبهرت في الأفلام الكوميدية ابتداء من شارلي شابلن إلى اليوم.

اقرأ أيضاً: مسلسل “الشيخة” في رمضان يثير جدل الفن والأخلاق بالمغرب

ودعا الناقدُ عينه السينما المغربيةَ إلى الأخذ بعين الاعتبار هذه الوظائف والمهام للفيلم الكوميدي، بالنظر إلى أن الكوميديا لا تعني التهريج والصراخ والحوار المبتذل والتكرار والتقليد وأحياناً السرقة الفنية، كما لا تعني استغلال حرية الإبداع من أجل الضحك المجاني، وإنما هي عمق ورؤية فنية ومواقف، وحسن اختيار الكلمة ومراعاة ذكاء الجمهور، وقبل كل ذلك هي مسؤولية والتزام بعيداً عن منطق (البوز) ولو على حساب مقدسات المجتمع”.

تقية مقيتة

وبالمقابل، يرى الكاتب والأديب المغربي مصطفى لغتيري، أن “الإبداع الفني عموماً أصبح تحت رحمة سنديان الأحكام الدينية المتطرفة، التي تحاكم الأعمال بمعايير أيديولوجية محضة؛ لفرض وصايتها على الإنتاج الفني، وعبر ذلك على المجتمع، بنوع من (التقية) المقيتة، التي يبرع المتطرفون في تبريرها”.

ويؤكد لغتيري، في حديث مع “كيوبوست”، أن “الهدف من ذلك يتمثل في قمع كل فكر يحاول أن يتمرد على هذه الوصاية، ويصور حياة المجتمع بعيوبه وتناقضاته، حسب رؤية الفنان، الذي كلما كبلناه أصبح أقل إبداعاً”.

مصطفى لغتيري

وذهب صاحب رواية “أسلاك شائكة”، التي تمت معالجتها في فيلم سينمائي، إلى أن “شريط (الإخوان) لم يسلم من هذا الصنف من النقد، حتى من أناس لم يشاهدوه بعد، واكتفوا بسماع أنه يُوجه انتقاداً إلى ظاهرة اجتماعية مستفحلة، ظهرت في مصر وانتشرت في باقي الدول العربية”.

وزاد: “هذه الظاهرة أسهمت في نكوص حضاري واضح، من خلال استثمار الدين في السياسة؛ من أجل كسب مآرب دنيوية، تبين بالملموس أنها عاجزة حتى عن خدمة مشروعها الديني؛ فبالأحرى أن تخدم المجتمع الذي يحبل بالتناقضات، والذي يحتاج إلى فكر متنور يشخص المشكلات بعقلانية ويبحث عن حلول”.

لا للحَجر على الإبداع

وأبدى لغتيري أسفه لكون المنتقدين اعتبروا حركة سياسية؛ هي حركة الإخوان المسلمين، التي لها سياق تاريخي واجتماعي يحكمها، جزءاً من قداسة الدين، فإذا انتقدها أحد اعتبروا نقده متوجهاً إلى الدين.

وشدد الكاتب المغربي على أنه “لا يمكن ولا يجب أن نحكم على الفن، ومنه السينما، إلا من خلال النقد الفني السينمائي؛ فيمكن مثلاً توجيه نقد وانتقاد إلى حبكة الفيلم أو تقنياته التصويرية، لكن الخلط ما بين النقد الفني والأيديولوجي     لا يؤدي إلا إلى مزيد من الإفلاس والانحطاط”، وَفق تعبيره.

مشهد من الفيلم

وانتقد لغتيري ما سماها ظاهرة لافتة تتمثل في كون بعض الفنانين والأدباء أضحوا ضحية لهذه التصورات؛ حتى إن الأمر اختلط على الناس فلم يعودوا قادرين على التمييز، مردفاً: “المفروض في الفنان والأديب والناقد الفني أن ينتصر للحرية، وأن تكون له رؤية تنتصر للحداثة والعقلانية؛ لا أن يسهم هو كذلك في فكر يؤيد قمع حرية التعبير، والحجر على المبدعين”.

وخلص المتحدث ذاته إلى أن هذا الموضوع ذكَّره بأسطورة “سرير بروكست”، الذي كان يحاول أن يجعل حجم الناس يتلاءم مع سريره، وإلا التجأ إلى تمطيطهم حتى الموت أو البتر من أعضائهم؛ فيحقق هدفه عبر التسبب في مآسٍ لغيره”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة