الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

فيلم “إيران من الجو”.. رحلة في قلب الإمبراطورية الفارسية

كيوبوست

على اتساع مساحتها البالغة أكثر من مليون وستمئة ألف كم مربع، تضم إيران، البلد المترامي الأطراف، في أجزاء منها، أقسى الأجواء الصحراوية في العالم؛ يعيش الناس على كثبانها الرملية منذ آلاف السنين، امتداداً لإحدى أعظم الحضارات.

صحراء وماء وجبل

من صحراء “مرنجاب” الذهبية الواقعة في منتصف إيران، ذات السماء النقية من مصادر التلوث الضوئي، انطلقت عدسة فيلم “إيران من الجو.. رحلة في الصحاري“، إنتاج قناة “دويتشه فيله” الألمانية؛ حيث كان السياح على مدار سنين طويلة يستعينون بدليل لعبورها، نتيجة أساطير عمرها آلاف السنين، مفادها أن الصحراء مسكونة بالجن والأرواح الشريرة، الأمر الذي أبقى القوافل بعيدة عن المنطقة.

وبجانب صحراء مرنجاب، تقع بحيرة “نمك” التي تجف مياهها خلال الأيام الحارة، مخلِّفةً قشرةً ملحيَّةً، وتشكَّلت نتيجة للمعان بلورات الملح، أكبر مرآة في إيران.

صحراء مرنجاب

ونظراً لطبيعتها الصحراوية، تعاني إيران ندرة المياه، إلا أن حلاً اعتُمد قبل 2500 عام؛ إذ باتت الجبال تعمل كخزانات مياه، عن طريق شبكة قنوات جوفية ضخمة، بفضلها يتم جلب المياه المحمية من التبخر، إلى آبار محفورة على طول القنوات.

وحتى منتصف القرن العشرين، كانت لا تزال نحو 50 ألف قناة تعمل، بطول 380000 كم، تساوي المسافة بين الأرض والقمر، والآلاف منها إلى اليوم تزوِّد أكثر المناطق القاحلة بالمياه.

كاشان.. مدينة الورد المحمدي

يتطرَّق الفيلم إلى مدينة “كاشان”؛ وهي أولى مدن الواحات الكبيرة، على الطريق الذي يربط طهران بالخليج العربي، حيث تزرع الزهور المحمدية في منطقة “قمصر”، أكبر منتج لماء الورد في الشرق الوسط.

وتتجاوز شهرة الزهور المحمدية، التي تقطفها السيدات بعناية فائقة بين شهرَي أبريل ومايو، ليحصدن نحو 26 ألف طن من البتلات، حيث صناعة العطور، ويُستخدم ماؤها لغسل الحجر الأسود في مكة.

حديقة فِن- أرشيف

خارج مدينة كاشان، ومثل حدائق كثيرة في إيران، توجد حديقة فِن، التي ألهم تناظرها الهندسي ونظام الري فيها بناء حدائق أوروبية؛ من بينها حديقة قصر فرساي الفرنسي.

أصفهان.. العاصمة السابقة

أتاحت مياه نهر “زايندة رود” بناء مدينة أصفهان، التي كانت العاصمة السابقة للبلاد، ومحطة رئيسية على طريق الحرير، إلا أن المدينة دُمِّرت عدة مرات، على مدار عمرها البالغ 2500 عام، ويبلغ عدد سكانها حالياً مليونَي نسمة.

نهر زينداة رود- Shahab Maghami

ويتوسط أصفهان أو كما يطلق عليها لؤلؤة بلاد فارس، ميدان “الإمام”، الذي تحيط به أهم المباني من الحقبة الصفوية؛ أبرزها وأجملها المسجد الملكي، الذي تضرر في الثمانينيات خلال الحرب الإيرانية- العراقية، ويخضع لترميم لا نهاية له؛ نظراً لضخامة المبنى واحتوائه على مئات آلالاف من الفسيفساء.

ويمزج الديكور الخزفي للمسجد بين الأشكال النباتية والخط القرآني، ويطغى عليه اللونان الأصفر، الذي يرمز في التقليد الفارسي إلى الشمس والنور الإلهي، والأزرق الذي يرمز إلى السماء.

قبة المسجد الملكي- lookphotos

أما قبة المسجد فكل جزء منها مغطَّى بنحو مئتَي ألف قطعة فسيفساء، يتم تجميعها كقطع الأحجية، وتتم عملية تبديل الأحجار التالفة بعد إزالتها وترقيمها، ثم تركيب الفسيفساء فوقها.

وتعتبر أصفهان مهد الفنون، فمعظم حرفييها وفنانيها يخلدون حرفتهم حول ميدان “شاه”، تحديداً في بازار المدينة؛ حيث تقدم أكشاكه أعمالاً حرفية يدوية تجذب السياحة إلى المدينة.

مسجد علي قابو- Amin Karimi/ TasteIran

وفي أصفهان كانت تُقام “الليلة المضيئة” التي تكشف الجمال المعماري لقصر “علي قابو”، الذي بُني في القرن الـ17، وكانت تُقام خلالها فعاليات يحضرها الملك وضيوفه؛ كالمباريات ونزالات الحيوانات البرية ورياضة البولو.

يزد.. مدينة الروحانيات

تعتبر مدينة “يزد” المحاطة بالصحراء، إحدى أقدم مدن العالم، وتصل درجة حرارة رمال السطح فيها إلى 70 درجة مئوية، ويعاني سكانها العواصف الرملية.

تضم يزد أحياء تقليدية ومنازل صفراء شاحبة مبنية من الطين بأسلوب هندسي يحمي من الحرارة الشديدة والعواصف الرملية. وللحفاظ على الحياة تحت أعلى درجات حرارة في العالم، بنى مهندسو المدينة أقدم نظام تكييف يُعرف بـ”الملاقف”؛ حيث يندفع الهواء في أبراج تؤدي إلى خزان ماء بالأسفل ليبرده، ويطرد الهواء الساخن عبر نظام العادم. وبالنسبة إلى المياه؛ فتكفل شبكة ضخمة من القنوات تحت الأرض، جلب المياه إلى الجبال لملء الأحواض.

مدينة يزد- أرشيف

وفي ضواحي المدينة تم تشييد “الدخمات”؛ وهي هياكل دائرية استُخدمت في طقوس الجنائز الزرادشتية، بينما كان رجال الدين يتركون الجثث للعقبان؛ كي لا تلوِّث التربة باعتبارها نجسة. وحتى اليوم يشهد معبد النار في يزد، على وجود الزرادشتية؛ أول ديانة توحيدية أثَّرت في الديانات السماوية.

وحسب الفيلم، كانت المدينة تتسم بالروحانية، وتشهد احتراماً للأسلاف، ولا تزال تستضيف رياضة “الزورخانة” الإيرانية، وتعني بيت القوة، وخلالها يجتمع الرجال لممارسة رياضة “البساتاني”، التي تُسهم في توحيد الأجيال عبر نقل القيم الإنسانية، وفيها يدور الرجال في حلقات متكررة على إيقاع الترانيم المقدسة، ويُسمى المشاركون بـ”البهلاوانيين” وتعني الأبطال، الذين يمتلكون روح الفروسية ولديهم إحساس بالشرف.

رياضة “الزورخانة” الإيرانية

بم.. مدينة النخيل

تصل رحلة الفيلم في إيران إلى مدينة “بم” الواقعة في الطرف الجنوبي لصحراء لوط في محافظة “كرمان”. وفي مدينة “بم” تغذي المياهُ من جبل “باريز” النهرَ الموسمي الذي يحد المدينة.

بينما توفر شبكة المياه تحت الأرض تربة خصبة، تنمو عليها أكثر من مليون شجرة نخيل، تنتج ثلث التمور الإيرانية، وكانت تُزرع منذ آلاف السنين…

وتضم المدينة قلعة “بم العظيمة”، التي بُنيت قبل ألفَين وسبعمئة عام؛ لكنها سويت بالأرض عام 2003 خلال 7 دقائق، جرَّاء زلزال مدمر. أُعيد بناء وسط المدينة، ومنذ ذلك الحين تخضع القلعة لترميم اكتمل بنسبة 90%، باستخدام المواد والتقنيات التي استخدمت في البناء الأصلي.

قلعة “بم” العظيمة- أرشيف

من مدينة “بم” نصل إلى محافظة “فارس” التي تمتد في الغرب؛ وهي مهد الإمبراطورية الفارسية، وموطن “برسبوليس” عاصمة الإمبراطورية الأخمينية، وفيروز آباد، ولا تزال تلك المناطق تحمل آثار الحضارات القديمة، وتوفر موطناً للبدو الرحل؛ فعلى مدى القرون العشرة الماضية ظلت قبائل “القشقاي”، كبرى قبائل البدو الرحل في العالم، تتنقل عبر السهول، مع قطعانها، متبعةً دورة المواسم؛ لكن خلال العقد الماضي عطَّل التغيُّر المناخي نمط حياة هذا المجتمع، الذي يعد أفراده بالملايين، وهم يضطرون إلى الاستقرار بشكل متزايد.

قشم.. جزيرة عربية

خُصص الجزء الأخير من الفيلم لاستعراض أكبر جزيرة في البلاد، “قشم”؛ حيث ينكشف ساحل خليج عمان، وهي جزيرة ذات نظام بيئي فريد، كانت أرضاً عربية، وانتهى بها الأمر كجزء من الإمبراطورية الفارسية.

جزيرة قشم- من فيلم “إيران من الجو”- “دويتشه فيله”

ويسكن “قشم” شعب “بانداري”، الذي يعيش بشكل رئيسي حول الخليج العربي، الذي كان سابقاً محطة رئيسية على طريق الحرير، ويرتبط شعب بانداري بتقاليد الأجداد ويحافظ عليها. وتضم الجزيرة بعض أحواض السفن التي لا تزال تصنع القوارب التقليدية “لنج”.

برقع- من فيلم “إيران من الجو”- “دويتشه فيله”

وبالنسبة إلى نساء البانداري، فهن الوحيدات اللواتي بقين يمارسن تقليد “الخشدوزي”؛ إذ يقمن بالتطريز بخيوط الذهب، ليُعِلن أنفسهن، ولا يوجد نموذج محدد للخشدوزي؛ لكن يتم رسم الأشكال على القماش قبل التطريز.

وترتدي النساء في “قشم” البرقع بعد الزواج؛ للإشارة إلى أنهن أصبحن سيدات، وهو تقليد قديم استمر حتى الآن، وفي كل قرية من قرى الجزيرة شكل للبرقع خاص بها، وكلما تقدمت النساء في السن يصبح البرقع أكبر ويغطي الوجه أكثر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة