الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةصحة

فيروسات التكفير والتطرف تنبعث في زمن “كورونا” بالمغرب

الدار البيضاء – إلهام الطالبي

“إن الأوبئة هي جند من جنود الله، خلقها الله لخدمة الإنسان”، هكذا وصف محمد عبادي، أمين عام جماعة العدل والإحسان الإسلامية في المغرب، وباء فيروس كورونا المستجد.

أثار تصريحه كثيرًا من الجدل، لا سيما أنه من المؤثرين؛ لأن عدد أعضاء جماعة العدل والإحسان يبلغ 200 ألف عضو بالمغرب، ويوجدون في مختلف مدن المغرب، حسب دراسة لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى عن جماعة العدل والإحسان، من إعداد الباحثة الأمريكية فيش ساكتيفيل.

اقرأ أيضًا: العالم بعد “كورونا”

ففي الوقت الذي تواجه فيه الدولة المغربية وباء كورونا بحزمة من القرارات؛ لوضع حد لانتشار الفيروس، يخرج عبادي في فيديو بثَّه على قناة “الشاهد” التابعة لجماعته، ليُخبر مريديه أن “هذه الأوبئة تثور أحيانًا ضد الإنسان، وتفتك بمئات وآلاف وملايين البشر، مع أن الأصل في خلقها هو أن تكون في خدمة الإنسان”.

محمد عبادي

ويُضيف شيخ الجماعة: “تثور في وجهه (الإنسان) عندما يتخلَّى عن وظيفته، فتغضب لله وتنتقم لله؛ فهي جند من جنود الله يسخرها الله، سبحانه تعالى عز وجل، ليؤدب بها الإنسان ليرجع إلى مولاه”.

يعتبر شيوخ الفكر السلفي بالمغرب أن الوباء انتقام إلهي من الكفار، داعين المسلمين إلى تقبله والاستسلام له.

اقرأ أيضًا: إيطاليا.. فيروس كورونا وتجربة الاستمتاع بالخوف

لهذا الفكر تداعياته على الأفراد، فبعض المغاربة يرفضون الالتزام بتدابير الوقاية، مشددين على أهمية تقبُّل القضاء والقدر، معتبرين أن الوباء انتقام إلهي من الكافر الغربي.

أصدرت السلطات المغربية حزمة من القرارات لوضع حد لانتشار الوباء؛ مثل إغلاق المدارس والمطاعم وغيرهما من الأماكن العامة.

تجمعات لصلاة أمام المسجد بعد إغلاق السلطات المغربية المساجد- مواقع التواصل الاجتماعي

وأفتت الهيئة العلمية للإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى، بضرورة إغلاق أبواب المساجد في المملكة؛ للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد.

الإغلاق جاء بناءً على إفتاء الهيئة العلمية، ويهم كل الصلوات اليومية الخمس وصلاة الجمعة، مع استمرار رفع الأذان.

لم يستوعب شيوخ الفكر السلفي أن إغلاق المساجد جاء من أجل حماية المواطنين من انتشار الفيروس؛ بل بث الشيخ السلفي أبو نعيم فيديو، يقول: “إن البلد الذي تُغلق فيه المساجد، يُعتبر بلدًا مرتدًّا عن دين الإسلام ويُصبح بلد حرب”.

وفي اليوم ذاته، نشر رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورًا لأشخاص اجتمعوا أمام باب المسجد المغلق لأداء الصلاة، غير مبالين بأن الإغلاق جاء لمنع التجمع وليس بهدف الصلاة في حد ذاتها.

اقرأ أيضًا: ما مصدر فيروس كورونا.. الثعابين والخفافيش أم البنغولات؟

أمام حملات توعية من خطورة الوباء، يُطلق سلفيون متشددون بالمغرب خطابات تدفع بعض المواطنين إلى الإيمان بالغيبيات ونظريات المؤامرة.

وأطلق نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي حملة تطالب بتوقيف أبي نعيم؛ بسبب الفيديو التحريضي ضد إغلاق المساجد بهدف مكافحة فيروس كورونا المستجد.

وتجاوبًا مع مطالب النشطاء، اعتقلت السلطات المغربية الشيخ السلفي أبا نعيم.

يتعامل بعض المغاربة مع وباء كورونا باعتباره انتقامًا إلهيًّا، ويرفضون الالتزام بتدابير الوقاية؛ لكن بمجرد أن أعلنت الحكومة المغربية وقف الدراسة، سارعوا لاقتناء كميات كبيرة من السلع.

اقرأ أيضًا: سر المريضة 31.. كيف انفجرت حالات “كورونا” في كوريا الجنوبية؟

هم يعتبرونه قضاءً وقدرًا ولا يجب نقاش الموت بل يجب الاستسلام له، وفي الوقت نفسه يتهافتون على شراء كميات كبيرة من السلع الغذائية؛ مما يكشف عن تناقض كبير بين تمثلاتهم وسلوكياتهم.

من جهته، يعتبر عبدالرحيم عنبي، الباحث في علم الاجتماع، أّنه “يُمكن أن نتنبأ كعلماء اجتماع في المغرب أو المغرب العربي بردود أفعال المغاربة اليوم بسبب انتشار فيروس كورونا. عندما نقرأ تاريخ المغرب العربي جيدًا، ونقرأ تاريخ الفقر والمجاعات بالمغرب، وكيف تشكَّلت الذهنيات، نجد أن ثقافتَي الجوع والغيب مكونان أساسيان للوعي الاجتماعي المغربي ويحكمان سلوكياتهم”.

عبدالرحيم عنبي

ويضيف الباحث المغربي، خلال حواره مع “كيوبوست”: “كثير من الناس يعتبرون أن هناك تغييرًا في المجتمع؛ لكن فقط على مستوى الشكل، بينما الثابت الذي يشكل شخصية المغاربة ما زال مستمرًّا”.

وتساءل عنبي: “لماذا هناك تناقض في سلوكيات المغاربة؟ ولماذا خرج بعض المغاربة في الابتهالات؟ ولماذا تهافتوا على السلع وتحكمت فيهم اللهفة؟”.

ويُجيب الباحث في علم الاجتماع: “إن تهافتهم على المواد الغذائية يعود إلى سنوات الجوع والمجاعة التي شكَّلت شخصية الفرد المغربي، وجعلته يعتقد دائمًا أن الأشياء ستنتهي، ويجب عليه أن يجمع أكبر عدد من الأكل”.

اقرأ أيضًا: حتى لا نصل إلى السيناريو الكارثي بسبب “كورونا”

وتابع عنبي: “المغربي لا يهمه الآخر، يُفكر في نفسه فقط، وحتى التضامن جاء من قوة الدولة؛ لأن الملك أعطى أوامره لإنشاء صندوق للتضامن المخصص لجائحة كورونا، إذن الدولة تتضامن مع المواطن، والمواطنون أيضًا يتضامنون مع المواطنين عبر صندوقها.. إنه تضامن بسلطة الدولة”.

ويعتبر الباحث في علم الاجتماع أنه “عوضًا عن أن يهتم المغاربة بطرق الوقاية لمواجهة المرض، يلجؤون إلى علم الغيب، ويقرؤون الابتهالات؛ لأنهم يظنون أن الله يعاقبهم، وينظرون إلى الله كأنه شخص جلاد يعاقب وينبغي أن نتضرع إليه”.

اقرأ أيضًا: إنفوغراف.. 12 أكذوبة عن فيروس كورونا

لقد كشف وباء كورونا عن كثير من الأمراض الاجتماعية التي يُعانيها المجتمع، من قبيل التنمُّر والعنصرية، والتي لم تقتصر فقط على الآسيويين المقيمين بالمغرب، بل أيضًا المهاجرين المغاربة القادمين من أوروبا؛ بسبب تحولها إلى بؤرة للفيروس.

ويُواجه البعض مخاوفه بالعنصرية وتحميل الآخر مسؤولية ما يقع، وهناك مَن يلجأ إلى التديُّن بحثًا عن الأمن الروحي ولإيجاد أجوبة لأسئلة علمية يعجز عقله عن استيعابها.

نادرًا ما يتحدث المغاربة عن مخاوفهم بصوت مرتفع، وأن هناك وباءً عاجزين عن مواجهته.

هاينز بود

أستاذ علم الاجتماع الألماني هاينز بود، في جامعة كاسل بألمانيا، اعتبر أنه من المهم أن نتحدث عن مخاوفنا، ونعترف بها.

ويُضيف عالم الاجتماع الألماني: “نعم، هناك بالفعل خطر، وعلينا أن نتصرف بشكل معقول الآن”1.

وفي حواره مع موقع “تي أون لاين دويتشلاند”، قال بود: “إنه يجب أن نُظهر لإخواننا البشر أنهم ليسوا وحدهم مع مخاوفهم”، مضيفًا أنه يمكننا جميعًا التقليل من الخطر من خلال التصرف بشكل معقول واتخاذ التدابير الوقائية.

يشير عالم الاجتماع الألماني إلى أن أزمة كورونا تشكِّل نهاية مرحلة النيوليبرالية في العالم، ومفهوم الفرد القوي الذي صنعته الرأسمالية والعولمة. يؤكد هاينز بوند أهمية التضامن بين المجتمعات لمواجهة هذه الأزمة.

شاهد: فيديوغراف.. “كورونا” يعطِّل الشعائر الدينية عالميًّا

ولأن المغرب جزء من هذا النظام العالمي، الذي يعيش اليوم تحولات مهمة، بالانتقال من نظام استهلاكي للفرد إلى مرحلة إعادة النظر في مجموعة من الأولويات؛ بهدف النجاة من هذه الأزمة، فالخطاب التطرفي لشيوخ السلفية المنغلق على ذاته لم يعد مقبولًا اليوم أكثر من أي وقت؛ لأنه يتنافى مع قيم التضامن الإنساني.

يعتبر عالم الاجتماع هاينز بوند أن الفيروس لا يأخذ بعين الاعتبار الفرد أو مكانته الاجتماعية أو مواقفه؛ لأن جميع المجتمعات بغض النظر عن ديانتها تواجه مصيرًا مشتركًا.

اقرأ أيضًا: “سي إن إن” عن مساعدات الإمارات لإيران لمواجهة “كورونا”: خطوة غير تقليدية

وفي حواره مع موقع “دويتشه كولتوغ فونك”، يقول هاينز بوند: “إن زمن النيوليبرالية الذي بدأ في نهاية السبعينيات انتهى”، موضحًا: “أعتقد أن مرحلة النيوليبرالية تقترب من نهايتها وأن المجتمعات بحاجة إلى التضامن عوضًا عن الانغلاق”2.

ويؤكد عبدالرحيم عنبي، الباحث في علم الاجتماع المغربي، خلال حديثه مع “كيوبوست”، أن “هناك تحولًا من الدولة النيوليبرالية إلى الاجتماعية على مستوى دول العالم، وفي المغرب نسير أيضًا نحو الدولة الاجتماعية؛ فبمجرد ما بدأت أزمة فيروس كورونا تدخَّل الملك المغربي محمد السادس؛ لإنشاء صندوق للدعم والتضامن مع الفئات المتضررة، وأيضًا القطاع الصحي. وهنا الدولة المغربية اتخذت تدابير اجتماعية لم يعُد يهمها فرض سلطتها، وجميع التشريعات تهدف إلى حماية المواطن”.

اقرأ أيضًا: “كورونا” في إيطاليا.. هل ما زلنا قادرين على التضحية؟

وخرق مواطنون مغاربة الحجر الصحي في مدينتَي طنجة وفاس، وتظاهروا في الشارع وهم يرددون “الله أكبر”، وسجدوا على الأرض، معتبرين أن خلاصهم من وباء كورونا يكون بالتكبير والدعاء لله. وفتحت السلطات المغربية تحقيقًا لمتابعة المحرضين على خرق الحجر الصحي.

ويُشير عنبي إلى أن الدولة تنتقل إلى الدولة الاجتماعية؛ لكن الأفراد يقاومون، موضحًا: “الدولة تطلب منهم عدم الخروج لأجل صحتهم، وهم يخرقون الحجر الصحي؛ لأن العقل الغيبي لا يزال يتحكم في سلوكياتهم، ومنهم مَن يعتبر أنه يجب أن يستسلم للمرض؛ كي يموت شهيدًا ويذهب إلى الجنة، ويعتبر أن الوباء عقاب إلهي”.

يومًا بعد يوم ومع ظهور حالات جديدة، يظهر الدعم والتضامن بين بعض فئات المجتمع المغربي، وفي الوقت ذاته تطفو على السطح أمراض اجتماعية؛ مثل التشفِّي وخطاب الكراهية.

فيلهلم شميد

وباء كورونا وضعنا كمجتمع مغربي أمام تحدي أن ننتصر للقيم الإنسانية عبر الوقاية وحماية الآخرين وخوض معركة ضد التطرف، أو نستسلم للوضع وننهزم في حربنا ضد الوباء.

وفي السياق ذاته، يعتبر الفيلسوف الألماني فيلهلم شميد، خلال حديثه مع “دويتشه كولتوغ فونك”، أن “الأوقات غير عادية، هي أوقات يجب أن نتعلم منها”3.

ويشير الفيلسوف الألماني إلى أن “انتقال فيروس كورونا من شخص إلى آخر أو اثنين أو ثلاثة أو خمسة أو عشرة، وإصابته لكثيرين.. تُعلمنا الآن أننا نواجه مصيرًا مجتمعيًّا مشتركًا لا يقتصر فقط على العائلة أو دائرة الأصدقاء؛ بل جميع دول العالم، وربما لأول مرة نتعلم أن لجميع دول العالم مصيرًا مجتمعيًّا مشتركًا”.

المصادر:

1-https://www.t-online.de/nachrichten/id_87528872/coronavirus-wie-wir-covid-19-besiegen-werden.html

2-https://www.deutschlandfunkkultur.de/soziologe-heinz-bude-zu-corona-solidaritaet-ist-heute-etwas.1013.de.html?dram:article_id=472663

3-https://www.deutschlandfunkkultur.de/leben-mit-der-corona-pandemie-eine-zeit-des-lernens.1270.de.html?dram:article_id=472772

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة