الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

فيديو كليب سعودي.. يُعيد إلى الواجهة جدل الانفتاح والانغلاق

كيوبوست

منذ دخول المملكة مرحلة جديدة من تاريخها، عنوانها الانفتاح اجتماعيًّا وسياحيًّا وتشجيع كل أشكال الحياة الثقافية والفنية، احتل كل ما هو جديد بالنسبة إلى السعوديين حيِّزًا من البحث والجدل؛ لكن ما حدث مؤخرًا مع أصايل البيشي، المتحدرة من مدينة مكة المكرمة، تجاوز كل ذلك؛ خصوصًا بعد أن وجَّه أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، بإيقاف المسؤولين عن إنتاج فيديو أغنية الراب “بنت مكة” التي تغنَّت بكلماتها أصايل، وتراقصت على ألحانها مجموعة من الفتيات. ووَفقًا لما أعلنته إمارة منطقة مكة المكرمة، فقد تضمَّن توجيه الأمير خالد الفيصل إحالة كلّ مَن شارك في هذا العمل إلى الجهات المختصة؛ للتحقيق معهم وتطبيق العقوبات بحقهم، لإساءتهم إلى عادات وتقاليد أهالي مكة، وتنافي الأغنية المذكورة مع هوية وتقاليد أبنائها الرفيعة.

بنات الرياض

وبإيقاف صنَّاع أغنية الراب “بنت مكة”، استعادت ذاكرة السعوديين ردود الفعل التي صاحبت صدور رواية “بنات الرياض” لرجاء الصانع، في عام 2005، والتي انشغل بها الشارع السعودي لسنوات بين مؤيد ومعارض، وجعلت المبدع السعودي أمام مأزق سطوة النسق الاجتماعي الذي قد يتحول في بعض حالاته إلى إرهاب فكري.

اقرأ أيضًا: السوق الديني وصراعات رأس المال الرمزي

وأطلق مغردون على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، وهو الأكثر شهرةً بين السعوديين، هاشتاجات تحمل عناوين تتفاوت بين الرفض “لستن بنات مكة” والتأييد هاشتجات “بنت مكة” تمثلني.

وجاءت ردود الفعل بين مستغرب من أمر الإيقاف وآخر رافض للأغنية، بل واعتبرها البعض إساءةً إلى أهل مكة المكرمة خصوصًا، وأبناء المملكة عمومًا، مشددين على رفضهم كل ما يمس الهوية ثقافيًّا واجتماعيًّا.

ويُظهِر الفيديو فتاة تغنِّي واصفةً نفسها بأنها “بنت مكة”، ذاكرةً عددًا من الصفات التي تتحلَّى بها؛ منها العطاء والكرم والجمال. وظهرت المغنية برفقة فتيات رقصن بأسلوب “بريك دانس”، ونشرت الأغنية عبر موقع قناة أصايل الخاصة في “يوتيوب” في 13 فبراير الجاري، وحظي المقطع بأكثر من 82 ألف مشاهدة، قبل حذفه نهائيًّا؛ لكنَّ نسخًا عديدة منه بقيت موجودة على نفس الموقع.

يقال إن أصايل هي مَن كتبت كلمات الأغنية كما هي عادة مطربي فن الراب؛ حيث إنها بالإضافة إلى موهبتها في الغناء، تمتلك أصايل موهبة كتابة الأغاني، والكلمات تتحدث عن بنات مكة ومكانتهن، وحب الشباب لهذه البنت الأصيلة بلونها وقوامها وخفتها وجمالها، ومن كلمات الأغنية:

أيوه أنا بنت مكة

أصيلة وعشناها تشقى

في وقت الشدة ما نتكى

ينشد بيا الضهر تلاقيني عالدكة

فل وكادي الشعر مسقى

نمبر وَن هيّا رح تِبقَى

تبى الجمال هنا رح تلقَى

بنت الغربية بنت مكة

سيدي وخالو وستو

شوف الكلام كيف بتمطو

لبنية وحلاوة لدو

يا حظ اللي بتطيح في يدو

وأيضًا من كلمات الأغنية:

إذا بيضة زي اللمبة تلمع

والسمرا اوه جمالها يلسع

خليني نبذة أعطيك

المكاوية عنهم تغنيك

لا تجرحها والله تأذيك

اقرأ أيضًا: كيف تغيَّرت النظرة السعودية إلى الحب والمواعدة؟

ردود فعل

وقد تباينت ردود المغردين السعوديين على الموقف بين رافض ومؤيد:

يقول رئيس مركز أسبار للدراسات والبحوث، فهد العرابي الحارثي، في تغريدة له مستنكرًا بشدة الأغنية: (إنتي بنت مكة؟! وأصيلة أيضاً؟! شرّف الله مكة عنك وعن أمثالك! يا جماعة هذا مش انفتاح! هذا سماجة وقلة حياء!) في تهجُّم مباشر على المغنية.

وعلى العكس من ذلك، غرَّد المهندس خالد العثمان، في تغريدة له: (أغنية “بنت مكة” بكل بساطتها أخرجت ما في نفوس الكثيرين من رواسب العنصرية البغيضة، وهؤلاء هم مَن يستحقون التجريم والعقوبة. الأمر لا علاقة له بقدسية مكة المكرمة، فالإشارة هنا مكانية وليست دينية.. وقبلها غنَّى السابقون في فُلكلور الحجاز “أهل مكة حمام وأهل المدينة قماري”).

 

شاهد أيضًا: فيديوغراف.. المقاهي السعودية نافذة التغيير في المجتمع

بين النساء أيضًا تفاوتت ردود الفعل؛ فالمغردة أماني الأحمدي تقول في تغريدة لها: (أنا قبيلية وحجازية، وأحب أقول لكم إن بنت مكة تمثلني للمعلومية، الحجاز ما هي للقبايل وبس! حلاوة الحجاز بتنوع الثقافات اللي فيها، وهادا الشيء يلاحظ في أي منطقة عالساحل الغربي في العالم؛ لأنها حتكون وجهة عالمية. فبلاشي لحجنة وعنصرية، خلّوا الناس تعبّر عن نفسها وثقافتها بدون اضطهاد).

الإعلامية منى أبو سليمان، عبَّرت عن رفضها لأغنية أصايل؛ ولكن بطريقة مختلفة، قائلةً: (الأغنية وما حصل بها لا يليق؛ فمكة والمدينة لهما خصوصية غير جميع المدن. لكن لا ننسى أن الكثير من إخواننا ذوي الأصول الإفريقية لم يأتِ أجدادهم إلى المملكة برغبتهم، وإنما سُرقت حريتهم من مئات السنين، وبعد تحريرهم استقروا هنا، فلا نستخدم الفيديو لبث العنصرية. تذكير سيدنا بلال من #مكة).

تغريدة منى أبو سليمان فتحت بابًا آخر للجدل؛ حيث اعتبرها البعض محاولة تذكير فئة من أبناء المملكة بتاريخ العبودية، والضرب على وتر العنصرية بطريقة دبلوماسية.

المغرد إبراهيم الفقيه، يقول في تغريدة شرح فيها سبب هذا التنمر على المغنية: (ذنب هذه البنت أنها سمرا، وقالت بنت مكة، والغريب استمرت في مدح بنات مكة بطريقة محترفي الراب، وظهر هاشتاج بعد إيقافها باسم “هوية الحجاز”؛ لإثبات أن الاحتقان أصلًا عشانها سمرا، وسقطت أقنعتهم وبان معدن كلنا واحد وديننا ما يفرق بين أسمر وأبيض).

رأي الخبراء

أستاذ اجتماعيات العلوم والمعرفة المشارك بجامعة الملك سعود، عبدالسلام الوايل، قال لـ”كيوبوست”: “غاب عن الحانقين على كليب (بنت مكة) الفرصة الهائلة لنا المُتضمنة في الأغنية. من المعروف أن المملكة العربية السعودية مجتمع متعدد ثقافيًّا، وأننا كسعوديين لنا مصدر للغنى والتعدد الثقافي يجعل منّا حالة فريدة في العالم القديم (آسيا وإفريقيا وأوروبا). حالة تتمازج فيها ثقافات وافدة من بلاد مختلفة، وهو مما تفتخر به الأمم القوية في العالم الجديد وتعدّه مصدر قوتها، كالولايات المتحدة مثلًا”.

الدكتور عبد السلام الوايل

ويتابع الوايل: “لقد مثَّلت مكة وعلى مدى القرون منذ فجر الإسلام معرضًا لثقافات الشعوب الإسلامية. في مكة توجد عناصر ثقافية وافدة من كل مواضع العالم الإسلامي. إنه عالم واسع؛ حدوده شرقًا في الفلبين والصين وروسيا، وشمالًا في ألبانيا والبوسنة، وغربًا في الجانب الإفريقي من سواحل الأطلسي. من هذه البلدان وعلى مدى قرون أتى حجاج وحملوا معهم تراثهم واستقروا في مدن الحجاز. ومع الزمن وطَّنوا بعضًا من أوجه هذا التراث، فأغنوا تراثنا المحلي وقدموا لنا فرصة للفخر بتعددية ثقافية يعزّ على أحد مجتمعات العالم القديم أن يضمَّها، والكليب لا يقدم نفسه كممثل وحيد لبنات مكة، لذا علينا أن نحسن قراءته”. 

اقرأ أيضًا: النسوية في السعودية بين فريقَين

اقرأ أيضًا: المجتمع السعودي يعيش مرحلة تغيُّر جذري.. والانفتاح لصالح صناعة السينما

د.هشام الغنام

هشام الغنام، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية وكبير الباحثين في مركز الخليج للدراسات، قال لـ”كيوبوست”: “من المؤسف أن ينزلق إلى مستنقع العنصرية ممن ينتسب إلى الثقافة أو بعض مَن يدَّعيها. فالاختلاف أو حتى خطأ من بعض أفراد الوطن أو مقيميه وساكنيه يتم علاجه من قِبَل الجهات المعنية وليس بابًا أو ساحةً للتراشق العنصري أو الطائفي”.

وأضاف الغنام: “أنظمة المملكة وتشريعاتها وضماناتها المؤسسية واضحة وقاطعة في هذا الإطار؛ هي تحظر وتجرم جميع أشكال العنصرية والكراهية، ولا يليق بالمثقف أو غيره السقوط في هاوية العنصرية والتعصب أو في فخ الكراهية”.

وتقول إحدى الكاتبات المهتمات بالشأن السعودي في حديثها إلى “كيوبوست”: “من المؤسف حقًّا أن يثير موضوع كليب (بنت مكة) كل هذا الجدل، في وقت تفتح فيه المملكة بابًا للسيَّاح وتحاول تعريفهم بكل أوجه الاختلاف والتنوع الثقافي والسياحي في المملكة، ومن المؤسف فعلًا أن نطالع في بعض الصحف والمواقع الأجنبية هذا الخبر وقد تصدر الحديث عن السعودية الجديدة، في الوقت الذي اختفت فيه الأخبار السلبية تقريبًا عن المملكة، منذ إعلان القرارات السياسية الرائدة والتي سمحت بتمكين المرأة؛ ابتداءً من منحها حق القيادة وحتى إسقاط ولاية الرجل عنها. إن تصاعد هذا النفس العنصري والذي لم يجد حتى الآن أي قوانين رادعة في وجهه، يدق ناقوس الخطر داخل بلد ينشد الانخراط في منظومة كونية ترفع من شأن التنوع العرقي والفكري والثقافي حول العالم”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة