الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

فيدريكو كورينتي.. في وداع شيخ المستعربين الإسبان

ترجم المعلقات القديمة وحقق ديوان ابن قزمان، وألَّف كتب النحو العربي باللغة الإسبانية.. وترك أكبر وأهم قاموس إسباني عربي بين أيدي الدارسين حتى الآن

إيهاب الملاح

برحيلِ المستعرب الإسباني الكبير فيدريكو كورينتي؛ فجر الأربعاء الماضي، والذي نعته أكبر المؤسسات العلمية والثقافية الرفيعة في إسبانيا والعالم العربي، يُسدل الستار على مرحلة زاهية وزاهرة من الاستعراب الإسباني المعاصر الذي نما وازدهر، وأثمر أعلاما كباراً في مجال الدراسات الأندلسية والتاريخ والحضارة والأدب المقارن واللغويات، وأعمالاً رائدة ومرجعية في مجالات التأليف والتحقيق، ونشر المخطوطات الأصلية، والنصوص الأندلسية، وصناعة المعاجم..

فيدريكو كورينتي؛ الذي توفي بمدريد عن 79 عامًا؛ كان أكبر المستعربين الإسبان سنًّا؛ وهو عضو الأكاديمية الملكية الإسبانية، وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والمترجم الشهير الذي نقل ذخائر وعيون الثقافتين العربية والإسبانية، من وإلى اللغتين معًا، في واحدة من أكبر عمليات المثقافة والتبادل الفكري والحضاري في العقود الأخيرة.

أغلفة من اصدارات الراحل

ترجم المعلقات الجاهلية إلى الإسبانية، ووضع أشهر سلسلة كتبٍ لقواعد اللغة العربية بالإسبانية، وألَّف أهم القواميس اللغوية (الإسبانية – العربية)، وغير ذلك كثير جداً من الإنجازات والأعمال التي أُتخمت بها سيرته الذاتية المشرفة.

نعي الأكاديمية الملكية الإسبانية لرحيل المستعرب الكبير

كان كورينتي آخر سلالة العظماء من أجيال المستشرقين والمستعربين الإسبان في القرن العشرين؛ الذين قدموا خدماتٍ جليلة للعلم والثقافة الإنسانية بعامة، وللثقافتين العربية والإسبانية خاصة؛ سلسلة ذهبية كان من أشهر حلقاتها؛ ميجيل آسين بلاثيوس صاحب الدراسات المعتبرة عن «ابن عربي ومذهبه»، وآنخل جونثالث بالنثيا صاحب العمل المرجعي الضخم «تاريخ الفكر الأندلسي»، وخوليان ريبيرا، وأورتيجا إي جاسيت، وإيميليو جارثيا جوميز.. وغيرهم، ممن يعرف قدرهم وقيمتهم المتصلون بالدراسات الأندلسية.

شاهد: فيديوغراف..هل الفنون متعة خاضعة للأذواق أم قيمة خالدة؟

تتلمذ فيدريكو كورينتي، منذ كان في الثامنة عشرة من عمره، على يدي أشهر وأكبر أستاذين للدراسات الأندلسية في العالم أجمع؛ وهما المستشرق الإسباني الكبير جارثيا جوميز، وهو أشهر من أن يعرف في مجاله، والثاني شيخ شيوخ الدراسات الأندلسية في الجامعات العربية والعالمية المرحوم العلامة د.محمود علي مكي، وربما كان كورينتي أنبه تلاميذه وأكثرهم إخلاصًا، وكان مُذهلًا بإجادته التي كانت مضرب الأمثال للغة العربية بمستوياتها الفصيحة ولهجاتها العامية، وبحوثه ودراساته في النحو العربي، فضلا على نصوصه التي أنتجها بالعربية، تشهد على ذلك.

فيدريكو كورينتي

وما زالت كلمات كورينتي الرائعة التي رثى بها أستاذه محمود علي مكي عقب رحيله، وصاغها على النسق الأسلوبي التراثي القديم، شاهدة على براعة قد لا تتوفر لكثيرين من أبناء العربية نشأة وتربية وثقافة، وكذلك الأبيات التي أنشأها بعربية فخيمة رفيعة لوداعه.

ومن يراجع تحقيقه الفذ لديوان ابن قزمان القرطبي المسمى «إصابة الأعراض في ذكر الأغراض»، ويقرأ المقدمات العميقة والإيضاحات الوافية والدراسة المحيطة المستوعبة لابن قزمان وشعره وأزجاله، يدرك جيدا معنى وقيمة أن تكون باحثاً حقيقياً، ودارساً وأكاديمياً محترماً يستوفي موضوعه حتى لا يترك فيه زيادة لمزيد؛ كل ذلك حدا بأستاذه الكبير الراحل محمود علي مكي أن يصف هذا الديوان الأندلسي الأصيل؛ بأنه الديوان الذي “ردَّ الله غربته، فنُشر لأول مرة بالحرف العربي؛ بفضل ذلك المستشرق الإسباني الجليل فيديريكو كورينتي”.

اقرأ أيضًا: هل من حقنا أن نضع توقيعاتنا على أعمالنا الفنية؟

ويذكر أن تحقيق كورينتي لديوان ابن قزمان في طبعته المنقحة الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 1995 قد حاز على جائزة أفضل كتاب محقق في معرض القاهرة الدولي للكتاب 1996، وقد احتفى به المثقفون المصريون والعرب في ندوة علمية كبيرة نظمت خصيصاً على شرف كورينتي بالعاصمة المصرية؛ وشارك فيها بالحضور والمناقشة في حدث احتفت به الأوساط العلمية المصرية والعربية آنذاك احتفاء كبيراً.

سيرة عطرة

المترجمة والأكاديمية المصرية؛ الدكتور عبير عبد الحافظ؛ رئيس قسم اللغة الإسبانية وآدابها بجامعة القاهرة؛ وتلميذة المستعرب الراحل بالجامعات الإسبانية، قالت في تصريحاتٍ خاصة لـ “كيوبوست”: “خسارتنا فادحة. كان من أنبل الشخصيات التي تعرفت عليها خلال مسيرتي العلمية”.

القاموس الأشهر للراحل

وأضافت د.عبير “كان د.فيديريكو من أمتن الجسور بين الثقافتين العربية والإسبانية، وهو من أهم المستشرقين الغربيين، وضع القواميس من وإلى العربية والإسبانية. كما ترجم المعلقات القديمة، وحقق ديوان ابن قزمان، وألَّف كتب النحو العربي باللغة الإسبانية، وغيرها من الجهود المضيئة التي أفاد منها دارسو الإسبانية والعربية، على حد سواء”.

د.عبير عبد الحافظ

وعن جانب من نشاطه العلمي والثقافي في حقل اللغة العربية، وإنتاجه العلمي الغزير، تقول عبد الحافظ “كان يدافع عن اللغة العربية ويخشى على مستقبلها، وقد دعاني لألقي سلسلة من المحاضرات في جامعة سرقسطة الإسبانية، ثم التقينا في الشارقة لنلقي بحثين؛ هو عن النحو العربي، وأنا عن الرواية الإسبانية.. له أكثر من أربعين مؤلفاً، وقرابة مائتي مقال علمي لا غنى عنها في حقل الدراسات الإسبانية، وأعتقد أنه ترجم رواية لنجيب محفوظ إلى الإسبانية إن لم تخني الذاكرة، فنشاطه كان منصباً أكثر على اللغويات، غير أنه كان يترجم عن الإثيوبية أيضاً”.

وتختتم عبد الحافظ “كان فذا خلوقا وفيا لأستاذه وأستاذنا د.محمود علي مكي وفاء منقطع النظير. أما خفة ظلّه وكرمه فلم أرَ ولن أرى مثلهما. وقد شرفني بالتقديم لترجمتي الأخيرة «مرثية موت أبيه». فكتب المقدمة باللغتين العربية والإسبانية، وهى آخر ذكرى لي معه”.

من آخر ما كتب المستعرب الراحل بالعربية.. تقديمه لترجمة الدكتورة عبير عبد الحافظ لكتاب «مرثية موت أبيه»

فيما علق المترجم والأكاديمي البارز، الدكتور جمال عبد الرحمن؛ أستاذ الأدب الإسباني وتاريخه بجامعة الأزهر، ناعيا المستعرب الكبير: “كان أول من عرفت من المستعربين، فهو صاحب القاموس الشهير، ثم أتيح لي أن أتعرف عليه شخصيًّا في مدريد، ولم تنقطع المراسلات بيننا إلا في السنوات الأخيرة. كلفني بإبلاغ رغبته في إعادة طبع ديوان ابن قزمان الذي حققه، فأبلغت أمين عام المجلس الأعلى للثقافة برغبته، وأبلغت من جاء بعده ولم يتخذ أيٌّ منهما خطوة جادة، وترك لي مخطوطا لكتاب أراد نشره في مصر، في المجلس الأعلي للثقافة بالتحديد.

أحد كتب الراحل

واختتم الخبير المتخصص في تاريخ الموريسكيين بقوله “فقدنا بوفاته باحثاً من طراز فريد، وعزاؤنا أنه ترك لنا تراثاً ضخماً من أبحاثٍ تفتح آفاقاً واسعة لمن يريد السير على الدرب”.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات