الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دولية

“فورين أفيرز” تعرض أفضل الكتب لعام 2020 (1)

كيوبوست – ترجمات

سيباستيان سترانجيو♦

على مدار عام 2020 قدمت “فورين أفيرز” عروضاً وقراءاتٍ بانورامية لأبرز ما قدمته دور النشر الكبرى. ونحن جمعنا لكم حصيلتنا الدسمة بمؤلفاتٍ تنتمي إلى مجالات متعددة بين التاريخ والسياسة والمجتمع، إضافة إلى الجائحة، حديث الساعة وأهم حدث في 2020. فإليكم أفضل الكتب التي راجعناها واخترناها من قِبل محرري ومعدي عروض الكتب.

كتاب: «سراب ميانمار.. لماذا أخطأ الغرب في بورما؟»

تأليف: سيباستيان سترانجيو

قبل بضع سنوات فقط، كان يُنظر إلى ميانمار (وتسمى أيضاً بورما) على نطاقٍ واسع على أنها قصة نجاح دولية. ففي مارس 2011، بعد نصف قرن من الحكم العسكري، وصلت حكومة شبه مدنية بقيادة الجنرال السابق “ثين سين” إلى السلطة، وشرعت في حملة رائعة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية. وعلى مدار العام ونصف العام التاليين، أطلقت الحكومة سراح المعارضين، ورفعت الرقابة على الصحافة، وسمحت لأيقونة الديمقراطية “أون سان سو تشي” بإعادة دخول عالم السياسة بعد أن أمضت سنوات تحت الإقامة الجبرية، كما فتحت محادثات سلام مع أكثر من اثنتي عشرة جماعة متمردة. واتخذت إدارة الرئيس ثين سين خطوات مهمة لترشيد الاقتصاد المشوه بعقود من السياسات الاشتراكية والعقوبات الغربية القاسية.

غلاف كتاب «التاريخ الخفي لبورما»- موقع “أمازون”

وعلى جبهة السياسة الخارجية، ازدرت ميانمار الصينَ؛ راعيها المتعجرف، من خلال تعليق مشروعات البنية التحتية غير الشعبية، وتحركت لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب. وفي أواخر عام 2011، زارت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، يانغون. وبعد فترة وجيزة، قام باراك أوباما (الرئيس الأمريكي حينذاك) بأول زيارة على الإطلاق إلى ميانمار من قِبل رئيس أمريكي في منصبه، وأشاد بـ”قوة البداية الجديدة”.

اقرأ أيضًا: رد فعل اللاجئين على انقلاب ميانمار: “سيواجه الناس المزيد من العنف”

ومع استمرار عملية التحرر، رفعت الدول الغربية العقوبات، وعادت ميانمار للانضمام إلى العالم. وتدفقت المساعدات والاستثمار إلى البلاد، جنباً إلى جنب مع موكب من الشخصيات البارزة -بداية من الممول والمستثمر جورج سوروس إلى رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير- الذين تحمسوا للمشاركة في تحولٍ تاريخي على ما يبدو.

وبلغ التحول الديمقراطي في ميانمار ذروته في 8 نوفمبر 2015، عندما قادت أون سان سو تشي حزبها “الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية” إلى فوز مذهل في الانتخابات الوطنية. وفي مارس التالي، سلم ثين سين السلطة إلى الإدارة الجديدة. وكان هذا هو أول انتقال سلمي للسلطة في ميانمار منذ عام 1960. وقد انقلبت الدولة التي كانت تتشابه ذات مرة مع كوريا الشمالية، إلى الجانب الصحيح من التاريخ.

ثم أظلمت القصة؛ ففي 25 أغسطس 2017، شنت جماعة مسلحة تطلق على نفسها اسم “جيش إنقاذ روهينجا أراكان” سلسلة من الهجمات على مواقع عسكرية عبر الروافد الشمالية لولاية راخين. ورد الجيش البورمي بسلسلةٍ لا رحمة فيها من العمليات العسكرية في شكل حملة تطهير عرقي أفرغت القرى من مسلمي الروهينجا. وبحلول نهاية العام، فرّ نحو 700 ألف من الروهينجا إلى بنغلاديش المجاورة. وتحدث لاجئون مرعوبون عن عمليات اغتصاب وتعذيب وإحراق وقتل خارج نطاق القضاء على يد الجنود البورميين والحراس البوذيين. واعتُقل صحفيان بورميان من “رويترز” بعد إعدادهما تقارير عن تلك الفظائع، ووجهت إليهما تهمة انتهاك قانون الأسرار الرسمية في ميانمار. وخلصت لجنة لتقصي الحقائق تابعة للأمم المتحدة لاحقاً إلى أن حملة الجيش ترقى إلى جرائم حرب محتملة وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.

اقرأ أيضاً: اللاجئون الروهينجا يتخوفون من إجبارهم على العودة إلى ميانمار.. وحالات انتحار في صفوفهم

وعندما تكشفت هذه الأزمة الإنسانية، تطلع الكثيرون خارج ميانمار إلى أون سان سو تشي، الحائزة على جائزة نوبل، ونالت الثناء على سنواتها في معارضة الديكتاتورية العسكرية في ميانمار، من أجل إيجاد حل؛ لكنها رفضت إدانة تصرفات الجيش، وأبدت اللا مبالاة التي بدت وكأنها تقترب من التواطؤ. وتراجع رصيد أون سان سو تشي الأخلاقي. وبحلول نهاية عام 2017، دعا النقاد والصحفيون إلى إلغاء جائزة نوبل للسلام.

وأزاحت الكلية الجامعية في جامعة أكسفورد؛ حيث درست أون سان سو تشي، صورة لها كانت معلقة عند مدخلها الرئيسي لمدة 20 عاماً تقريباً. وجردتها منظمة العفو الدولية من أسمى درجات التكريم. وبالنسبة إلى معجبيها السابقين، وصل الأمر بهم إلى أدنى نقطة في ديسمبر 2019، عندما مثلت أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، للدفاع عن ميانمار ضد اتهامات الإبادة الجماعية. وكانت هنا أيقونة مشهورة عالمياً للنضال الديمقراطي السلمي تتحدث نيابة عن الجنرالات الذين حاربتهم منذ أواخر الثمانينيات.

اقرأ أيضاً: المستفيد الوحيد من الانقلاب العسكري في ميانمار هم المتشددون في بكين

وبالنسبة إلى المراقبين الخارجيين، يصعب فهم هذا المسار المتذبذب؛ ولكن كما كتب المؤرخ “ثانت مينت يو” في كتابه الجديد الثاقب، “التاريخ الخفي لبورما”، فإن التصورات الدولية المتذبذبة لميانمار -من دولة منبوذة إلى قصة نجاح ديمقراطية والعودة مرة أخرى- تتحدث عن الآمال الغربية أكثر مما تتحدث عن الحقائق البورمية. وفي الواقع، يجادل ثانت مينت يو، بأنه على الرغم من جميع التغييرات الإيجابية التي اجتاحت البلاد بين عامَي 2011 و2015، فإن السياسات الأكثر انفتاحاً لم تفعل شيئاً يُذكر لمعالجة الانقسامات العرقية والطائفية طويلة الأمد. وتدور قصة ميانمار الأخيرة حول الاستمرارية بقدر ما تدور حول التغيير.

نهاية التاريخ

مع رهبانها المارونيين، والمعابد ذات الأبراج الذهبية، والتلال التي يكتنفها الضباب، كانت ميانمار دائماً بلداً يسهل إضفاء الطابع الرومانسي عليه. وفي القرن التاسع عشر، صورها الكتاب البريطانيون على أنها أرض الأبرياء الذين ينامون تحت نير الاستبداد الشرقي منعدم الكفاءة. وتم الترويج لهذه الصورة لتحقيق مكاسب سياسية؛ بما في ذلك من قِبل الصحافة البريطانية، لتبرير الإطاحة بآخر ملوك بورما، ثيبو، عام 1885.

لاجئون من الروهينغا في طريقهم إلى مخيمات اللاجئين في بنغلاديش.. أكتوبر 2017- “رويترز”

وفي الآونة الأخيرة، أدى نوع مختلف من الاختزالية إلى انحراف الفهم الغربي؛ ففي عام 1988 قمع الجيش البورمي بوحشية الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في جميع أنحاء البلاد؛ ما أسفر عن مقتل الآلاف من المتظاهرين. وفي أعقاب ذلك، برزت أون سان سو تشي كشخصية بطولية معارضة للحكم العسكري، وفي عيون الغرب اندمجت نضالات البلاد في مسرحية أخلاقية من جانب مجموعة من الجنرالات الأشرار وأعوانهم. ومن ناحيةٍ أخرى، كأيقونة محبوبة تقود شعبها في نضاله من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية.

ولعل أحد أسباب قوة هذه الرواية هو أنها أعادت تأكيد الافتراضات الأيديولوجية السائدة للمحللين والسياسيين في الغرب: أن العالم كان يتحرك بلا هوادة، وإن كان في بعض الأحيان بتردد، في اتجاه القيم الليبرالية. وفي خضم خيبات الأمل في الربيع العربي، يلاحظ ثانت مينت يو، أن تقدم ميانمار الثابت على ما يبدو قدم منشطاً نحن في أمسّ الحاجة إليه، وطمأنة بأن التاريخ لا يزال يتحرك في اتجاهه المحدد مسبقاً.

اقرأ أيضاً: إلى أين وصلت أزمة مسلمي الروهينجا؟

لكن هذه النظرة إلى ميانمار فشلت في مراعاة ظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية المعذبة. وتجاهلت الحروب الأهلية المستوطنة التي اندلعت لمدة سبعة عقود على طول الأطراف الجبلية للبلاد، فضلاً عن التوترات العرقية والدينية التي قامت عليها. كما تغاضت عن التحديات التي تفرضها التفاوتات الاقتصادية الهائلة في البلاد، نتيجة لرأسمالية المحسوبية الجشعة التي وضعت فوق السياسات الاقتصادية الفاشلة في عصر مبكر.

وربما يقدم “ثانت مينت يو”، الكاتب والمؤرخ والناشط في مجال الحفاظ على البيئة، الوصف النهائي لتوقف ميانمار خلال العقد الماضي. وتم وضع ثانت مينت يو في وضع جيد لرواية هذه القصة. وكان جده يو ثانت شخصية بارزة في السياسة البورمية في السنوات التي أعقبت حصول البلاد على استقلالها عن المملكة المتحدة عام 1948، وشغل في ما بعد منصب الأمين العام للأمم المتحدة.

أونغ سان سو تشي أمام المحكمة في لاهاي.. ونفت المزاعم بأن حكومتها سمحت بقتل مسلمي الروهينجا- “التايمز”

وتمتع ثانت مينت يو أيضاً، وهو مؤلف لثلاثةِ كتبٍ سابقة عن ميانمار ودرَّس لعدة سنوات في جامعة كامبريدج، بمقعد كاشف للأحداث التي يصفها؛ حيث كان يعمل كوسيط غير رسمي بين المسؤولين الغربيين والمجلس العسكري في ميانمار خلال السنوات الأولى من الإصلاح، ولاحقاً كمستشار لـ”ثين سين”. وسمحت له هذه التجارب بتجميع سرد تفصيلي لفترة حاسمة في تاريخ ميانمار، مع إثرائه بالحكايات والمقابلات مع الأطراف الفاعلة والرئيسة.

اقرأ أيضاً: هل تكون مفاتيح حل أزمة مسلمي الروهينجا بيد الصين؟

وفي رواية ثانت مينت يو، كان هناك ما هو أكثر من انفتاح ميانمار عام 2011 من مجرد تحول ليبرالي. وكان لإصلاحات “ثين سين” العديد من الدوافع المترابطة؛ ولكن القاسم المشترك الوحيد هو الخجل المتزايد وإحراج المسؤولين البورميين من مدى الاختلال الوظيفي لبلدهم. وبحلول السنوات الأولى من هذا القرن، كانت ميانمار أفقر دولة في آسيا. وكان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي التقديري أكثر بقليل من نصف مثيله في بنغلاديش وكمبوديا، وأقل من نصف نظيره في لاوس وفيتنام.

وأدت العقوبات القاسية التي فرضتها إدارة جورج دبليو بوش، إلى خنق تدفق المساعدات، وقضت على معظم المؤسسات التجارية المشروعة، وركزت القوة الاقتصادية في أيدي كبار رجال الأعمال الفاسدين وأمراء الحرب الذين يبيعون الميثامفيتامين. وبعد عزله عن جزء كبير من الاقتصاد العالمي، أصبح المجلس العسكري البورمي يعتمد بشكل كبير على التجارة مع الصين واستثماراتها، التي أدى وجودها الاقتصادي الخانق، وتدفقات المهاجرين إلى شمال ميانمار، إلى إثارة القلق الشعبي. ومن خلال السعي إلى انفتاح سياسي متدرج بعناية، كان المجلس العسكري يأمل في إضفاء الطابع المؤسسي على إرث الجيش وإنجازاته، واستعادة ما يشبه التوازن في سياسات ميانمار الداخلية والخارجية.

اقرأ أيضاً: ميانمار ساحة لاختبار الاستقرار السياسي والتنافس بين واشنطن وبكين

وما ينبثق من التاريخ الخفي لبورما هو إحساس بمدى عرضية وعدم يقين عملية الإصلاح هذه. وعلى الرغم من أن التغييرات الأكثر دراماتيكية حدثت بعد أن تولى “ثين سين” منصبه؛ فإن التحركات نحو الإصلاح قد بدأت قبل ذلك بكثير، على الرغم من أن القليل من خارج البلاد منحها الكثير من الفضل. وعلى وجه الخصوص، يؤكد ثانت مينت يو أهمية إعصار “نرجس” الذي ضرب دلتا إيراوادي في أواخر أبريل وأوائل مايو 2008، وخلَّف أكثر من 100 ألف قتيل في ميانمار، ودمَّر أجزاء كبيرة من الدلتا.

اقرأ أيضاً: أزمة مسلمي بورما.. الأسباب الفعلية والرواسب التاريخية

ومن خلال كشف الهشاشة والبارانويا والقدرة الرهيبة للدولة البورمية، خلق “نرجس” الظروف التي يمكن أن تبدأ فيها ميانمار في اتباع مسار جديد. ويشير ثانت مينت يو إلى أن هذا التقدم اعتمد على الأفراد داخل الحكومة والمجتمع المدني الذين يضغطون بشجاعة على مصلحتهم في المراحل الرئيسة. وجاءت إحدى هذه اللحظات في سبتمبر 2011، عندما علقت الحكومة مشروع سد مييتسون المدعوم من الصين في شمال ميانمار، والذي أصبح موضوع معارضة عامة وشرسة.

وفي تحليل ثانت مينت يو، حفز رد الفعل العام الحماسي على تعليق السد عملية الإصلاح من خلال منح “ثين سين” رأس المال السياسي اللازم للمضي قدماً في مزيد من التحرير.

الطبيعة مقابل الغذاء

وأدت السهولة الواضحة التي تكشفت بها الإصلاحات إلى قيام العديد من المراقبين الخارجيين بالتغاضي عن عمق وتعقيد تحديات ميانمار. ويرى ثانت مينت يو أن هذه التحديات؛ بما في ذلك التوترات الطائفية في ولاية راخين، لها جذور في الحقبة الاستعمارية، عندما أعادت المملكة المتحدة، بعد الاستيلاء على بورما في سلسلة من عمليات الغزو بين عامَي 1824 و1885، ترتيب التسلسل الهرمي العرقي للأمة من أجل استخراج الربح بشكل أفضل. وفي عام 1929، كتب جورج أورويل أن البريطانيين “يسرقون ويختلسون بورما بلا خجل”.

أونغ سان سو تشي تخاطب أنصارها في رانغون وتناصر الروهينجا.. يوليو 1989- “رويترز”

ووضع البريطانيون، الذين استوردوا المؤسسات والأساليب من مستعمراتهم الهندية، أجزاء مختلفة من البلاد تحت أشكال إدارة منفصلة، وفضلوا بعض الأقليات العرقية على الأغلبية البورمية العرقية. فقد استوردوا أيضاً مئات الآلاف من المهاجرين الهنود، الذين وصلوا ومعهم ما يزيد قليلاً على الخرق البالية على ظهورهم، وضغطوا على مصادر رزق البورميين. وكتب “ثانت مينت يو”: “لقد ولدت بورما كاحتلال عسكري، ونشأت كسلسلة هرمية عرقية”. وقد خلق عدم المساواة في الحكم الاستعماري خطوط الصدع بين العرق والهوية والتي من شأنها أن تطغى على البلاد بعد الاستقلال.

هذا هو “التاريخ الخفي” لعنوان الكتاب؛ حيث يصف “ثانت مينت يو” كيف كانت القومية البورمية الحديثة مصممة على تصحيح الاختلالات الاستعمارية، واستعادة التقاليد العسكرية المفقودة، وتأسيس الهوية العرقية والدينية للبلد كمبدأ منظم للأمة الجديدة. وكانت المشكلة أنه قبل استقلالها عام 1948، لم يكن لبورما سابقة كدولة موحدة. ووصف عالم الأنثروبولوجيا البريطاني، إدموند ليتش، البلاد بأنها “خيال صانع الخرائط”. وكتب عام 1963 أن “بورما كما هي ممثلة على خريطة سياسية حديثة ليست كياناً جغرافياً أو تاريخياً طبيعياً؛ إنها من صنع الدبلوماسية المسلحة، وملاءمة إدارية للإمبريالية البريطانية في أواخر القرن التاسع عشر”.

ومنذ لحظة الاستقلال تقريباً، انهارت بورما في مجموعة من النزاعات الأهلية التي حرضت الجيش والدولة المركزية -التي يسيطر عليها البورمان العرقيون- ضد المتمردين العرقيين والجماعات المتمردة الشيوعية التي تسيطر على الأراضي على طول محيط البلاد. وقدم عدم الاستقرار المزمن هذا التبرير للانقلاب العسكري عام 1962، والذي أدى إلى تأجيج رغبة المتمردين في الحكم الذاتي. ولم يتوقف القتال قط. وفي ضوء ذلك، كان الحكم العسكري أحد أعراض مشكلات ميانمار. وكما جادلت عالمة العلوم السياسية ماري كالاهان، فإن سيطرة الجيش كانت مجرد حل واحد -مهما كان مقيتاً ومضاداً للذات- لتحدٍّ عمره قرون يتعلق ببناء دولة في المناطق النائية التي نادراً ما كانت تخضع لسيطرة مركزية فعالة.

الخوف والانفجار في راخين

وبحلول عام 2011، ذهبت مشكلات ميانمار إلى أعمق بكثير من مجرد الغياب البسيط للانتخابات الديمقراطية؛ فخلال فترة الإصلاح، بدا أن العديد من المراقبين وصناع السياسة الغربيين يعتقدون أن كل الأشياء الجيدة تسير معاً، وأن الانتخابات والأسواق الحرة ستدفع التحديات المتبقية في ميانمار نحو الحل. ولكن كما كتب ثانت مينت يو: “لم يكن هناك أيضاً الكثير من التفكير بشأن أفضل المشاهد التي يمكن أن تهيئ البلاد للتغيير الديمقراطي وجعل التغيير مستداماً إذا ومتى حدث، ولم يكن هناك تفكير في ما إذا كانت الديمقراطية نفسها هي بالفعل أفضل مخرج أولي من الديكتاتورية العسكرية”.

ومن الناحية العملية، أدى الظهور المفاجئ لحرية التعبير والسياسات التنافسية إلى إثارة “مخاوف أقدم بشأن العرق والدين والهوية الوطنية”. وكانت هذه المخاوف مؤلمة بشكل خاص في ولاية راخين؛ حيث عزز البوذيون الراخين المظالم ضد الدولة البورمية التي يعود تاريخها إلى الغزو البورمي لمملكة راخين في “مراق يو” في أواخر القرن الثامن عشر. كما حرض القوميون في راخين أنفسهم ضد الروهينجا، الذين هاجر العديد من أسلافهم من البنغال تحت حكم البريطانيين، والذين كان يُنظر إليهم على نطاق واسع على أنهم مهاجرون غير شرعيين؛ مما أدى إلى تآكل الثقافة والهوية البوذية.

وشارك العديد من البورمانيين مخاوف راخين من الروهينجا كجزء من جنون العظمة الأوسع نطاقاً من أن ميانمار على وشك أن يسيطر عليها المسلمون. وتم تضخيم هذه المخاوف من خلال “فيسبوك”، الذي صعد إلى مكانة بارزة في ميانمار عام 2014؛ حيث كان يعمل كمضاعف قوي للنعرات العرقية والدينية. وفي مارس 2018، ذكرت الأمم المتحدة أن منشورات فيسبوك “أسهمت بشكل جوهري في مستوى حدة الخلاف والصراع” في راخين.

اقرأ أيضاً: حقائق غائبة.. أصول معاداة مسلمي الروهينغا وكيف يشرع قتلهم

ومنذ بداية الأزمة في ولاية راخين، كان رد فعل أون سان سو تشي صامتاً. وفي 19 سبتمبر 2017، كسرت صمتها في خطاب، وأصرت على أنه لم تكن هناك “عمليات تطهير” ضد الأقلية المسلمة في البلاد. وقالت مخاطبة المحكمة في لاهاي في أواخر عام 2019، إن حملة القمع كانت استجابة ضرورية للتهديد الذي يشكله مسلحو الروهينجا. وعلى الرغم من أن سان سو تشي اعترفت بأن بعض الجنود ربما استخدموا القوة المفرطة أو انتهكوا القانون الإنساني الدولي؛ فإنها جادلت بأن هذا الأمر يتعلق بنظام العدالة في ميانمار، وليس المحكمة الدولية، في إطار التعامل معه. وأشارت منظمة العفو الدولية، في وقتٍ لاحق، إلى تعليقات أون سان سو تشي على أنها “متعمدة ومخادعة وخطيرة”.

أجبرت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها جيش ميانمار بذريعة الأمن القومي ومكافحة التمرد أكثر من 730 ألفاً من الروهينجا على الفرار من البلاد- وكالات

وكشفت أزمة الروهينجا عن جانب من شخصية أون سان سو تشي، ظل محجوباً عن الأنظار لفترة طويلة. كما جادل الصحفي بيتر بوبهام، فإن سحر هذه السيدة قد نشأ من غيابها؛ حيث حُبست لسنواتٍ من قِبل المجلس العسكري في منزل عائلتها المنهار على بحيرة إينيا في يانغون، في ظل اتصالات عابرة فقط بالعالم الخارجي، وأصبحت شاشة فارغة يمكن للناس في الخارج أن يعلقوا آمالهم عليها. وكانت التحيزات والميول التي تشاركها سان سو كي مع العديد من زملائها من أصل بورمان مخفية عن الأنظار، فضلاً عن الشخصية التي تميل إلى التشدد الواضح وعدم تحمل النقد. وبحلول عام 2018، كان من الواضح أن المراقبين الغربيين لم يعرفوا سان سو تشي، كما كانوا يتصورون ذات مرة.

ولم يكن المراقبون الغربيون يعرفونها كما كانوا يتصورون ذات مرة. وكان لفشل ميانمار في حل التوترات العرقية والدينية آثار دولية. فبينما أعادت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى فرض العقوبات، تحولت سان سو تشي وحكومتها، كما فعل المجلس العسكري القديم، إلى الصين. ومنذ عام 2017، استخدمت بكين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لحماية ميانمار من التدقيق الدولي بشأن أزمة الروهينجا، مع تقديم الدعم في التنمية الاقتصادية ومفاوضات السلام.

أمة غير مكتملة

وفي يناير، قام الرئيس الصيني شي جين بينغ، بأول زيارة دولية لزعيم صيني إلى ميانمار منذ 19 عاماً، ووعد بتمويل البنية التحتية من خلال مبادرة الحزام والطريق. واستفادت الصين من عزلة ميانمار المتزايدة عن الغرب لدفع المشروعات التي تخدم مصالحها الخاصة؛ مثل إنشاء ممر بري من الصين إلى المحيط الهندي من شأنه أن يقلل اعتماد الصين على واردات النفط التي تأتي عبر مضيق ملقا.

ومن المؤكد أن مكاسب الصين في ميانمار لا تزال هشة. وينتشر الاستياء الشعبي من استثماراتها والمهاجرين بين الجمهور وداخل المؤسسة السياسية. ومع ذلك، ومع عدم وجود نهاية فورية تلوح في الأفق لمشكلات ميانمار الهيكلية، فمن المرجح أن تظل العلاقات مع الغرب صعبة، والصين سعيدة للغاية بلعب دور الشريك المتعاطف صاحب الجيوب العميقة.

مظاهرات للمطالبة بوقف إبادة الروهينجا- “أسوشييتد برس”

هل تبددت الآمال التي أثارتها فترة الإصلاح بالكامل؟ بالنسبة إلى ثانت مينت يو، سيعتمد أي تقدم في المستقبل على التغيير الهيكلي في كل من المؤسسات والتصورات؛ حيث يجادل بأن “الاستراتيجية الأساسية للدولة منذ الاستقلال -المتمثلة في رؤية بورما كمجموعة من الشعوب مع اللغة والثقافة البورمية في جوهرها- قد فشلت وستستمر في الفشل”.

ويرى ثانت مينت يو أنه بدلاً من التحرير السياسي الفوري، كان ينبغي على ميانمار أن تركز على إدخال “تدابير جذرية” لمحاربة التمييز؛ مثل إنشاء إعلام قوي، وبناء مؤسسات دولة شاملة، وإقامة دولة رفاهية. ومن الآن فصاعدًا، يخلص إلى أن ميانمار بحاجة إلى “قصة جديدة تحتضن تنوعها، وتحتفي ببيئتها الطبيعية، وتتطلع إلى أسلوب حياة جديد”. وإذا كانت هذه التوصية تبدو غامضة، فذلك لأنها تتحدث عن عمق واستعصاء العديد من التحديات التي تواجه ميانمار. وتشير هذه الوصفة أيضاً إلى أن ميانمار ستستمر في إرباك الغرب. ويشير استنتاج ثانت مينت يو إلى أن واشنطن والحكومات الغربية بحاجةٍ إلى التخلص من أي أمل في حدوث تحول ليبرالي مفاجئ، مع تجنب إغراء العودة إلى سياسات شيطنة وعزل الماضي.

اقرأ أيضاً: نشأة الفساد الاستراتيجي

ويعد ثانت مينت يو محقاً في تأكيد الحاجة إلى تشجيع السياسات المصممة لمعالجة قضايا العرق والهوية التي تكمن في جذور أزمات ميانمار؛ لكن المشكلة في مثل هذه التوصية هي أن الانخراط الصبور سيكون أكثر صعوبة في الحفاظ عليه مع بلد أصبح مرة أخرى مثالاً للقمع وانتهاكات حقوق الإنسان. وإلى أن تتمكن ميانمار من تجاوز الأساطير العرقية والقومية التي سبقت استقلال الأمة، فإن أزمة الهوية ستستمر في تحمل تكلفة بشرية مروعة.

♦صحفي يغطي شؤون جنوب شرق آسيا، ومؤلف الكتاب القادم “ظل التنين: جنوب شرق آسيا في القرن الصيني”.

 المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة