الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“فن الكف”.. فلكلور صعيدي يبقى حاضراً

يعتقد كثيرون أن أصل "فن الكف" يعود إلى عصر الفراعنة بسبب ما وُجد على جدران المعابد المصرية القديمة

كيوبوست- صفاء الشبلي

هل حضرت مبارزة شعرية وسط حشد كبير من الحضور؟ ربما قد تكون سمعت عن تلك المبارزات أثناء دراستك أو قراءتك للأدب والشعر بأنواعه المختلفة، وربما كانت قصص شعراء العصور الغابرة تستدعيك لتقف وتسأل نفسك كيف نظم هؤلاء الشعر بتلك الصيغة الرائعة؟ وكيف جرت البلاغة والفصاحة على ألسنتهم من دون تلقي تعليم يُشبه ما نتلقاه نحن الآن؟

لك أن تعجب أكثر إن علمت أن أحد الفنون التراثية الموجودة في صعيد مصر، وبمحافظة أسوان تحديداً، ما زال يقوم بشكل كامل على ارتجال الشعر بواسطة هواة توارثوه أباً عن جد، ومعظمهم لم يُنهِ حتى تعليمه الابتدائي، إلا أن بلاغتهم فاقت حدود قراهم ونجوعهم، وأصبحوا نجوماً لما يُعرف بـ”فن الكف”.

اقرأ أيضا: الموسيقى التراثية في الدعاية السياسية.. الغناء اليمني نموذجاً

ما فن الكف؟

حسب أمين رسمي، مدرس الأدب الشعبي بأكاديمية الفنون والباحث في التراث، فإن فن الكف هو الشكل الأدائي الذي يؤدَّى من خلاله نصوص شعرية شعبية متنوعة الأشكال، وتؤدَّى بطريقة معينة ويكون أداؤها عن طريق صف أو صفَّين من الرجال يتراوح عددهم بين 3 و10 رجال يُطلق عليهم “الكفافة”؛ يتمايلون في إيقاع حركي يميناً ويساراً، مستخدمين أكفهم كإيقاع.

ويقوم “فن الكف” في الأساس على الارتجال؛ حيث يقوم “الكفافة” بنظم خانة الشعر وإلقائه على فنان الكف الذي لا بد أن يرد عليهم بنظم بيوت الشعر بالوزن والقافية نفسيهما.

أمين رسمي

وقال رسمي، في حديثه مع “كيوبوست”: إن “فن الكف” يعتبر مبارزة شعرية بين شاعر أو أكثر وفريق “الكفافة”؛ بحيث تتم دعوتهم من قِبل صاحب المناسبة أو العرس، يصعدون على “مسرح” مصنوع من الخشب أو الحديد، مع وجود صف “الكفافة”، ويتراوح بين 3 و10 رجال يطلقون خانة الشعر ويرد عليهم كل شاعر بالوزن والقافية من دون تغيير.

وتتناول أشعار “الكف” الأحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الجارية؛ حتى إن كانت مباراة لكرة القدم. ويتعين على كل شاعر أن يُقنع “الكفافة” والحضور بما نظمه من شعر من دون هجاء أو ذم، وحتى إن وجد الهجاء فيكون بعيداً عن الكلمات الخارجة.

(يرى البعض أن فن الكف يرجع إلى عهد الفراعنة بينما يرى آخرون أنه يعود إلى بلاد النوبة)

فن المعنى   

وأضاف رسمي أن “المُتحكم الأساسي في الشعر المُرتجل هو الكفافة؛ فكل شخص منهم يُمثل قرية تمت دعوتها للمناسبة، وهو يُلقي خانة أو مربع الشعر ثم يأتي دور الشاعر الذي لا بد أن يرد عليه بأغنية من دون تغيير الوزن القافية والوزن الموسيقي، معتمداً على الارتجال بشكل كامل، لذا يُطلق على فن الكف (فن المعنى)؛ فلا بد أن يتمتع الشاعر بمواصفات خاصة، أهمها سرعة البديهة والذكاء الشديد والفصاحة مع توافر محصلة لغوية خاصة ببيئته ولهجته؛ حتى يتمكن من نظم الشعر في وقت يتراوح بين دقيقة واثنتين لا أكثر، وهي مهمة صعبة بكل تأكيد”.

اقرأ أيضاً: إمبيريال ستايت.. أيقونة مجوهرات التاج البريطاني

أغلب فناني الكف المشهورين بصعيد مصر بوجه عام وفي أسوان بشكل خاص يعتمدون على موهبتهم الفطرية، وليس شرطاً أن يكونوا قد تلقوا تعليماً عالياً، ويُعد الشاعر الصعيدي رشاد عبدالعال، من مؤسسي هذا الفن في صعيد مصر، وطوره ليقدمه بلغة سهلة بسيطة، وتناول خلاله الأحداث السياسية؛ حتى إنه خصص ألبوماً كاملاً لهجاء الرئيس العراقي صدام حسين، عقب غزو الكويت عام 1990، وظل مُتربعاً على عرش “فن الكف” حتى وفاته قبل 14 عاماً.

قديماً كانت القرى المصرية المُهتمة بتنظيم “فعاليات” فن الكف لا تقدم أموالاً للشعراء الحاضرين؛ لكن هذه الأيام أصبح الأمر مهنة لبعض متذوقي ومرتجلي الشعر الشعبي، وارتفعت أسعار الشعراء لتصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 50 ألف جنيه مصري.

ويقول أمين رسمي، الباحث في التراث، لـ”كيوبوست”: “إن فناني الكف كانوا يستخدمون في البداية ما يُعرف بـ(الطار)؛ وهو آلة إيقاع مصنوعة من جلود الماعز والأغنام شبيهة بالدّف، ثم أدخلوا العود بعد ذلك، ومع التطور الموسيقي استعانوا بآلات أخرى كالأورج”.

شاهد: مرايا الشعر مع سهام الشعشاع.. عبدالرحمن الأبنودي

أصل فن الكف

يعتقد كثيرون أن أصل “فن الكف” يعود إلى عصر الفراعنة؛ بسبب ما وُجد على جدران المعابد المصرية القديمة من رسومات لأشخاص يرقصون ويتمايلون، إلا أن رسمي يرفض هذا الرأي، ويعتقد أن “جذور فن الكف نوبية”؛ لأن رقصة “فن الكف” تتماهى مع أمواج النيل، والتيمة النوبية أخذها “الصعايدة” وطوروها.

وأضاف: “لذلك لدينا نوعان لفن الكف؛ هما فن الكف الصعيدي وفن الكف النوبي، والكف النوبي يتم باللغة النوبية وله أوزانه الموسيقية باللغة النوبية، عكس الفن الصعيدي الذي يتميز أيضاً بلغته الخاصة، لذا نقول إن كل شاعر من شعراء الكف لا بد أن يكون على إتقان تام بلهجة بيئته ليختار لهجات بنت البيئة”.

محاولات للتطوير

عبدالواحد البنا

رغم الزحف الموسيقي على أفراح الصعيد من أغاني المهرجانات ونحوها؛ فإن فن الكف ما زال يحاول الصمود، لذا أخذ بعض فناني الكف على عاتقهم مهمة تطويره، ومن هؤلاء الشاعر والفنان عبدالواحد البنا، الذي أنشأ فرقة خاصة تحمل اسم “الكفافة”؛ مهمتها نقل هذا الفن إلى المدن المصرية، وأهمها بالطبع القاهرة.

وفي حديثه مع “كيوبوست” يقول البنا: “ليس بالضرورة أن يتميز فنان الكف بالصوت الجميل وإنما لا بد أن يكون متمكناً من فنون اللغة، إضافة إلى الذكاء لكي يستطيع ارتجال الشعر وتوظيفه للحديث عن كل مناحي الحياة”.

اقرأ أيضاً: نشر الكتب الأيديولوجية على القنوات الموالية لتنظيم القاعدة عبر الإنترنت

وأشار إلى أنه يحاول نقل “فن الكف” إلى القاهرة؛ لذا أسس فرقة “كفافة باند”، وينظم حفلات في المراكز الثقافية بالقاهرة، وعمل على تطوير الفن ابتداءً من الزي؛ فاختار أن يكون “الجلابية” الصعيدي (التقشيطة) وفوقها “السديري”، ويحاول تعريف الناس بهذا الفن، إلى جانب تقديم موسيقى مختلفة بمصاحبة فرقته الموسيقية.

وأوضح البنا: “زمان كانت هناك فرق إيقاع خلف الشاعر، أما الآن فاختلف الأمر فدخلت آلات جديدة، وأصبح فنانو الكف يستعينون بالأورج الإلكتريك المخصص تحديداً لفن الكف”.

واستطرد: “فن الكف أحد ألوان الفنون التي تقاوم الاندثار، ولم يؤثر عليها زحف أنواع أخرى من الموسيقى كالمهرجانات، وهو فن معروف غناه الفنان محمد منير في أغنيته الشهيرة (نعناع الجنينة)؛ وهي قصيدة معروفة غناها فنانو الكف تصل أبياتها إلى 1000 بيت شعري، واختار منها (الكينج) الأبيات الأسهل”.

شاهد: فيديوغراف: “الليلة الكبيرة”.. الأوبريت الخالد بعرائس الماريونت

وختم البنا بأن “التكنولوجيا الحديثة أصبحت وسيلة لنشر فن الكف أيضاً بخلاف الحفلات التي نقوم بها، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ لذا نحاول أن ندرب أجيالاً جديدة ذات موهبة، لكي يكونوا امتداداً لنا في ما بعد ولنحمي هذا الفن من الاندثار”.

امتداد عبر الأجيال

محمود حمدنا الله

محمود حمدنا الله، أحد الشباب الهواة والذي يعشق فن الكف، واختار أن يقف في صفوف “الكفافة”، يقول لـ”كيوبوست” إنه انجذب لفن الكف بعد مشاركة ابن عمته في بعض حفلات “فن الكف”.

 وأضاف حمدنا البالغ من العمر 22 سنة، ويحمل شهادة التعليم الفني التجاري، أن نظم الشعر يحتاج فقط إلى الموهبة والحصيلة اللغوية، وليس شرطاً أن يحمل “الكفاف” شهادة عليا.

وعن طقوسه قبل حفلات “الكف”، أوضح: “أنظم خانة الشعر باسم قريتي، ونشارك في بعض الأحيان في مسابقات بين القرى، ونسعى للفوز للحصول على (الكأس) الذي يكون هدية التفوق، وبمباركة كبار هذا الفن نحاول أن نكون امتداداً لهم لنحافظ على هذا الفن الأسواني من الاندثار، وأعتقد أنها مهمتنا جميعاً”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

صفاء الشبلي

صحافية مصرية تهتم بالكتابة الإنسانية والاجتماعية

مقالات ذات صلة