الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

فن العيطة المغربي يفقد أيقونته الحاجة الحمداوية

كيوبوست

فقد “فن العيطة” المغربي القديم، يوم الاثنين، واحدةً من أهم رموزه، برحيل الفنانة المغربية الحاجة الحمداوية، التي نذرت نفسها وموهبتها له على مدار سبعة عقود؛ عمر مشوارهاالفني.

وكانت الحمداوية، قد أدخلت يوم الخميس الماضي، إلى أحد مستشفيات مدينة الرباط، بعد أن تدهورت حالتها الصحية؛ ما تطلب إدخالها إلى قسم العناية المركزة حينها، إلا أن صحتها لم تمهلها سوى بضعة أيام، فقد توفيت يوم الاثنين عن عمر ناهز 91 سنة، بعد صراع مع مرض سرطان الدم.

ونعى ملك المغرب، محمد السادس، الراحلة، عبر برقية تعزية ومواساة أرسلها إلى أفراد أسرتها، جاء فيها: “تلقينا بعميق التأثر والأسى النبأ المحزن لوفاة المشمولة بعفو الله تعالى ورضاه، الفنانة المقتدرة الحاجة الحمداوية، تغمدها الله بواسع رحمته”.

اقرأ أيضًا: لماذا تجعلنا الموسيقى نشعر بالسعادة؟

عدوى الفن

ورثت الحاجة الحمداوية، التي ولدت عام 1930م، في درب السلطان بمدينة الدار البيضاء، حبَّ الموسيقى عن والدها؛ فقد كان شغوفاً به، ولطالما عني باستقبال فرق الشيخات والشيوخ في المناسبات العائلية والأفراح في بيت العائلة؛ ما أتاح للحمداوية الانغماس بالموسيقى والرقص منذ صغرها، وبهذا الخصوص قالت: “كان والدي هو مَن نقل إليَّ عدوى الموسيقى والرقص”.

الحاجة الحمداوية تحكي عن محطات من حياتها:

وتمثَّلت أولى خطواتها الفنية بمشاركتها في عمر التاسعة عشرة، بفرقة الفنان المغربي بوشعيب البيضاوي المسرحية، في الوقت الذي كان فيه الوجود النسائي على خشبة المسارح المغربية محدوداً؛ نظراً لطبيعة المجتمع الذي كان آنذاك محافظاً ومنغلقاً، فكانت الأدوار النسائية توكل لرجال.

الحاجة الحمداوية تدق على آلة البندير

ذهبت الحمداوية بعدها باتجاه الموسيقى، ولم تكن على يقين ما الذي ينتظرها؛ إذ صرحت: “لم أكن أعرف حقاً إلى أين كنت ذاهبة؛ فقد عُرض عليَّ العزف والغناء وذهبت وعيناي مغمضتان”، متبنية الغناء الشعبي وغناء العيطة، وهو فن مغربي قديم  مشفَّر لا يفهمه إلا السكان المحليون، نشأ في عصور سلاطين المغرب وتطور أثناء الاستعمار الفرنسي كأداة للمقاومة؛ لكنه لا يقتصر على مشاعر الحزن فقط، بل يصلح للفرح؛ إذ يُغنى في الأفراح، وهو بذلك واحد من موسيقى الذاكرة الجماعية للشعوب.

موسيقى الحياة والمقاومة

غنَّت الحمداوية، من خلال موسيقاها الشعبية، مواضيع الحياة، فقد تضمنت أغانيها الحب والعائلة والوطن والمقاومة، التي خصصت لها جزءاً كبيراً من فنها؛ الأمر الذي عرَّضها إلى الاعتقال السياسي خلال الاستعمار الفرنسي للمغرب. وعن تجربتها المتعلقة بأغاني المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، قالت: “لم أكن أعرف ما الذي كنت أفعله؛ ولكن بدا لي أنه ضروري، وبالنظر إلى الوراء كنت أعلم أنني أخاطر بحياتي؛ لكنني لم أطرح على نفسي الأسئلة قط، بل كنت أجبرها على ما تفعله!”.

مقابلة مع الحاجة الحمداوية تحكي فيها عن تجربة اعتقالها:

كما أن أغانيها الوطنية أجبرتها على مغادرة وطنها والتوجه إلى فرنسا خلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي؛ نتيجة الضغوطات التي تعرَّضت لها من قِبل السلطة الاستعمارية الفرنسية في المغرب، ثم عادت بعد الاستقلال.

في عام 1959، أنشأت فرقةً موسيقية، وشهد مشوارها الفني خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ازدهاراً ملموساً؛ فقد أصدرت عدة أغانٍ ناجحة، مثل “دبا يجي”، و”جيتي ما جيتي”، و”دادا حياني”، و”مال حبيبي”؛ لكن فترة الثمانينيات والتسعينيات كانت محبطة، فقد تعرضت الحمداوية إلى انتكاسة صحية عزلتها عن فنها وجمهورها، ومرت إثرها بظروفٍ مالية صعبة، على الرغم من ذلك ومع بداية الألفية، استعادت قوتها، وقدمت عروضاً على عدة مسارح ضخمة في دول العالم والعالم العربي.

“أيقونة الغناء الشعبي المغربي”

بعد سنواتٍ من العطاء الموسيقي والغناء عن موضوعات وأوجاع الناس، تمكنت الحمداوية من أن تتربع على عرش الغناء الشعبي المغربي، وتُلقب بـ”أيقونة الغناء الشعبي المغربي”.

ومع أنها التزمت بالغناء التقليدي وعزف آلة البندير الإيقاعية المغربية، فإنها استطاعت أن تجدده؛ فقد أدخلت إليه آلات موسيقية حديثة؛ مثل الأورغ، والبيس، والجيتار؛ مما أعطاه طابعاً حديثاً أجبر جميع الشرائح على الاستماع إلى أغانيها.

اقرأ أيضاً: إلياس الرحباني.. الأب الروحي للموسيقى اللبنانية الحديثة

ولم تكتفِ بإدخال آلات موسيقية حديثة؛ بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، عندما جمعت الغرب بالشرق عن طريق الموسيقى؛ فقد غنَّت العيطة برفقة أوركسترا، واعتمدت توزيعات موسيقية جديدة.

من حفلات الحاجة الحمداوية:

كما غنَّت خلال مناسبات في القصور الملكية في عهد ثلاثة ملوك؛ هم، محمد الخامس، والحسن الثاني، ومحمد السادس، وشاركت في إحياء زفاف العاهل المغربي، الملك محمد السادس، وشقيقه الأمير رشيد.

بعد 7 عقود من الموسيقى، قررت الحاجة الحمداوية أن تستريح وتعلن اعتزالها الفن عام 2020 خلال ندوة، تاركة وراءها مخزوناً فنياً زاخراً بالموسيقى الشعبية المتجددة والحيوية، مانحةً إياه حصرياً للفنانة الصاعدة كزينة عويطة.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة