الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

فن الزخرفة والعمارة في حضرموت (2-3)

(الحلقة الثانية) مدن طينية وصديقة للبيئة

كيوبوست- منير بن وبر

لا تزال المدن الطينية العالية في حضرموت، جنوب شرق اليمن، تثير الدهشة والإعجاب منذ مئات السنين، ليس لعلوها فحسب؛ بل أيضاً لما احتوته أبوابها ونوافذها وجدرانها من نقوش وزخارف بديعة، حتى إنه ينتاب المرء نوع من الحيرة حول الوقت الذي استغرقه الفنان والحرفي الحضرمي قديماً في إنجاز هذه التحف الفنية، وما إذا كان عمله ذلك مجزياً له. لكن، عند تأمل تلك الإبداعات أكثر، يتضح أنها فن محض يُمارس لقيمته الفنية التي تُشعر صاحبها بالرضا والتفوق والفخر، وليس لقيمتها المادية التي لا تُقدر بثمن.

في لقاء خاص مع “كيوبوست”، يقول الكاتب ياسر قنيوي، صاحب كتاب (الزخارف التقليدية في حضرموت): إن الزمن الذي يمكن أن تستغرقه -قديماً- زخرفة باب المنزل العادي، أو ما يُعرف محلياً بـ”السدة”، قد يصل إلى ثلاثة أسابيع. كما يُشير قنيوي أيضاً إلى أن النساء قد أسهمن في هذه الحرفة في فترة من التاريخ؛ حيث كانت النسوة يقمن برسم الزخارف على الأبواب، ثم يقوم الرجال بالنقش عليها.

اقرأ أيضاً: فن الزخرفة والعمارة في حضرموت (1-3)

تكيُّف وازدهار محلي وارتباط عالمي

تحكي الزخارف والنقوش والعمارة في حضرموت قصة نجاح الإنسان الحضرمي في التكيف مع بيئته، من خلال استغلاله الموارد المتوفرة وحُسن تعامله مع العوامل والخصائص المناخية؛ مثل حركة الشمس خلال مختلف الفصول واتجاه حركة الرياح. ويظهر هذا الأسلوب بشكل جلي في مختلف مناطق حضرموت؛ خصوصاً المناطق الساحلية؛ فكما يقول الدكتور سالم عوض رموضة، في كتاب (العمارة الطينية في اليمن)، فرضت درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية في المناطق الساحلية نمطاً معمارياً منخفضاً ومنبسطاً، مع وجود فناءات وفضاءات تسمح بحركة دائمة للهواء داخلها؛ لتخفيف الحرارة والرطوبة، كما تؤدي الفتحات الخارجية الصغيرة والأفنية إلى توفير الإضاءة الطبيعية، ويؤدي توجيه المباني باتجاه الشمال الجنوبي إلى استقبال نسيم البحر المنعش.[1]

سقف مزخرف ومزين بألوان من أصباغ حديثة- منير بن وبر

كما تُظهر زخارف القصور والبيوت الحضرمية أيضاً تأثر الإنسان الحضرمي مع الشعوب الأخرى خلال قرون من الزمن. يقول الدكتور المتخصص في الرسوم الصخرية والفنون القديمة، حسين أبوبكر العيدروس: إن الكثير من زخارف القصور الحضرمية تشربت بعضاً من ثقافات البحر الأبيض المتوسط؛ حيث تُلاحظ الزخارف المُستلهمة من الرومانية واليونانية، كما تشهد القصور الطينية في حضرموت على ثقافة فنية عالية تشربها أهل المنطقة نتيجة هجراتهم إلى جنوب شرق آسيا وإفريقيا منذ العصور الوسطى وحتى التاريخ الحديث.[2] كما يقول صاحب كتاب (الزخارف التقليدية في حضرموت) إن المدن الساحلية -كالمكلا والديس والحامي- تميزت بمستوى أكبر من النقوش؛ بسبب ارتباطها بالعالم الخارجي وانفتاحها مقارنة بالمناطق الداخلية من حضرموت.

الكاتب ياسر قنيوي

يدل العمق الحضاري لفن النحت والنقش في حضارات جنوب الجزيرة العربية القديمة، ومنها مملكة حضرموت، على رواج هذا الفن ووجود مدارس راقية له وفنانين مبدعين، ومعلمين وتلامذة يسعون في طلب المعرفة وإجادة تلك المهارات. ومما يدل على ذلك هو دقة المنحوتات والنقوش التي عُثر عليها في آثار تلك الحضارات، وهو ما يدل على وجود تلك المدارس الفنية فعلاً؛ لكنها ليست بالمفهوم العصري الذي نعرفه اليوم، فأولئك المعلمون هم في الواقع من المحترفين للمهنة، وممن أجادوها عملياً من خلال الخبرة المتراكمة، وذلك كما يشير دكتور الهندسة المدنية صالح السحيقي، في كتاب (هندسة البناء والتشييد في حضارة اليمن القديم).[3]

اقرأ أيضاً: بين المساجد والمجتمع في حضرموت.. حكاية تروى

ولعل من أبرز مميزات العمارة في حضرموت هو النمط البرجي المتمثل في المباني العالية، والحصون والقلاع التي تعلو المرتفعات، والمنارات العالية ومتعددة الأشكال، وتخطيط المدن والمنازل بحيث تلبي احتياجات الساكنين بشكل مذهل، واستخدام مادة الطين في البناء، والنورة في تكسية المباني من الخارج. ولا يزال هناك العديد من الشواهد على هذه الخصائص؛ منها على سبيل المثال لا الحصر، حصن الفلس في سيؤون، ومنارة المحضار في تريم، ومدينتا شبام والهجرين، وعشرات القصور الطينية الفخمة المنتشرة هنا وهناك، كما توجد مبانٍ ومدن أقل شهرة -رغم تفردها- مثل حصن بن دغار في وادي حجر.

حصن الفلس في مدينة سيؤون- تصوير أحمد باعيسى

مدن الأبراج الطينية

إن ارتفاع المباني في حضرموت -وبشكل أكثر دقة وادي حضرموت- باهر حقاً، والمدن المشيدة أعلى التلال تبعث على الهيبة، وتعطي التحصينات الواضحة لتلك المدن والمباني فكرة عن الأهمية البالغة التي تمتعت بها يوماً؛ وهو ما يمكن ملاحظته من خلال الأسوار التي تحيط بالمدن، مثل شبام، وتشييد المباني على حافة الهاوية شديدة الانحدار، مثل الهجرين وحصن بن دغار؛ بحيث تشكل المنحدرات حاجزاً طبيعياً ضد الغزاة.

مدينة الهجري.. حضرموت- أحمد باعيسى

يُظهر تخطيط المدن الأثرية في حضرموت نجاحاً هندسياً آخر؛ إذ يُراعى في تخطيط هذه المدن قربها من الأراضي الزراعية، وتوفر مصادر المياه، ووجود مساحات كمتنفس للسكان، وتصريف جيد لمياه الأمطار والتمديدات الصحية، كما أنه غالباً ما تكون المنازل متقاربة أو متلاصقة حتى تكون الأزقة ظليلة معظم اليوم.

غلاف كتاب “الزخارف التقليدية في حضرموت”

كما تتم مراعاة الخصوصية في تصميم المنازل وتخطيط المدن، ومن مظاهر هذه السمة تصميم النوافذ والمشربيات بطريقة تسمح للنساء رؤية ما يجري خارج المنزل دون أن يتمكن المارة من رؤية هؤلاء النسوة، كما تم ربط بعض المنازل بجسور في الأدوار العلوية؛ حتى تتمكن النساء من التنقل من منزل إلى آخر دون الاضطرار للخروج إلى الشارع، وغالباً ما يتم ذلك بين منازل الأقارب من الأسرة الواحدة. ولا أدل على هذا النجاح الهندسي من بقاء الكثير من هذه المدن عامرة بالسكان إلى اليوم على الرغم من مرور مئات السنين على تشييدها.

اقرأ أيضاً: اليمن في كتابات الغربيين.. تحدي الطبيعة وسحر العمارة

اللون الأبيض هو أكثر ما يشد نظر الزائر لحضرموت؛ فهذا اللون يكسي المنازل والمنارات والقباب، ويشكل مع لون الطين والهضاب البني تبايناً جميلاً. في وسط مدينة سيؤون، على سبيل المثال، يقف قصر الكثيري بشموخ ووقار بحجمه الضخم ولونه الأبيض، وبالطبع بمعجزة بنائه من الطين وصموده مئات السنين. يؤدي اللون الأبيض دوراً مهماً في عكس أشعة الشمس الساقطة على المبنى؛ مما يخفف من الحرارة التي يمتصها المبنى طوال فترة سطوع الشمس، حيث يعكس السطح الأبيض ما يقارب 80% من الأشعة الساقطة عليه.[4]

قصر سيؤون.. حضرموت- تصوير أحمد باعيسى

البناء باستخدام الطين هو السمة الأساسية في العمارة الحضرمية؛ ولا عجب في ذلك؛ نظراً لتوفر هذه المادة، لكن استخدام الطين له عدة منافع أخرى غير تلك المرتبطة بالوفرة، وبالتالي التكلفة، وأهم تلك المنافع هو العزل الحراري؛ حيث تتمتع الجدران الطينية بقدرة على عزل الحرارة وإبقاء الحرارة الداخلية مناسبة خلال مختلف الفصول. كما أن الطين مادة سهلة التطويع وقابلة لإعادة التدوير بامتياز؛ حيث يمكن إعادة استخدام جدران منزل قديم -مثلاً- لبناء آخر حديث، وهو ما يعني انخفاضاً كبيراً في التكلفة، وبالطبع، استراتيجية ذكية للحفاظ على البيئة.

قرية حيد الجزيل- وادي دوعن.. حضرموت- تصوير منير بن وبر

يقول الدكتور عبدالناصر القادري، في رسالته العلمية حول العمارة في مدينة شبام، إن ظاهرة المنزل البرجي والنمط المعماري في جنوب الجزيرة العربية لا مثيل لها في الحضارات القديمة، وينقل عن الباحث جاك سنييه قوله “إن تلك العمارة لا يوجد لها مثيل لا في حضارة البحر الأبيض المتوسط ولا في عالم المشرق القديم، إنها كانت موجودة في القرن الخامس قبل الميلاد في حضرموت”؛[5] ويدل هذا الاستنتاج على تفرد لافت للنظر وجدير بالاهتمام للعمارة في حضرموت؛ خصوصاً أن الأزمة الحالية الدائرة في البلاد جعلت صيانة هذه العمارة والحفاظ عليها أصعب من أي وقت مضى.

المراجع:

[1] العمارة الطينية في اليمن، دراسة ميدانية تحليلية ومختبرية، الدكتور سالم عوض رموضة. ص 121.

[2] المجلة العربية، حسين أبوبكر العيدروس. العدد 442 الصفحة 105.

[3] هندسة البناء والتشييد في حضارة اليمن القديم، الدكتور صالح علي السحيقي. ص 101- 102.

[4] العمارة الطينية في اليمن، مرجع سابق. ص 76.

[5] عمارة الأبراج في وادي حضرموت: دراسة حالة المنزل البرجي التقليدي بمدينة شبام. رسالة دكتوراه للمهندس عبدالناصر عبدالله سالم القادري. ص19

لقراءة الحلقة الأولى: فن الزخرفة والعمارة في حضرموت (1-3)

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة