الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

فن الحكم في عصر الاتصال

كيف يمكن للدول أن تعمل معاً حتى عندما تختلف

كيوبوست- ترجمات

يائير لابيد♦

كتب يائير لابيد رئيس الوزراء الإسرائيلي مقالة في مجلة “فورين آفيرز” حول النهج الذي يتبعه في سياسته الخارجية، الذي أسماه “فن الحكم في عصر الاتصال”، وضرب مثلاً بعلاقات إسرائيل مع دولٍ عدة، لاسيّما مع دولة الإمارات.

وشدّد على ضرورة عدم النظر إلى الدول ككتلٍ واحدة، بل كشبكة معقدة من المصالح والقيم. وأكد أن من شأن هذا أن يتيح للدول التعاون وتشكيل تحالفات، حتى وإن كان هناك تباين في الرؤى وتنافس حول المصالح.

اقرأ أيضاً: عامان على الاتفاقيات الإبراهيمية.. فما الذي تحقق؟

الدول ليست كتلة واحدة، بل شبكة معقدة من المصالح والقيم

في هذا الإطار، ذكر أنه خلال العام ونصف العام الماضيين، عمل على أساس أن العلاقات الخارجية في عصر العولمة لا يمكن أن تُدار كما كانت في الماضي. لقد تغيّر الاقتصاد العالمي، واتسع نطاق التهديدات الأمنية، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تُحدث تحولاتٍ في العلاقات بين الأنظمة ومواطنيها. لذا، لم يعد من المنطقي أن يستمر مجال العلاقات الخارجية في العمل وفقاً للاتفاقيات الدبلوماسية التي تشكّلت في القرن التاسع عشر.

ويرى أن الطريقة الصحيحة للنظر إلى بلدٍ آخر في هذا العصر الجديد ليست ككل واحد، بل كشبكة معقدة من المصالح والقيم. يمكن للحكومات أن تتعاون في بعض المجالات حتى عندما تختلف أو تتنافس أو تتصادم في مجالاتٍ أخرى. وبهذه الطريقة، يمكن بناء أنواع جديدة من العلاقات والتحالفات، كما لم نرها من قبل. وأطلق على هذا النهج فن الحكم في عصر الاتصال.

إسرائيل والإمارات نموذجاً

وأضاف أنه نجح في تطبيق هذا النهج مع دولة الإمارات. وذكر أنه التقى مع سمو الشيخ عبد الله بن زايد، وزير الخارجية الإماراتي في يونيو 2021 في أبوظبي. وأعجب بشخصيته: “فهو يتمتع بروح الفكاهة، ويعد واحداً من أكثر القادة الذين التقيتهم دهاءً وخبرة”. وأنه خلال العام ونصف منذ ذلك الوقت، طوّرت إسرائيل ودولة الإمارات أحد أوثق التحالفات في منطقة الشرق الأوسط. إنه تحالف اقتصادي وسياسي، بل وعسكري.

خلق اتفاق السلام التاريخي بين الإمارات وإسرائيل واقعًا جديدًا – وكالات

إسرائيل والإمارات دولتان مختلفتان جدًا. إسرائيل ديمقراطية نابضة بالحياة، وفي بعض الأحيان جامحة. الإمارات دولة وراثية اتحادية. إسرائيل هي “دولة تعتمد على الشركات الناشئة”، موطن للعديد من رواد الأعمال والشركات المبتكرة. اقتصاد الإمارات يقوم على النفط والتجارة. معظم الإسرائيليين يهود. معظم الناس الذين يعيشون في الإمارات ليسوا حتى إماراتيين، أغلب السكان هم من المغتربين.

وفقاً للمعايير القديمة للعلاقات الخارجية، لا يشترك بلدانا في معيار واحد من شأنه أن يجعلهما “دولتين متشابهتين في التفكير” باللغة الدبلوماسية. لكن، هنا، ينبغي تجاوز التصنيفات السابقة التي تقسّم الدول من حيث العلاقات الخارجية، فما كان معياراً في القرن العشرين لم يعد يصلح للقرن الحادي والعشرين. العالم تغيّر. لقد تأثّر العالم بشدة بالعولمة الاقتصادية، وعولمة المعلومات (من خلال الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي)، وانتشار الإرهاب الدولي، وأزمة المناخ. التقسيم التقليدي بين القضايا الخارجية والمحلية لم يعد صالحاً. وعلى هذا النحو، تتخلى الدول عن الطرق القديمة في إدارة علاقاتها الخارجية.

اقرأ أيضًا: تواصل الإمارات العربية المتحدة مع إسرائيل

الدول المتشابهة فكرياً: تصنيفات عفا عليها الزمن

قبل خمسين عاماً، كان العالم ينقسم إلى كتل ضخمة. وقبل ثلاثين عاماً، تقلّصت تلك الانقسامات إلى بلدان “مثلنا” أو “ليست مثلنا”. وعلى مدى السنوات الـ 20 الماضية، لم يعد التحدي الذي تواجهه الديمقراطيات الليبرالية مسألة جعل المزيد من الدول تنتقل “إلى جانبنا” بل العمل بذكاء، نظراً للتعقيدات في كل دولة.

إن السياسة الخارجية الذكية لا تُعامل الدول الأخرى باعتبارها كتلة واحدة، بل يجب أن تكون قادرة على دراسة كل دولة من حيث ما يهم في لحظة سياسية معينة، ومن حيث القضايا الأكثر أهمية للسياسة الخارجية لدولته.

قد لا تكون إسرائيل والإمارات دولتين متشابهتي التفكير عندما يتعلق الأمر بأساليب حكمنا أو مواقفنا من القضية الفلسطينية، لكننا بلا شك شركاء في فن الحكم في عصر الاتصال، بفضل وجهات نظرنا الاقتصادية المشتركة للعالم، ومخاوفنا المتبادلة بشأن إيران، وقدرتنا على حشد الموارد لتحقيق الأهداف العالمية.

مراسم توقيع اتفاقية السلام التاريخية بين الإمارات وإسرائيل – وكالات

ففي الآونة الأخيرة، على سبيل المثال، أطلقت إسرائيل والإمارات مشروعاً ضخماً مشتركاً للطاقة الشمسية مع الأردن، سيسهم بلا شك مساهمة هائلة في حماية البيئة. وفي جميع هذه المجالات، يعمل بلدانا كدولتين على تعزيز العلاقات على المدى الطويل، بينما يدعمان تعاوننا الاقتصادي والأمني في منطقة مُعرّضة للاضطراب.

وحتى في المجالات التي لا نزال فيها بعيدين عن الاتفاق، فإن تعميق علاقاتنا يتيح لنا إجراء حوار أوثق وأكثر انفتاحاً. فعندما قرر الإماراتيون، على سبيل المثال، إعادة فتح سفارتهم في طهران، كنا حذرين، لكننا أجرينا محادثة صادقة وصريحة مع نظرائنا الإماراتيين، وحصلنا على إجاباتٍ جيدة حول العديد من القضايا التي أزعجتنا. هذه ميزة أخرى لفن الحكم في عصر الاتصال: أنه يؤسس حواراً دبلوماسياً أفضل.

قام مستشار الأمن الوطني لدولة الإمارات طحنون بن زايد آل نهيان بزيارة إلى طهران في ديسمبر الماضي- وكالات

لقد تصرفنا بالمثل في إنشاء “منتدى النقب”، الذي تشارك فيه البحرين ومصر وإسرائيل والمغرب والإمارات والولايات المتحدة. وبدلاً من العراك للمرة الألف حول القضية الفلسطينية، أنشأنا مجموعات عمل تتعامل مع الطاقة والأمن الإقليمي والسياحة والصحة ومكافحة الإرهاب، وغير ذلك. وتعمل الفرق العاملة التابعة للمنتدى داخل كل دولة. لقد رأينا قوة هذا الاتصال الإيجابي منذ اليوم الأول.

وختاماً، يرى لابيد أن أفضل طريقة للتعامل مع الوضع السياسي الجديد في العالم -على عكس ما هو متوقع- هي أنه ينبغي التوقف عن النظر إلى الدول كوحدات كاملة، والتعامل معها بدلاً من ذلك على أساس التحديات والمصالح المشتركة. هذا هو جوهر نهج فن الحكم في عصر الاتصال، وهذا هو الاتجاه الذي يجب أن تتحرك فيه السياسة الخارجية العالمية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي

المصدر: فورين آفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة