الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

فلول الإخوان السودانية.. “حلم مستحيل بالعودة إلى الحكم”

تحاول الجماعة التي لا تزال متغلغلة في بعض مفاصل الدولة السودانية تركيز جهودها الرامية إلى زعزعة الوضع الأمني في محاولة يائسة للعودة إلى المشهد

كيوبوست– عبد الجليل سليمان

رغم إطاحتها عن السلطة، عبر ثورة شعبية عارمة 2019، بعد أن احتكرتها ثلاثين عاماً بانقلابٍ عسكري على النظام الديمقراطي في يونيو 1989، وفشلها الذريع في إدارة الدولة السودانية، بلغ ذروته بتقسيم البلاد إلى دولتين؛ ما يعتبر خيانة وطنية عظمى في كافة الأعراف الدولية، إلا أنّ جماعة الإخوان المسلمين المعروفة سودانياً بـ(حزب المؤتمر الوطني)، ورغم الرفض الشعبي الكبير لها، لا تزال تعمل جاهدة؛ مُستغلة تغلغل كوادرها في أجهزة الدولة، ومؤسساتها الأمنيِّة والعسكريِّة؛ على إعاقة المرحلة الانتقالية، وإظهار الحكومة المدنيِّة ضعيفة ومُضعضعة.

اقرا أيضاً: السودان دولة علمانية.. وجماعة الإخوان تشعر بالمرارة!

ورغم أن الجماعة تُدرِكُ أن إمكانية عودتها إلى حُكم السودان أضحت مُنعدمة تماماً، حين تواجه برفضٍ شعبي عارم؛ أشبه بحالة العداء المُستحكم والأبدي، لكنّها تحاول تعطيل الانتقال الديمقراطي، وإيقاف دولاب الحكومي، وهذا ما أشار إليه بيان صدر الثلاثاء من الأسبوع المنصرم، عن مجلس الوزراء الانتقالي في السودان، كشف عمَّا سمّاها مؤامرات جديدة للجماعة، تستهدف تقويض عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد، موجهاً الأجهزة الأمنية بالحسم.

واتهم البيان فلول جماعة الإخوان بالوقوف خلف التفلتات والاضطرابات الأمنية التي انتظمت بعض مدن البلاد، مُشيراً إلى تقارير صادرة عن وزارة الداخلية وجهاز المخابرات، تؤكد ذلك، وشدد على أن الحكومة لن تسمح لفلول الإخوان بإعاقة الانتقال الديمقراطي، وستتعامل معها بالحسم القانوني اللازم، مُثمناً الدور المحوري الذي تضطلع به لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين، واسترداد الأموال العامة في تفكيك المؤسسات والواجهات التي تموّل أنشطة النظام- الجماعة المعزولة.

مشهد من أحد المؤتمرات الصحفية للجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد- وكالات

كمون الفلول في الدولة

وفي السياق، قال الصحفي المُقرّب من الحكومة الانتقالية، منعم سليمان لـ(كيوبوست)، إن من الطبيعي أن تحارب فلول النظام البائد ما يجري في البلاد من إصلاحاتٍ سياسية واقتصادية واجتماعية، لأن ذلك يضربها في عمقها. وأن وجود خلايا الإخوان الكثيف داخل مؤسسات الدولة يُعد كذلك، أمراً طبيعياً، فالجماعة ظلَّت متحكمة بمقاليد السلطة لثلاثة عقود، مارست خلالها ما يُعرف بسياسة التمكين، حيث سكّنت كوادرها في الخدمة المدنية والأجهزة الأمنية والعسكرية وسيطرت على حركة المال والاقتصاد والأسواق وخلقت شريحة كبيرة من المستفيدين من فسادها، بينهم مدنيون وعسكريون وأمنيون ورجال أعمال وزعماء قبائل، معظمهم ينتمي فكرِّياً وتنظيمياً إلى الإخوان، وبعضهم تربطهم بها مصالح تجارية ومالية.

اقرأ أيضاً: بعد سيطرة الإخوان وزعماء القبائل.. هل يصبح شرق السودان مقراً للجماعات الإرهابية؟

منعم سليمان

لذلك، يضيف سليمان، فإن وجود فلول الجماعة داخل أجهزة الدولة، أمر معروف وطبيعي، وإمكانية تصفيتهم وإطاحتهم، أمر صعب وشائك؛ لأنه يحتاج موقفاً قانونياً صحيحاً، لذلك تعمل لجنة تفكيك نظام الإنقاذ على ذلك، وفقاً لقوانين العمل والخدمة المدنية ومكافحة الفساد. وهذه اللجنة المهمة تواجه مقاومة عنيفة من أصحاب الامتيازات المُهددة والفاسدين من فلول النظام البائد؛ لأنها تستهدف مصالحهم مباشرة.

لا عودة إلى الانقلابات

بالنسبة لبيان مجلس الوزراء، فإنه جاء في الوقت المناسب، بناءً على تقارير أمنية واستخبارية كشفت عن مخططات الجماعة البائدة لإحداث حالةٍ من الإرباك الأمني في العاصمة، والمدن الكبرى، من أجل بثِّ حالة من الخوف والرعب في نفوس المواطنين، وإيصال رسالة إلى الجماهير، فحواها أنكم صرتم في خطرٍ كبير، بسبب ضعف الأداء الحكومي في الناحية الأمنية، وهذا ما توصل إليه اجتماعٌ ضمَّ بجانب رئيس الوزراء؛ عبد الله حمدوك، كلاً من وزير الداخلية، ومدير المخابرات العامة، وقادة الأجهزة الأمنية، أسفر عن ترتيباتٍ جديدة لحفظ الأمن، ونشر دورياتٍ متحركة وثابتة في جميع أنحاء العاصمة لمنع حدوث التفلتات الأمنية، وحسم حالات السطو والنهب التي ظهرت مؤخراً.

وبظني، يستطرد سليمان، أن الحكومة قادرة ولديها الإرادة والإمكانيات على الحيلولة دون عودة فلول الجماعة إلى الواجهات السياسية والأمنية والعسكرية بالبلاد، مرةً أخرى، وقد وضعت كافة الخطط، واتخذت التدابير اللازمة لتنفيذها.

اقرأ أيضاً: السودان يطارد فلول الإخوان في الخارج.. فهل ينجح؟

أما ما يردده البعض عن أن السودان مُرشحٌ لانقلابٍ عسكري على الديمقراطية الناشئة، فهذه محض سرديّات خيالية، لا علاقة لها بالواقع. ربما صحيح وجود بعض الانقلابيين في المؤسسات الأمنية والعسكريّة، التي عاثت فيها الجماعة فساداً وتوطيناً لكوادرها ثلاثة عقود متتالية، لكنهم لن يتمكنوا من فعل شيء لسببين؛ أولهما أنهم تحت الرقابة المُشددة، وثانيهما أن أي محاولة انقلابية، في ظلِّ الظروف الأمنية والسياسية الراهنة، تعتبر مخاطرة ربما تكون عاقبتها تفكك السودان إلى دويلات، فلن يجدوا دولة يحكمونها.

أما ما يدور عن خلافات بين القوات المسلحة بقيادة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه الأول في مجلس السيادة محمد حمدان (حميدتي) فهذه محض إشاعات تروج لها فلول الجماعة لإحداث شرخ وفتنة بين القوتين، فيما الصحيح، أن العلاقة بينهما تمر بأفضل حالاتها، بل هي الأفضل على الاطلاق.

اقرأ أيضاً: “الأمن الشعبي”.. هل يقطع السودان الذراع المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين؟

قراءة التناقضات

د.آمنة عمر

من جهتها، أشارت الباحثة والمحللة السياسية، الدكتورة آمنة عمر، في حديثها إلى “كيوبوست”، إلى ما أطلقت عليه الأثر السالب للتناقض بين الأحزاب السياسية المدنية، والمؤسسة العسكرية، على إدارة المرحلة الانتقالية، فبعض قادة الجيش لا يزالون يرون ضرورة تخفيف الضغط على الإسلاميين، وترك هامش معقول لهم للمناورة، وربما يُعزى ذلك إلى أن طيفاً واسعاً منهم كان يعمل مباشرة تحت إمرة الرئيس المخلوع عمر البشير، وبقية قادة الجماعة في المؤسسات العسكرية والأمنية، مثل وزير الدفاع الأسبق الفريق أول، عبد الرحيم حسين المعتقل حالياً، ومدير جهاز الأمن والمخابرات الأسبق الفريق صلاح عبد الله قوش الهارب خارج البلاد، فيما يرى المدنيون عكس ذلك تماماً، ويقولون بضرورة تصفية الإخوان من مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية؛ جملة وتفصيلاً، وقطع الطريق أمام عودتهم مجدداً إلى المشهد السياسي، حتى لا يقوموا بإفساده.

اقرأ أيضاً: عناصر جماعة الإخوان.. ثورة مضادة كامنة في مفاصل الدولة السودانية

عبد الله حمدوك، رئيس وزراء الحكومة الانتقالية في السودان- وكالات

بلطجية الإخوان وتفكيك الدولة

ولربما، تستطرد عمر، شجع هذا التناقض الخلايا الإخوانية الكامنة في أجهزة الدولة على التحرك، مستغلة الأوضاع السياسية الهشة، والأحوال المعيشية المتردية التي خلفها حكمهم نفسه، وإحداث بلبلة أمنية عبر إطلاق ما يُسمى بعصابات النيغرز، وهي مجموعات من (البلطجية) ظهرت إبان حكم الجماعة، وكانت تستخدمها عند الحاجة لإحداث قلاقل أمنية لتخويف وترويع المواطنين، كلما خرجوا في احتجاجاتٍ وتظاهرات ضد الحكومة، فضلاً عن بقايا كتائب الظل وقوات الدفاع الشعبي الإخوانية، بجانب شراء وتمويل بعض المنصات الإلكترونية والصحف الورقية والصفحات الشخصية لبعض الناشطين الذين يحظون بمتابعةٍ كبيرة، للإضرار بسمعة الحكومة الانتقالية، وتهيئة الأجواء لانقلابٍ قادم، وإن كان ذلك أمراً صعباً، قد يؤدي إلى صراعاتٍ دموية مسلحة داخل العاصمة، لجهةِ وجود العديد من الجيوش المدججة بالسلاح والمستقلة عن القوات المسلحة السودانية، وتتمثل في قوات الدعم السريع، وقوات الحركات المتمردة السابقة التي وقعت اتفاقية سلام مع الحكومة في (جوبا) عاصمة جنوب السودان، أغسطس 2020، بجانب حركاتٍ متمردة أخرى، لم تتوصل الحكومة إلى اتفاقية معها؛ أهمها الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، وهما حركتان جيدتا التسليح، وتمتلكان جيوشاً مدربة جيداً، ولديهما خبرات قتالية طويلة، وتدعم الانتقال الديمقراطي، بالتالي فلن تقف مكتوفة اليدين، وستتصدى إلى جهة تحدثها نفسها بانقلاب. لقد انتهى عهد الانقلابات العسكرية في السودان، وأمام الجميع خياران، المضي قدماً نحو الانتقال الديمقراطي، أو تفكيك السودان إلى دويلاتٍ صغيرة وهشة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة