الواجهة الرئيسيةترجمات

فلورنس بارغو-بلاكلار: الحديث عن الإسلاموية بات شبه محرم في بلجيكا!

باحثة علم الاجتماع الفرنسية تشدد على استغلال الإخوان المسلمين مناخ الحرية الذي يميز بروكسل.. فتغلغلوا تدريجياً في النسيج الاجتماعي المحلي

كيوبوست- ترجمات

ترجمة: نور الدين تليلي

في كتابٍ جماعي صدر حديثاً في بلجيكا بعنوان «أخفوا هذه الإسلاموية.. الخمار الإسلامي واللائكية في ضوء ثقافة الإلغاء»[1]، تقول الباحثة الفرنسية في علم الأنثروبولوجيا “فلورنس بارغو-بلاكلار” Florence Bergeaud-Blackler: إن أي حديث حول الإسلاموية أصبح تقريباً من باب المحرمات في بروكسل، عاصمة بلجيكا ومقر المفوضية الأوروبية، في حين أن الأصولية الإسلامية وثقافة الانزواء الطائفي ما فتئتا تنموان وتتمددان في هذه المدينة الأوروبية، وفي بلجيكا عموماً. هذا الرأي تشاطره مجموعة من الباحثين ينشطون في “مرصد الأصولية” الذي تشرف عليه “فلورنس بارغو-بلاكلار”، وكتبوا مساهماتٍ في نفس الكتاب؛ حيث نددوا بغياب النقاش حول المسائل المتعلقة بالحركات الإسلاموية في بلد (بلجيكا) قانونه يقرّ صراحة حياد مؤسسات الدولة، في كل ما يتعلق بالمعتقدات الدينية.

«أخفوا هذه الإسلاموية.. الخمار الإسلامي واللائكية في ضوء ثقافة الإلغاء»؛ كتاب جماعي صدر بتنسيق من الباحثَين “فلورنس بارغو-بلاكلار” Florence Bergeaud-Blackler، و”باسكال هيبار” Pascal Hubert، ومن تقديم الفيلسوفة الفرنسية والمدافعة عن حقوق النساء “إيليزبات بادنتر” Elisabeth Badinter. وعلى الرغم من أن الصحف الفرانكوفونية لم تشر ألبتة إلى هذا الكتاب؛ فإنه يتصدر قائمة المبيعات في كبرى المكتبات في بلجيكا.

اقرأ أيضًا: حرب قانونية إسلاموية ضد الاتحاد الأوروبي

في الحوار التالي، الذي خصَّت به مجلة “الإكسبرس” الفرنسية، تشرح “فلورنس بارغو-بلاكلار”؛ الباحثة المختصة في المنتجات الحلال في أوروبا، والمقيمة بالمركز الوطني (الفرنسي) للبحوث العلمية، الأسبابَ التي جعلت من بعض أحياء مدينة بروكسل نوعاً من الحصن الذي تنمو فيه الإسلاموية، ومنه تمدد في باقي أنحاء أوروبا. وتؤكد نفس الباحثة أن النخب الأوروبية لا تخوض في هذه المسألة إلا من زاوية الإسلاموفوبيا.

“فلورنس بارغو-بلاكلار”

* منذ سنة تقريباً قُمتم بإحداث “مرصد الأصولية” في بلجيكا. ما الأسباب التي تقف وراء إحداث هذه المؤسسة البحثية؟

– هذه المبادرة يعود فيها الفضل إلى مربية تحمل الجنسيتَين البلجيكية والمغربية؛ وهي فضيلة معروفي، التي طلبت مني ترؤس الهيئة العلمية لهذا المرصد. ولاقت هذه المبادرة دعماً من مجموعةٍ قوامها أربعون شخصاً؛ جلهم من المواطنين البلجيكيين. تقوم فكرة هذا المرصد على إحداث مؤسسة بحثية متخصصة في دراسة ونشر أبحاث حول انتشار الفكر الأصولي في بلجيكا، وكذلك مساعدة ضحايا هذا الفكر؛ خصوصاً النساء الشابات والمثليين والأشخاص الذين يقررون تغيير ديانتهم. كما يقوم المرصد بحملاتٍ إعلانية على شبكات التواصل الاجتماعي؛ الهدف منها تنبيه الرأي العام المحلي حول خطورة هذا الفكر الظلامي، ومدى تمدده في النسيج الاجتماعي الأوروبي.

تطوَّرَ الفكر الإسلاموي في بلجيكا منذ نحو أربعة عقود في علاقةٍ مع وفود أعداد مهمة من المهاجرين المسلمين من أصول تركية ومغاربية. استغل الإخوان المسلمون مناخ الحرية الذي يميز هذا البلد وتغلغلوا تدريجياً في النسيج الاجتماعي المحلِّي، وذلك عبر عددٍ من الجمعيات التي تقدم مساعدات اجتماعية ومعيشية إلى الفئات المهمشة، وتنشط في ميادين اجتماعية مختلفة؛ كالتعليم والصحة، والاندماج في سوق الشغل.

اقرأ أيضًا: فنلندا: قضية إعادة النساء والأطفال من مناطق “الخلافة” تسلط الضوء على التكفيريين

ولتفعيل استراتيجيتهم القائمة على التغلغل الناعم في المجتمع المحلي، اعتمد الإخوان المسلمون على عددٍ من الشبكات المحلية التي تضم مهاجرين ينحدرون عادة من نفس المنطقة الجغرافية؛ مثل منطقة “الريف” الواقعة في أقصى شمال المملكة المغربية أو يقطنون في بلدان الإقامة بنفس المدينة أو الحي، مثل حي “مولانبيك” Molenbeek الواقع في ضواحي العاصمة البلجيكية (والذي ينحدر منه جلُّ منفذي هجمات باريس وبروكسل الإرهابية لسنتَي 2015 و2016).

كما تتكون هذه الشبكات أيضاً من عناصر إجرامية تمتهن تجارة المخدرات، وممنوعاتٍ أخرى، والذين يتخذون من الأحياء التي تقطنها جاليات مهاجرة قاعدة خلفية للقيام بنشاطاتهم غير القانونية بعيداً عن أعين السلطات الأمنية، وبمباركة من الجمعيات المحلية ذات التوجه الأصولي، وذلك في إطار “ثقافة الصمت” المتبادل بين الطرفَين؛ والتي تحدَّث عنها كثيراً “بيار فارموران” Pierre Vermerin؛ الأستاذ والباحث بجامعة السوربون، والمتخصص في الدراسات حول المغرب العربي؛ فثقافة الصمت هذه تَحُولُ دون تدخل مصالح الدولة البلجيكية لمعالجة بعض الوضعيات الاجتماعية الهشَّة. فالسلطات تجهل أصلاً وجود مثل هذه الوضعيات التي لا يتجاوز نطاق معالجتها إطار العائلة أو الحي، ويتم ذلك عادة بإشرافٍ من مسؤولي الجمعيات المنضوية تحت راية الإخوان المسلمين؛ والتي تنشط بكثافة في الأحياء التي تقطنها جاليات مسلمة.

المركز الإسلاميّ الثّقافيّ في بروكسل

يقول “فيليس داسوتو” Felice Dassetto؛ أستاذ سابق بالجامعة الكاثوليكية بمدينة “لوفان” البلجيكية: إن غالبية البلجيكيين لا يملكون ثقافة ضافية حول حقيقة الحركات الإسلاموية، والفكر الأصولي عموماً، وعلاقاتهم بالدين الإسلامي. وعلى عكس ما نجده في فرنسا، لا توجد في الجامعات والمؤسسات البحثية في بلجيكا تقاليد أكاديمية حول الدراسات الإسلامية؛ وهو ما يفسِّر غياب الإسلام من قائمة الموضوعات الأكثر تداولاً على الساحتَين الإعلامية والأكاديمية في هذا البلد الأوروبي.

قُلتم في كتابكم هذا إن الفكر الإسلاموي متجذر في مدينة بروكسل…

– بالفعل، يوجد في العاصمة البلجيكية نوع من الفقاعة الأصولية أو ما يمكن أن نسمّيه “بروكسلستان”؛ وهي منطقة شبيهة بما نجده في مدينة لندن أو “لندنستان”. تعتمد هذه الفقاعة الأصولية على مجموعةٍ من الأحياء والمنازل الفخمة والمساجد التي يتحصن بين مبانيها وجدرانها الإخوان المسلمون وأتباع الفكر الأصولي. فالإخوان المسلمون تَنَبَّهُوا منذ بداية الثمانينيات إلى أن مدينة بروكسل هي بمثابة المنطقة الأكثر رخاوة في جسم أوروبا الرخو؛ وهذا ما يؤكده المفكر الفرنسي “جيل كيبال” Gilles Kepel، المختص في العلوم السياسية، وفي تاريخ الحركات الأصولية؛ فالإخوان يعتقدون أن عاصمة المؤسسات الأوروبية تمثل خير مكان يمكنهم الاحتماء والعمل فيه دون عراقيل. وتَعَزَّزَ موقفهم؛ خصوصاً بعد أن قامت السلطات البلجيكية سنة 1978 بالتنازل عن مسجد بروكسل الكبير لفائدة “رابطة العالم الإسلامي” التي تمولها المملكة العربية السعودية، هذه الرابطة المعروفة بطروحاتها الأصولية. مسجد بروكسل الكبير سيصبح منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي منبراً لدعاة الفكر الأصولي المتشدد الذين ينشطون علانية ودون توجّسٍ في قلب العاصمة البلجيكية، وغير بعيدٍ عن مقر المؤسسات الأوروبية.

أما اليوم، فإن دولاً مثل قطر وتركيا الأردوغانية، تقوم بتمويل آلة الدعاية الإخوانية في بلجيكا؛ ليس فقط عن طريق ضخّ الأموال بل وباستعمال وسائل اتصال حديثة، وبث خطابات تزعم الدفاع عن حقوق النساء، ومناهضة الثقافة الاستعمارية (أو ما يُسمى اليوم “ثقافة الإلغاء”)؛ ولكنها تهدف إلى التغلغل الناعم وبصفة تدريجية في النسيج الاجتماعي المحلي. وبعد هجمات 2015- 2016 الإرهابية، في كلٍّ من باريس وبروكسل، قَرَّرَ الجناح السياسي للإخوان المسلمين في أوروبا التحالف مع الإخوان المسلمين الأتراك الموالين لأردوغان، وإسداء الأمر إلى الجماعات السلفية الجهادية الموالية لهم بالابتعاد مؤقتاً عن الأضواء إلى حين أن تهدأ العاصفتان الإعلامية والأمنية اللتان رافقتا هذه الهجمات الإرهابية.

 اقرأ أيضًا: تحت حجة العمل الخيري.. مؤسسات قطرية تدعم الجماعات المتشددة في أوروبا

مَرْصَدُنَا قام بدراساتٍ تُبيِّن أن الجالية المسلمة المقيمة في بلجيكا تتكون اليوم من عددٍ كبير من الشبان الذين وُلِدُوا وترعرعوا بين أحضان فقاعة الإسلام الأصولي. فلا غرابة إذا وجدناهم يتساءلون لماذا تمنع السلطات البلجيكية الموظفات المسلمات من ارتداء الحجاب أثناء فترة دوامهن في المباني الحكومية والمؤسسات العمومية. هؤلاء الشبان المسلمون المتشبعون بالفكر السلفي يعتقدون أن هذا الإجراء (منع ارتداء الحجاب أثناء فترة الدوام الرسمي) نابع من سياسة الإسلاموفوبيا التي تطبِّقها السلطات البلجيكية، ويتناسون أن الدستور البلجيكي يقرّ صراحةَ الفصلَ بين الأمور الدينية ومؤسسات الدولة.

مقر مؤسسة قطر الخيرية في بريطانيا

حسب رأيكم، لماذا يعتقد البعض أن الإسلاموية لا وجود لها في بروكسل؟

 – في بلجيكا لا يتحدث البلجيكيون صراحةً عن “المسلمين”؛ بل يستعملون كلمة “التنوع” للحديث عن مختلف الجاليات المهاجرة المقيمة في البلاد. وإذا استعملنا نعت “إسلاموية” أو “إسلاموي” للحديث عن هذه الجماعات المتشبّعة بالفكر الإخواني؛ فالبلجيكيون يقومون بالربط آلياً بين المسلمين، والجماعات الجهادية التكفيرية. لكن الفكر الإخواني يحاول أن يظهر أمام المجتمع البلجيكي بمظهر الفكر الناعم والمسالم الذي يتأقلم مع النسيج المجتمعي المحلي؛ بينما في الواقع همُّه الوحيد هو التمدد تدريجياً مستغلاً في ذلك حرية النشاط وتسهيلات أخرى. هذه الظاهرة تحدث عنها كثيراً الباحث الأمريكي “لورنزو فيدينو”  Lorenzo Vidino في كتابه بعنوان «الإخوانية الجديدة في الغرب» The New Muslim Brotherhood in the West.

يقول هذا الكاتب إن استراتيجية الإخوان تقوم على العمل دون ضوضاء؛ حتى لا يجلبوا انتباه السلطات والمجتمع حول ما يقومون به من نشاطاتٍ مختلفة، بما فيها في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية. في هذا الإطار أشير هنا إلى أن مجلة “الإكسبرس” الفرنسية، حاولت سنة 2013 القيام بتحقيقٍ ميداني الهدف منه التعرف أكثر إلى ماهية نشاطات الجماعات الإسلاموية المنتصبة في بروكسل؛ لكن رد هذه الجماعات المتحالفة مع بعض أوساط اليسار البلجيكي هو تقديم شكوى لدى “مجلس أخلاقيات مهنة الصحافة” ضد الصحفية الفرنسية التي حاولت القيام بهذا التحقيق، متهمين إياها بانتهاك قانون الخصوصية. وعلى الرغم من أن هذه الشكوى قد تم رفضها لاحقاً من قِبل نفس المجلس؛ فإنني أعتقد أن محاولة أي صحفي أو هيئة إعلامية للقيام بتحقيق موضوعي وشفَّاف حول نشاطات الجماعات الإخوانية في بلجيكا أو في أوروبا، مآلها غالباً الفشل؛ حيث إن هذه الجماعات أصبحت أكثر حذراً، وترفض أن تكون تحت هالة الأضواء الإعلامية.

اقرأ أيضًا: حرب قانونية إسلاموية ضد الاتحاد الأوروبي

قام “مرصد الأصولية” في صيف 2020 بإطلاق حلقة نقاش حول مسألة الفكر الأصولي في أوروبا؛ لكن فوجئنا بردة فعل الجماعات الأصولية المتغلغلة في أوروبا، والمتحالفة مع بعض الأحزاب اليسارية، كحزب الخضر والحزب الاشتراكي البلجيكي. لقد قاموا بحملة مضادة تتمحور حول فكرة “الإلغاء الثقافي”. أما المساهمون في كتاب «أخفوا عني هذه الإسلاموية» فهم ينتمون إلى فئات اجتماعية وفكرية مختلفة؛ فمنهم مَن هم مدرِّسون وباحثون مفكرون وعمال مختصون في الشأن الاجتماعي، وحتى بعض المُنتَخَبين في مجالس محلية.

قام المساهمون في هذا الكتاب بالحديث عن تجربتهم الشخصية مع الجماعات الأصولية، وإبلاغ القرّاء والرأي العام الفرانكفوني بمختلف المناورات التي يقوم بها الإخوان المسلمون المنتصبون في بلجيكا وفي أوروبا، من أجل التغلغل دون ضوضاء في النسيج المجتمعي المحلي. من المؤسف أن هذه الضجة التي افتعلتها هذه الأوساط الأصولية حَرَمَتِ الرأيَ العام البلجيكي من الاستفادة من نقاشٍ مجتمعي حرّ حول مسألة حياد الدولة في بلجيكا في وقتٍ أصبحت فيه أصوات المواطنين البلجيكيين من أصول مسلمة ذات وزن في الحياة الديمقراطية لهذا البلد. إن كتابنا هذا يرفع الستار حول بعض المناورات المناوئة للديمقراطية، ويفضح الأحزاب المتحالفة مع الأوساط الأصولية. أغتنم فرصة لقائي بكم لأشكر كل المساهمين على شجاعتهم.

تركيا أصبحت أكبر داعم للإخوان المسلمين في العالم- “ديفينس بوينت”

ماذا تقصدين بعبارة “الإلغاء الثقافي”؟

– كشف “مرصد الأصولية” أن صحفية بلجيكية قامت بإعداد مقال، تم نشره لاحقاً على أعمدة صحيفة “لوسوار” البلجيكية، تُعَبِّر فيه عن مساندتها ارتداء الحجاب في المؤسسات العموميات البلجيكية؛ لكن قبل نشره قامت ذات الصحفية بتمريره إلى الناطق الرسمي باسم “تنسيقية مُدَرِّسِي الديانة الإسلامية”، وهي جمعية قريبة من الإخوان المسلمين، الذي قام بمراجعته. هذا شيء غريب؛ وكأن صحفية ما تكتب تقريراً مناهضاً لحق الإجهاض تطلب من قس كاثوليكي أصولي مراجعة تقريرها قبل نشره. كان من المفروض أن تتساءل هذه الصحفية البلجيكية عن مدى موضوعية هذا الشخص القريب من الإخوان المسلمين، ومدى صدقية رأيه عن الموضوع الذي أعدَّته.

بعد أن كشفنا عن هذه الحادثة، تلقينا وابلاً من الانتقادات والشتائم التي تتهم مرصدنا بالقيام بدورٍ قذر لصالح اليمين المتطرف الفرنسي، وتعتبرنا أذرع “الربيع الجمهوري” في بلجيكا؛ وهو شيء غير صحيح في كلتا الحالتين. لكن اللافت في هذه المسألة أن نقاشات اليسار البلجيكي المتعلقة بحياد الدولة في المجال الديني تقوم دائماً بالاستدلال بفرنسا في كل ما يتعلق بحياد الدولة، وتعاملها مع الدين الإسلامي.

اقرأ أيضًا: الإسلاموية والإخوان المسلمون في إطار اجتماعي أوروبي جديد

من جهةٍ أخرى، قام الكاتب العام لنقابة الصحفيين الأوروبيين، الذي من بين مهامه تدريب الصحفيين حول كيفية معالجة القضايا المتعلقة بالإسلام، باتهام مرصدنا بممارسة الإسلاموفوبيا والتمييز القائم على الجنس. ولم يتوقف هذا المسؤول النقابي عند هذا الحد؛ حيث رفع ضد مرصدنا شكوى مزدوجة لدى “مجلس أوروبا” (وهو هيئة أوروبية تُعنى بحقوق الإنسان) والمفوضية الأوروبية، يتهمنا بالقيام بِهَرْسَلَةِ الصحفية البلجيكية التي نشرت مقالاً مسانداً لارتداء الحجاب في المباني الحكومية، وبممارسة التمييز إزاءها على أساس الجنس (باعتبارها امرأة)، وبمناهضة الإسلام والمسلمين (إسلاموفوبيا). من جهةٍ أخرى، تعرضت المناضلة فضيلة معروفي، التي تنشط في مرصدنا، إلى ضغوطاتٍ مختلفة وشتائم وتهديدات وصلت إلى حد فصلها من عملها كموظفة في “مركز العمل اللائكي”.

لاحظنا أيضاً أنه تزامناً مع الضغوطات والتهديدات التي تعرَّض إليها أعضاء وموظفو “مرصد الأصولية”، وفي خضم ضجة إعلامية وقضائية محورها فكرة تَزْعُمُ أن “مرصد الأصولية” يناهض الإسلام والمسلمين في بلجيكا، قام اليسار البلجيكي بحملاتٍ في أهم ضواحي مدينة بروكسل تدعو السلطات إلى السماح للموظفات المسلمات بارتداء الحجاب أثناء فترات الدوام في المصالح الحكومية والإدارات المحلية.

هل تعتقدون أن اليسار البلجيكي يقوم بنوع من المناورة السياسية؛ الهدف منها الحصول على أصوات الناخبين المسلمين؟

– في المدن البلجيكية التي يشكِّل فيها السكان المسلمون نحو 45 في المئة لا يمكن لأي حزب سياسي الفوز بأغلبية المقاعد دون أصوات هؤلاء المواطنين المسلمين. وهنا أشير إلى أن الناخبين المسلمين في بلجيكا أو في دولٍ أوروبية أخرى يمنحون أصواتهم عادة إلى المترشحين الذين يقحمون في برامجهم موضوعات إسلامية؛ مثل اللحم الحلال، وإدراج تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية في المناهج الدراسية، ومسألة بناء وتمويل المساجد، وارتداء الحجاب في المباني الحكومية.. إلخ. في هذا الإطار قام الإخوان المسلمون بعقد تحالفات مع المترشحين المنتمين إلى أحزاب اليسار؛ خصوصاً حزب الخضر.

قيادات الجالية المسلمة شاركت في مسيرات التنديد بالهجمات الإرهابية في بروكسل وغيرها -ارشيف

أنا أعتقد أن مثل هذه التحالفات لا تمثل إلا عملية انتهازية تشبه كثيراً ما تفعله بعض الطيور لَمَّا تَبيض وتَحضُن بَيْضَهَا في أعشاش قامت ببنائها طيورٌ أخرى. هذه الظواهر تبيِّن لنا مدى المناورات التي يقوم بها الإخوان المسلمون وحلفاؤهم في إطار استراتيجية “الإلغاء الثقافي” التي تسهم فيها بعض المنظمات المهنية؛ مثل “الفيدرالية الأوروبية للصحفيين” و”حركة مناهضة التمييز ومعاداة السامية والأجانب”، وجامعة بروكسل الحرة حيث يقوم مُدَرِّسُون قريبون من الحزب الاشتراكي البلجيكي بتدريب الصحفيين حول كيفية التعامل مع القضايا المتعلقة بالإسلام والمسلمين؛ فمثلاً قامت أستاذة جامعية مقيمة في ذات الجامعة بتصريح للقناة التليفزيونية الرسمية تنفي فيه وجود إخوان مسلمين في بلجيكا، وتنعت كل مَن خالفها الرأي حول هذا الموضوع بتبنِّي طروحات اليمين المتطرف.

اقرأ أيضًا: جمعية “مسلمي فرنسا”.. ذراع الإخوان المسلمين التي تتحرك بحرية!

في مدينة بروكسل، أصبح التحالف بين الإسلام وأحزاب اليسار تحالفاً واضحاً لا غبار عليه. والدليل على ذلك أن سبراً لآراء الناخبين تم إنجازه سنة 2019 بيَّن أن مرشحي “حزب الإصلاح”، وهو حزب ليبرالي في بلجيكا، حصلوا على 2 في المئة فقط من أصوات الناخبين المسلمين، في حين حصل مرشحو الحزب الاشتراكي البلجيكي على 49 في المئة من مجموع الناخبين المسلمين، وتم منح بقية الأصوات إلى مرشحي أحزاب أقصى اليسار، وحزب الخضر؛ أي أن ما يزيد على نصف أصوات الناخبين المسلمين ذهب إلى أحزاب يسارية.

كما أن الضبابية التي تمُيز مؤسسات النظام السياسي البلجيكي، والقطيعة اللغوية التي تعصف بالمجتمع البلجيكي؛ كلها عوامل تتيح للإخوان المسلمين التغلغل بهدوء في النسيج المجتمعي المحلي، والتحالف مع أحزاب اليسار، خصوصاً في مدينة “مولمبيك” الواقعة في ضواحي بروكسل.

الكثير من أتباع أحزاب اليسار في بلجيكا يعتقدون أن التيار الإسلاموي في بلجيكا لا يتجاوز مجرد ردة فعل طبيعية إزاء حملات العنصرية التي تطول السكان المسلمين؛ مثل هذا التصور يؤدي، حسب رأيي، إلى تناسي مسألة الحضور الإخواني في بلجيكا. فإذا غامر أحدهم وتَجَرَّأ على القول بأن الإخوان المسلمين في بلجيكا لهم مشروع متكامل يهدف إلى التغلغل في المجتمع المحلي وبأنهم منذ تأسيس الجماعة سنة 1928 بمصر كانوا دائماً ينشطون حسب مخططات مُحْكَمَة، فسيكون مصيره تلقِّي كيل من الشتائم، واتهامه بمعاداة الإسلام والمسلمين.

إن تغلغل الفكر الأصولي في المدن البلجيكية التي تعيش فيها جاليات مسلمة، أصبح جلياً للعيان، والدليل على ذلك هو ارتفاع عدد الطلبات المُقَدَّمة من قِبل موظفات مسلمات في بلجيكا بالإذن لهن بارتداء الحجاب أثناء فترة دوامهن. كما أن المدارس الإسلامية التي تعتمد مناهج مدرسية ذات توجه أصولي ازداد عددها في السنوات الأخيرة في بلجيكا. ونلاحظ أيضاً أن الإعلانات التي يقدم أصحابها طباً بديلاً مبنياً فقط على الأحاديث النبوية، وخُطَبِ بعض الدعاة الأصوليين، أصبحت شيئا مألوفاً نراه يومياً على أعمدة كثير من المنشورات الموجَّهة إلى الجاليات المسلمة في بلجيكا.

اقرأ أيضاً: مطالبات برلمانية في ألمانيا للتحقيق في تمويلات جماعة الإخوان المسلمين

كما أننا نسمع يومياً عن حالاتٍ أخرى قائمة على التمييز بين المواطنين على أساس المعتقد الديني؛ كمنع الاختلاط بين الجنسَين في بعض المسابح العمومية أو رفض بعض الرجال المسلمين أن يقوم طبيب بالكشف الطبي على زوجاتهم.. إلخ. كما لاحظنا أن العديد من المسلمين البلجيكيين تم تلقينهم منذ الصِّغَرِ على ضرورة العيش في إطار منظومة “الحلال”، وأن كل ما هو مخالف لذلك تجب مقاطعته.. كل هذه الوضعيات من شأنها خلق فئة من الشباب البلجيكي المسلم مُنْفَصِمة الشخصية. والدليل على ذلك أن مرصدنا (مرصد الأصولية) استقبل العديد من الشبان المسلمين الذين فرُّوا من عائلاتهم خوفاً من ردة فعل ذويهم، بعد قرارهم رفض بعض التقاليد العائلية المبنية على ثقافة أصولية.

 هل سيقع نشر كتابكم في فرنسا أيضاً؟

– إن ما نشاهده في مدينة بروكسل من تحالف بين القوى الإسلاموية واليسار البلجيكي يدفعنا إلى التفكير في عواقب مثل هذا التحالف الهجين؛ فالممارسة الديمقراطية يمكن أن تصبح قائمة فقط على أساس الانتماء الديني، وليس على البرامج والأفكار والمنافسة السياسية الشريفة والعقلانية. وما أخشاه هو أن يتحوَّل التيار الإخواني في أوروبا إلى نوعٍ من الطيور التي تبيض وتحضن بيضها في أعشاشٍ بناها الآخرون.

الإخوان المسلمون يؤدلجون مسلمي فرنسا- VOA

إن استراتيجية الإخوان المتمثلة في التغلغل الناعم في النسيج المجتمعي بدأت تعطي ثمارها، والدليل على ذلك أن محكمة ببروكسل حكمت لفائدة موظفة مسلمة تم فصلها من وظيفتها بعد إصرارها على ارتداء الحجاب أثناء فترة الدوام. والغريب في هذا القرار القضائي أن القاضي الذي أصدره ينتمي إلى جمعية تناضل من أجل ما يسمى بالحياد الإيجابي في المجتمع البلجيكي، وفي نفس الوقت هي قريبة من حزب أردوغان. كما أن تعيين إحسان حواش؛ أول امرأة مسلمة ترتدي الحجاب الشرعي، كمفوضة للحكومة البلجيكية مسؤولة عن قضايا المساواة بين الجنسين، خير دليل على تغلغل الإخوان الناعم في النسيج المجتمعي، وفي أجهزة الدولة البلجيكية.

تُعَد بروكسل بوصفها عاصمة المؤسسات الأوروبية قاعدة متقدمة لمختلف مجموعات الضغط الأوروبية والعالمية. ولا يتردد الإخوان المسلمون في الذهاب إلى الحي الأوروبي لالتقاء المراسلين الصحفيين والسفراء والمفوضين والنواب الأوروبيين والحديث معهم بشأن مسألة اندماج المهاجرين المسلمين في المجتمعات الأوروبية، مستغلين في ذلك مناخ الحرية وحياد مؤسسات الدولة البلجيكية التي يحتِّم دستورها الفصل بين الدين ومؤسسات الدولة. ولقربهم من مواقع القرار بالعاصمة البلجيكية، يتلقى الإخوان المسلمون في بلجيكا دعم بعض الدول الإسلامية التي تحالفت معهم.

ما ردود الفعل التي رافقت نشر كتابكم «أخفوا عني هذه الإسلاموية» في بلجيكا؟

– لقد قاطعتنا العديد من الصحف ووسائل الإعلام المحلية التي فضَّلت عدم الحضور أثناء الندوة الصحفية التي قُمت بتنظيمها بمناسبة صدور هذا الكتاب الذي هو ثمرة مجهود جماعي. وعلى الرغم من هذا الغياب اللافت، تَصَدَّر كتابنا قائمة المبيعات في أهم المكتبات في بلجيكا، كما تلقينا العديد من الرسائل الخاصة التي وافانا بها العديد من المنتخبين المحليين في بلجيكا الذين يتأسفون على عدم قدرتهم على المساهمة في التصدي للتغلغل الإخواني.

اقرأ أيضًا: الإسلام السياسي في فرنسا والتوجه نحو الاستثمار في التعليم

نحن نقول لهم من هذا المنبر، إن أردتم فعلاً التصدي لهذه الظاهرة فيجب عليكم أولاً دعم الجمعيات والهيئات التي تناضل من أجل التصدي للفكر الأصولي، كما أنصحهم بتمويل برامج بحثية تقوم على دراسة ظاهرة التمدد الإخواني بكل موضوعية، وبعيداً عن الحسابات الانتخابية الضيقة. إنه لمن الغريب مثلاً أن تَعهد السلطات البلجيكية إلى جمعيات إخوانية مهمة إعادة تأهيل الجهاديين الذين بيَّنت هجمات 2015 و2016 الإرهابية في كل من باريس وبروكسل، تكاثر عددهم في بلجيكا. ومن الغريب أيضاً أن نرى القناة التليفزيونية المحلية (BX1) ببروكسل تعتذر لمشاهديها عن عدم نقل مراسم دفن الداعية السلفي رشيد هدّاش الذي كان يحظَى بشعبية كبيرة لدى جزء كبير من الجالية المسلمة في المدينة؛ ما دواعي هذا الاعتذار؟

قامت “إيليزبات بادنتار” بتقديم كتابكم…

– لقد تواصلت “إيليزبات بادنتار” مطولاً مع فضيلة معروفي، ومنحتنا شرف تقديم كتابنا هذا؛ إنها بذلك تقوم بإبلاغ الرأي العام الفرنسي بحقيقةِ تنامي الفكر الأصولي في المجتمع البلجيكي. الفرنسيون والبلجيكيون ينتمون إلى أوروبا، وبروكسل هي عاصمة أوروبا؛ لذا يجب الإسراع بالتواصل مع البلجيكيين حول هذا الموضوع.

مقابلة صحفية من إعداد “توماس ماهلر” -نُشرت على أعمدة مجلة “الإكسبرس” الفرنسية بتاريخ 03 يونيو 2021

[1] الكتاب موضوع هذا الحوار الصحفي:

« Cachez cet islamisme. Voile et laïcité à l’épreuve de la cancel culture », sous la direction de Florence Bergeaud-Blackler et Pascal Hubert, Bruxelles, éd. La Boîte de Pandore, 240 pages.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة