الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

فلسفيًا ولغويًا: كيف يمكن مواجهة الروايات المتطرفة؟

تأثير الأطر اللغوية على إدراك الجمهور

ترجمة كيو بوست –

“لا يمكن لجهود مكافحة التطرف أن تحقق نجاحات من خلال الروايات المضادة بعيدًا عن النهج العلمي الصحيح، المبني على أصول فلسفية ولغوية ونفسية”، هذا ما ذكرته الخبيرة الألمانية ليندا شليغل، في مقالتها في مجلة “ذي ديفنس بوست” الأمريكية.

اقرأ أيضًا: بين الوسطية والتطرف: الحرب الفكرية الإماراتية بذخيرة رقمية 

شهدت السنوات الأخيرة زيادة حادة في النقاشات حول التطرف ومكافحته في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة. العديد من البلدان طورت إستراتيجيات لمواجهة النشاطات الإرهابية، وصممت برامج لتفكيك أيديولوجيات التطرف بين الأفراد بغرض إعادة دمجهم في المجتمع. وفي هذا السياق، انخرط الأكاديميون والسياسيون والمتخصصون في مناقشة مفهوم الروايات المضادة والروايات البديلة.

 

الرواية المضادة والرواية البديلة

كما يتضح من اسمها، الروايات المضادة هي الصياغات والبيانات والتصريحات التي تسعى إلى دحض الادعاءات الأيديولوجية التي يستخدمها المتطرفون عبر أدواتهم الدعائية المختلفة. على سبيل المثال، إذا ادعت حركة يمينية متطرفة أن المهاجرين هم المسؤولون عن معظم قضايا الاغتصاب ضد النساء البيض، فيمكن للراوية المضادة أن تستخدم إحصائيات جنائية لنفي وإبطال هذا الادعاء.

أما الروايات البديلة، فهي لا تهدف إلى مقاومة ادعاءات معينة فحسب، بل تهدف كذلك إلى تقديم وجهات نظر بديلة. يجري تصميم الرواية البديلة بغرض إقناع الجمهور بالحقيقة الصحيحة البديلة، وتفكيك الحقيقة الزائفة أمام أعينهم، ولا تهدف فقط إلى نفي الزائف منها. الرواية البديلة تقدم خيارًا إيجابيًا ولا تكتفي بالنفي أو الدحض. على سبيل المثال، العديد من الحركات الجهادية تزعم أن الغرب في حالة حرب مع الإسلام، ولمواجهة هذا الادعاء، يمكن اللجوء إلى رواية بديلة باستخدام أدلة دامغة حول تمتع المسلمين في الغرب بالحقوق الفردية بشتى أنواعها، أهمها الحرية الدينية، وكذلك إبراز حقيقة وجود تعاون بين الأمم الغربية والأمة الإسلامية على المستوى المؤسساتي، والمسيحيين الغربيين والمسلمين الشرقيين على المستوى الفردي.

اقرأ أيضًا: ما الفرق بين الأصولية، والراديكالية، والتطرف، والإرهاب، والفِكر الجهادي؟

 

تأثير الاختيارات اللغوية

يجب على السياسيين والصحفيين والأكاديميين والعاملين في مجال مكافحة التطرف أن يدركوا مزالق خياراتهم اللغوية بكل تفاصيلها. يمكن للغة أن تؤثر على تصورات الأفراد بشكل أكثر تعقيدًا مما يتصوره البعض، والأمر يتخطى حاجز الانقسام بين الراوية المضادة والرواية البديلة. ولهذا، علينا أن نعي أن الروايات المضادة والبديلة قادرة على تشكيل وجهات نظر الأفراد بطريقة تتماشى مع الخيارات اللغوية المتخذة، سواء بشكل إيجابي أو سلبي.

قدمت الخبيرة الألمانية الرائدة في مجال اللغة والإدراك، إيليزابيث ويلنغ، كتابًا عظيمًا في جامعة كاليفورنيا تحت عنوان “التأطير السياسي”، حللت فيه أطر وتأثيرات استخدام اللغة على تصوراتنا. تذكرنا “ويلنغ” بأن الناس جميعًا يستخدمون “الأطر اللغوية” في جميع الأوقات وفي جميع الظروف، باعتبارها أدوات لنقل معان أبعد من الكلمات المنطوقة.

يمكن للأطر اللغوية أن تؤثر على تفكيرنا على مستوى عميق، وأن توجهنا نحو اهتمامات معينة، وأن تجعلنا نتبنى معاني محددة لمصطلحات معينة. ومن الأمثلة المشهورة على ذلك، تجربة أجريت على متحدثين أصليين في اللغتين الإسبانية والألمانية. طلب من كلا الفئتين وصف كلمة جسر (الجسر مذكر بالإسبانية، ومؤنث بالألمانية). الألمان وصفوا الجسر بـ”الجميل والأنيق”، أما الإسبان فوصفوه بـ”بالقوي والخطير”. كما نرى، يمكن للأطر اللغوية أن تؤثر على الأفكار بشكل عميق، وهذا ينطبق تمامًا على عالم السياسة.

اقرأ أيضًا: ما هو الإرهاب بالتحديد؟ ولماذا يربطه البعض بالإسلام؟

يمكن للحديث عن “العبء الضريبي” أن يحمل دلالات حول الآثار السلبية للضرائب، بدلًا من تأطير الضرائب كمساهمة إيجابية في العمل المجتمعي العام: عبارة “العبء الضريبي” ترمز إلى “الثقل” و”الإرهاق” بالنسبة لنا. من ناحية أخرى، عبارة “الملاذ الضريبي” تحمل دلالات إيجابية تبرر التهرب الضريبي وعدم مساهمة الناس في العمل المجتمعي العام.

بما أن اللغة تؤثر على تفكيرنا بشكل عميق، فإن هذه الإطارات اللغوية هي أكثر من مجرد استعارات، بل تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل الرأي العام. أشارت “ويلنغ” في كتابها إلى أن نفي الإطار اللغوي لا يؤدي إلا لتعزيزه فحسب، وهذا يعني أن نفي الادعاء لا يؤدي إلا لتعزيز ذاك الادعاء. عند الحديث عن مساوئ “الملاذ الضريبي” على سبيل المثال، فإن هذا لا يعطي الجمهور صورة سلبية عن التهرب الضريبي بل يعزز الصورة الإيجابية المرتبطة بكلمة “ملاذ”.

تقول “ويلنغ”: “إذا أردت أن تواجه هجمات لفظية، فعليك أن تتجنب استخدام الإطار ذاته الذي استخدمه الخصم، لأنك، في هذه الحالة، ستعزز الصورة التي يسعى الإطار إلى نقلها للمستمعين”.

اقرأ أيضًا: خبراء لكيوبوست: مواجهة دعاة التطرف ضرورة، وأخطاؤهم يجب أن تتوقف

وبما أن نفي الإطار اللغوي لا يؤدي إلا لتعزيز ذاك الإطار إدراكيًا، فإن هذه معضلة حقيقية أمام العاملين في مجال مكافحة التطرف، وأمام السياسيين الذين يسعون إلى دحض ادعاءات المنظمات الإرهابية. عندما يتحدث الصحفيون أو السياسيون حول مواجهة “الدولة الإسلامية”، فليس هناك فرق إدراكي بين إطار “الدولة الإسلامية المزعومة” أو “تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي”. وهذا يعني أن تكرار عبارة “الدولة الإسلامية” يمنح التنظيم الإرهابي صفة “الدولة” وكأنها “دولة المسلمين”، وهذا ما لا يمكن تمييزه عند الكثير من الغربيين العاديين.

من خلال استخدام عبارة “الدولة الإسلامية”، فإنهم يربطون الأطر الأوسع لـ”الإسلام” و”الدولة” بالمجموعة، وبالتالي هم يعززون فكرة أن داعش هي “إسلامية” و”دولة”. هذا بالطبع يكسب داعش الشرعية باعتبارها سلطة دينية وكيان دولة، حتى لو هوجمت لفظيًا في الوقت ذاته.

والأسوأ من ذلك هو أن الربط اللغوي بين الإرهاب والإسلام في إطار واحد يؤدي حتمًا إلى علاقة إدراكية بين المصطلحين، وهذا ما يطلق عليه اسم “نظرية هيب” للعلوم العصبية. يؤدي هذا الربط إلى التأثير على الخلايا العصبية في أدمغتنا، وبالتالي يؤثر على إدراكنا لداعش، والإسلام، والإرهاب، والدولة. هذه الحالة تشكل وصفة استقطاب طويلة المدى للتغلغل داخل المجتمعات المتنوعة من جهة، ورسم صورة نمطية ضد المسلمين من جهة أخرى.

اقرأ أيضًا: التيارات المتطرفة ونبوءات آخر الزمان: أيديولوجية سياسية أم عقيدة دينية؟

 

الخلاصة

عند مقاومة ادعاءات الحركات المتطرفة، ينبغي ألا نعتمد على الروايات البديلة فحسب، بل يجب أن نعيد النظر في الطريقة التي نبني بها الروايات. إن الروايات المضادة الأكثر نجاحًا هي التي لا تعيد استخدام المصطلحات المستخدمة من قبل المتطرفين، بل تبني سردًا مضادًا يستند إلى أدوات لغوية مختلفة.

 

المصدر: مجلة “ذي ديفنس بوست” الأمريكية

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة