الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةمجتمع

فلاسفة: جذور العقاب ترجع إلى الضغينة وليس إلى الصالح العام

علم الفلسفة وراء العقاب – كيف تطور هذا المفهوم؟

ترجمة كيو بوست عن مجلة “ذي ويك” الأمريكية

بقلم أستاذي علم الفلسفة في جامعة تافتس الأمريكية باتريك فوبر، وروري سميد.

عندما يُقبض على أحدهم يمارس الغش في لعبة البوكر، على سبيل المثال، سيعاني ذلك المرء من شكل أو أكثر من أشكال الأذى، منها السخرية والنبذ وحتى أسوأ من ذلك. ولهذا، يعتقد معظم الناس أن الغشاشين يستحقون العقاب. هذا شعور مألوف لدى البشر، الذين يشعرون بالمتعة بـ”قانون الانتقام”. تتخذ العقوبات أشكالًا مختلفة ومعقدة، تتراوح بين الشيء المخفف مثل الاستهزاء، والشيء المشدد مثل السجن. في بعض الأحيان، الطرف المظلوم هو من ينفذ العقوبة، وفي أحيان أخرى، طرف ثالث هو من يتولى المهمة.

قد نتساءل لماذا نصادر لعبة من طفلنا عندما يرتكب خطأ متعمدًا؟ وهذا يقود إلى السؤال الأكبر: لماذا نعاقب في المقام الأول؟ يمكن القول إن العقاب الحديث تطور بغرض تعزيز خير أكبر، ومنع مآسي مستقبلية. يندرج هذا النهج تحت مفهوم الإيثار. بحسب هذه النظرية، قد تكون العقوبة باهظة التكاليف لكنها ستجلب منافع للآخرين، وستقيهم من شرور أخرى، تمامًا كما ستحمي صاحب الذنب من تكرار أخطاء سابقة.

اقرأ أيضًا: من منظور الفلسفة وعلم النفس، ما الفرق بين التسامح والتناسي؟

لقد أدى العقاب إلى تحقيق التعاون على الأرض، وفرض قواعد عادلة، وردع المستهترين. بل إن العقاب ضروري من أجل الحفاظ على قواعد وقوانين الكون. ويمكن التأكيد على أن أصول العقاب تعود إلى العصور الأولى من البشرية، وحتى قبل اضطرار البشر إلى صياغة قواعد العقاب والانضباط. وقد حددت الأبحاث الحديثة سياقات مارست فيها قرود الشمبانزي أنواعًا من العقاب ضد الاستغلاليين من البشر.

ومن أجل الإنصاف، لا يمكن القول إن العقاب “دائمًا” يعزز الخير الأكبر، نظرًا لاستخدامه من قبل استغلالين من أجل قمع الأقليات، وتعزيز التمييز، واستغلال المجموعات المحرومة، والحفاظ على المبادئ الاجتماعية العنصرية والجنسية، وكذلك تعزيز القهر لدى بعض الفئات المجتمعية. تندرج هذه الممارسات تحت مفهوم “العقاب المعادي للمجتمع”، الذي يتسبب في عواقب لا تحمد عقباها على المدى الطويل.

وتشير الملاحظات البحثية إلى أن “الإيثار” هو جزء صغير من قصة تطور العقاب. وبرغم أن العقاب حاسم لتحقيق بعض أشكال التعاون الاجتماعي، إلا أن نشأته لم تكن بسبب الإيثار، حسب البحوث المختلفة، بل هنالك سبب آخر تمامًا أدى إلى بروز مفهوم العقوبة، التي لعبت -فيما بعد- دورًا اجتماعيًا مفيدًا.

 

إذا لم يكن العقاب قد تطور من أجل الصالح العام، فكيف تطور أصلًا؟

عند الرجوع إلى الأبحاث المبكرة حول تطور السلوك الاجتماعي، سنجد أن عالم الأحياء التطوري البريطاني، ويليام هاميلتون، قد حدد في أعماله النظرية الإجراءات الاجتماعية بين المخلوقات. ووفقًا له، فإن “الحقد” و”الضغينة” هما الدافعان الأولان لمفهوم العقاب الذي ساد في المجتمعات الأولى، ويرجع ذلك إلى الطبيعة الانتقامية التي اتصف بها البشر الأوائل. وبحسب هذا الفهم، يمكن القول إن العقاب البدائي تسبب بتكلفة على منفذ العقوبة، وأذى على المتضرر منها. علاوة على ذلك، بما أن العقاب قد نشأ كنوع من الحقد، بدلًا من صقل الوئام الاجتماعي، فإن هذا ينطبق كذلك على الحيوانات مثل الأسماك والقرود، وليس البشر فحسب.

اقرأ أيضًا: ما الذي يجعل الأشياء مضحكة؟ علم النفس والفلسفة يجيبان

عندما نكتشف وجود صلات بين الضغينة والعقاب، فإننا نفتح نافذة على مجموعات من الفرضيات التطورية الجديدة حول أصول العقاب. تشير بعض البحوث في هذا المجال إلى أن “إلحاق الأذى” انتشر في المجتمعات البشرية الأولى بناء على عضوية المجموعة الواحدة، بغرض إجبار المجموعات الأخرى على “التعاون” معها. وبكلمات أخرى، لا يمكن الجزم بأن العقوبة لحقت فقط بالأشخاص الذين يمارسون الغش أو الخطيئة.

ويمكن رصد مبدأ العقوبة عند غير البشر كذلك. عندما نقوم بمسح السلوك الاجتماعي غير الإنساني، نرى أمثلة غريبة على ما يشبه العقاب؛ فعلى سبيل المثال، تقوم البكتيريا الزائفة الزنجارية (Pseudomonas aeruginosa) بعرض شكل من أشكال السموم الخطرة الضارة، وقد اكتشف العلماء أن إفراز تلك السموم مرتبط بانتشار “الاحتيال”، ويتسبب بفشل إنتاج ناقلات الحديد المفيدة. كما وجدت الدراسات وجود علاقات عقابية ما بين النحل في إنتاج العسل، والنمل كذلك.

 

الخلاصة

من غير المرجح أن يكون لدى مفهوم العقاب تفسير تطوري واحد؛ فليس جميع العقوبات تساهم في تعزيز المصلحة العامة، كما أن ليس جميعها ذات جذور شريرة. هذه الحقيقة قد تساعدنا في تفسير الأسباب التي تدفعنا إلى معاقبة بعض الفئات أكثر من غيرها، أو فرض عقوبات عليها لا تتناسب وحجم الخطأ.

 

المصدر: مجلة “ذي ويك” الأمريكية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة