الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

فلاديمير يغزو فولوديمير: أوهام اجتياح روسيا لأوكرانيا

عادل مرزوق♦

تزعم هذه المقالة أن ثمة ادعاءات وتصورات واستنتاجات تتصف بالمبالغة والتهويل حول حرب اجتياح روسيا إلى أوكرانيا. لا يرتبط ذلك بالتقليل أو الاستهانة بحجم ومظاهر المآساة الإنسانية التي ستخلفها هذه الحرب، أو الدمار الذي ستتسبب فيه، ونزوح ملايين اللاجئين، بل بما يتم ترويجه وتبنيه من آراء وتحليلات تذهب إلى أن العالم يخضع لعملية إعادة تشكيل لمراكز القوة فيه من جديد. وعليه، تحاول هذه المقالة محاكمة والتحقق من النتيجة الأكثر رواجاً لدى العديد من وسائل الإعلام والمحليين السياسيين، وهي التنبؤ بأن هذه الحرب ستنتهي بصعود روسيا كقطب عالمي جديد بالتوازي مع تراجع الولايات المتحدة ودول الغرب إلى الوراء.

طالما كان الأوكرانيون مكوناً أصيلاً في حضارات (السلاف) الذين استوطنوا مناطق أوراسيا وفق تقسيمات متشابكة مع الروس في جغرافية متغيرة. فعلياً، يصعُب التفريق بين روسيا وأوكرانيا أو انتخاب فوارق حضارية بين البلدين والشعبين، سياسياً واجتماعياً وثقافياً ودينياً ولغوياً. وعليه، يجدر بنا النظر إلى حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا، واجتياح أراضيها، باعتبارها حرباً تستدعي، في صورةٍ من صورها، عناصر تقاسم الروس والأوكرانيين التاريخ نفسه، اللغة والدين. وهو ما يتصل باعتبار موسكو انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، ونصب أسلحته على أراضيها، استفزازاً أكد الروس غير مرة أنهم لن يقبلوا به.

اقرأ أيضًا: الإعلام في الحروب متجاوزاً دوره التقليدي

صحيح أن دول الغرب، بل وغالبية دول العالم التي صوتت على إدانة قرار الحرب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ترفض القبول بسلة المبررات التي قدمتها موسكو فيما يتعلق بتمدد الناتو إلى حدودها، واعتباره خطراً على أمنها القومي، رغم ذلك، تُدرك الولايات المتحدة وبقية دول الناتو، وبما لا يدعو للشك، أنها مبررات تستند لتوافقات تاريخية، وأن جزءاً من قواعد السياسة الدولية وتوزاناتها لطالما كانت ترتكز على هذه التوافقات والتفاهمات.

بالتوازي، يجدر الانتباه إلى أن هذه الحرب -رغم الهالة الإعلامية التي تحيط بها، وبيومياتها، وسقف الرهانات المفتوح لتداعياتها من قبل العديد من المراقبين- تفتقر لعنصر المفاجأة، وحدها حكومة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من كانت تشكك في نشوب الحرب مع روسيا، وهو ما كان واضحاً، وبطريقة فجة في بعض الأحايين، من خلال تصريحات المسؤولين الأوكرانيين، وامتعاضهم من تكرار واشنطن وتصريحاتها المستمرة عن عزم الجيش الروسي اجتياج الأراضي الأوكرانية خلال فبراير/ شباط الماضي.

جندي أوكراني عند نقطة حدودية مع روسيا- “فورين بوليسي”

الحسابات الأمريكية كانت -ولا تزال- ملمة بتفاصيل المشهد، ودقيقة حد التصريح والإعلان -بتقييم دقيق- إلى ما يحتاجه الجيش الروسي من قوة عسكرية (200 ألف جندي) لشنِّ حربه على أوكرانيا، والسيطرة عليها (ناشيونال إنترست/ 25 كانون الثاني/ يناير 2022). في السياق ذاته، تدرك واشنطن أن ما يطلبه الروس هو الحد الأدنى من “مبدأ مونرو- 1823” الذي يحدد قارة أمريكا الجنوبية كحديقةٍ خلفية للولايات المتحدة، حيث لا يجب السماح لأي قوة عالمية من منافستها فيها، إذ أن ذلك يعد خطراً استراتيجياً على الأمن الوطني، وهو ما يعيد إلى الأذهان “أزمة الصواريخ الكوبية- 1962”.

لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة كانت مرحبة بهذه الحرب أو أن موقفها يمكن تلخيصه في القبول بالأمر الواقع والتسليم بما ستؤول إليه من نتائج. لكنه يعني، بالضرورة، أن واشنطن كانت على دراية بفرضية الحرب، وأنها درست باستفاضة مدى قدرتها على إعادة ترتيب أوراقها، وتنسيق ردود أفعالها لتكون محصلة هذه الحرب -التي لن تستطيع إيقافها أو التدخل فيها- أقل ضرراً، بل وأن لا تخلو نتائجها وتداعياتها من تحقيق مكاسب لواشنطن.

اقرأ أيضًا: قصف محطة “زابوريجيا” النووية في أوكرانيا يذكِّر العالم بكوارث نووية سابقة

من هذه المكاسب المباشرة ما ستتسبب فيه العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو من تأثيراتٍ سلبية وخسائر فادحة على اقتصاد روسيا الصاعد من جهة، ومن جهة أخرى، يمكن مُلاحظة استجابة الشركاء الأوروبيين في حلف الناتو، واستعداهم الطوعي لضخ مليارات الدولارات في موازنات الناتو الدفاعية، وهو ما كانت واشنطن تطلبه بإلحاح لعقود.

كذلك هي بريطانيا التي تبدو الأكثر حماسة بين دول أوروبا لاستمرار الأزمة وتطبيق العقوبات و”هزيمة الروس” بتعبير وزيرة الخارجية ليز تراس، مُقارنة بمواقف كلٍّ من باريس وبرلين اللتين تبدوان مصرتين على بذل المزيد من الجهود الدبلوماسية لإيقاف الحرب، والوصول إلى تسوياتٍ سياسية تقيها التبعات الأمنية الخطيرة والخسائر الاقتصادية الباهضة جراء تطبيق العقوبات على روسيا. وهو ما يؤكد أنه، وخلاف ما تدعيه قيادة حلف الناتو من أن الحرب لم تستطع التفريق بين دول الحلف، فإن اصطفافات جديدة في “الناتو” قد حدثت بالفعل، وأن مواقف ألمانيا وفرنسا ورؤيتهما للموقف، وسبل الخروج من الأزمة، تختلف عن بريطانيا باعتبارها أحد أقل المتضررين من العقوبات على موسكو، خصوصاً في ملف واردات الطاقة.

مرت أوكرانيا بأحداث سياسية في طريقها للانفصال عن روسيا- Stanislav Krasilnikov / TASS

يمكن القول إن الحسم العسكري لروسيا في حربها على أوكرانيا، أو إذعان كييف وحلف الناتو لمطالبها بالحياد الأوكراني، باعتبارها حديقة خلفية لموسكو، والاعتراف بالسيادة الروسية على “القرم”، يحافظ على هيبة روسيا والإقرار بنفوذها الدولي كدولةٍ عظمى. وهو -على أي حال- الدور الذي كانت روسيا، ولا تزال، تُمارسه على أرض الواقع في كلٍّ من أفغانستان وسوريا وليبيا.

صحيحٌ أن هذا الصعود الروسي يتزامن مع الانسحاب الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يشي بأن دور روسيا يتعملق على حساب الدور الأمريكي، إلا أن استنتاجاً يذهب إلى أننا في زمن الصعود الروسي والتراجع الأمريكي هو استنتاج متسرع وغير دقيق. ما يحدث هو أن روسيا ستحافظ على نفوذها وموقعها الدوليين، وستؤكد على الخطوط الحمراء التي وضعتها للولايات المتحدة، وحلف الناتو سابقاً، يتزامن ذلك مع تراجع اقتصادي ملحوظ وخسائر فادحة.

اقرأ أيضًا: أولكسندر ميريزكو لـ”كيوبوست”: أوكرانيا تعوِّل على الدور الإماراتي في مجلس الأمن لعودة السلام

بالتوازي، تعتقد الولايات المتحدة أن مواجهة الصين الصاعدة هو الملف الأكثر أهمية، والذي يمثل تهديداً حقيقياً لسيطرتها ونفوذها العالميين. وعليه تكون حرب الرئيس بوتين في صورة من صورها مشروعاً لتحجيم القوة الاقتصادية لروسيا دون أن تتكبد الولايات المتحدة أو حلفاؤها الفعليين أي خسائر مباشرة. كما أنه مشروع مفيد في تحفيز شركاء واشنطن الفعليين في أوروبا للقيام بأدوارٍ فاعلة في الناتو وخارجه، وهو ما تحتاجه واشنطن اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.

♦رئيس تحرير البيت الخليجي للدراسات والنشر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عادل مرزوق

رئيس تحرير البيت الخليجي للدراسات والنشر

مقالات ذات صلة